(رسالية) الأربعين
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2017/10/25
القراءات: 27

في هذا المقال، نتناول قضية الأربعين من خلال أربعة محاور؛ هي: أرض كربلاء، ومسيرة الإصلاح، والأربعين علامة المؤمن، والزيارة والزائر.

أولا: أرض كربلاء

في القرن الأول الهجري، كانت الحواضر الإسلامية في طول البلاد وعرضها عامرة.

فمــــكة المــــكرمة، والمــــدينة المنــــورة، وخراسان، والشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، وأفريقيا، والأندلس؛ كلها كانت حواضر عامرة.

في ذلك القرن، وتحديدا في عام 61 للهجرة، لم تكن كربلاء المقدسة حاضرة؛ بل لم تكن محافظة، ولا قضاء، ولا حتى ناحية؛ حسب التقسيم الجغرافي المعروف؛ بل كانت أرضا تعرف بهذا الاسم تقع بين مجموعة من القرى في نواحي حاضرة الكوفة؛ وهي: الطف، وقصر مقاتل، والغاضرية، ونينوى، والنواويس، والعقر؛ وكان قضاء «عين التمر» الحالي أكبر مدينة غربي الكوفة .

أما المنزلة الحقيقية لهذه الأرض المقدسة؛ فقد وردت على لسان الإمام السجاد، عليه السلام، حيث قال: «اتخذ الله أرض كربلاء حرما آمنا مباركا. وأنّه إذا زلزل الله - تبارك وتعالى- الأرض وسيرها، رُفعت - كما هي بتربتها- نورانية صافية؛ فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة؛ لا يسكنها إلا النبيون والمرسلون»(1)

ثانيا: مسيرة الإصلاح

الغريب - ولا غرابة لمن يعرف السبب - أن الإمام الحسين، عليه السلام، بدأ نهضته المباركة ومسيرته الإصلاحية انطلاقا من هذه الأرض؛ لا من المدينة المنورة؛ حيث مولده وموطنه، ولا من مكة المكرمة؛ حيث الكعبة المشرفة وبيت الله الحرام، ولا حتى من الكوفة التي وصل إلى مشارفها، ولا من أية من الحواضر الإسلامية المعروفة الأخرى.

هكذا - كما في التقدير الإلهي وفي اللوح والقلم - بدأ الإمام الحسين، عليه السلام، مسيرة الإصلاح في الأمة الإسلامية من هنا؛ من أرض كربلاء المقدسة بالتحديد.

لقد قالها؛ مطمئنا الأمة أولا: «إني لم أخرج أشرا....»؛ وهذا تطمين. والأشر هو المستكبر.

وقال: «... و [لم أخرج] بطرا...»؛ وهذا تطمين آخر. والبطر هو الطاغي والمغالي في زهوه واستخفافه.

وقال: «...و[لم أخرج] ظالما..»؛ وهذا تطمين ثالث.

وقال: «...و[لم أخرج] مفسدا؛ وهذا تطمين رابع.

إذن؛ فليطمئن الجميع أنه لا قتل، ولا سلب، ولا كبت، ولا مصادرة حريات، ولا إقصاء، ولا دكتاتورية؛ ونحوها.

وبعد أن طمأن الإمام الحسين، عليه السلام، الجميع، وهو مصدر الرحمة ومنبع الاطمئنان، وباب نجاة الأمة، استطرد قائلا: «...وإنما خرجت لطلب الإصلاح ...»؛ فالهدف، إذن، من نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، هو «الإصلاح» حصرا؛ ولذا جاء بأداة الحصر «إنما».

ولاحظوا لطافة عبارة الإمام، عليه السلام، في تلك الأجواء المتوترة جدا؛ فقد قال: «في أمة جدي...»، فالهدف - إذن - هو إصلاح الأمة؛ كل الأمة؛ فليس الهدف إصلاح طائفة، أو حزب، أو قبيلة، أو مكون، أو قومية، أوعرق، أو لون.

وقال، عليه السلام: «جدي»؛ ليذكر الأمة بأنهم أتباع نبي مرتبط بالسماء، وليسوا أناسا عاديين، وهذا النبي جده، صلى الله عليه آله، وليدلل- أيضا - على «رسالية» نهضته الإصلاحية، وأنه معنيٌ بأمرهم وإصلاح شؤونهم، وأنهم، إذا أرادوا الإصلاح؛ فإن الإمام الحسين، عليه السلام، هو المصلح والمنقذ، ولا أحد سواه مهما حمل من الألقاب والمناصب والمسؤوليات.

إلى هنا اطمأنت الأمة بعبارات التطمين هذه وتأكدت من هدف نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، وهو الإصلاح .

ولكن؛ يبقى هاجس الخوف والتخوف من «وسيلة» الإصلاح مسيطرا على الأذهان؛ فقد تكون وسيلة الإمام، عليه السلام - والعياذ بالله - هي القتل، والحرق، والدمار، والإرهاب!! ولكن الإمام، عليه السلام، أفصح عن صورة الإصلاح ووسيلته؛ فقال: «أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي، وأبي»؛ ليدلل - مرة أخرى- على رسالية نهضته، وأنه مرتبط بالسماء بدءا، ومسيرا، وهدفاً.

إذن؛ صورة الإصلاح هي الأمر بالمعروف؛ كل ما هو معروف، والنهي عن المنكر؛ كل ماهو منكر، وبالوسيلة ذاتها التي استعملها رسول الله، صلى الله عليه وآله، كما هو واضحٌ في سيرته العطرة، وكذلك بالوسيلة ذاتها التي استعملها أمير المؤمنين، عليه السلام، كما هو واضح في سيرته العطرة.

إذن؛ فالإصلاح في الأمة بدأ من أرض كربلاء المقدسة تحديدا، وعلى يدي ولي أمر ذلك العصر والزمان وهو الإمام الحسين، عليه السلام.

 لقد استشرى الفساد في كل مفاصل الأمة، وفي طول البلاد وعرضها؛ الفساد في الحكم والسياسة، والفساد في الفقه والمعارف، والفساد في الاقتصاد والمعيشة، والفساد في الفرد والعائلة والمجتمع؛ وما أشبه، ومثل هذا الاستشراء يتطلب من الامام، عليه السلام، أن يضحي بنفسه الزكية، وبتلك التضحيات الجسام.

ثالثاً: « الأربعين «علامة المؤمن

وصف أهل اللغة "العلامة" بأنها: السمة والإشارة المميزة، أو المعلم (بفتح الميم فالتسكين فالفتح).

وفي الحديث الشريف المروي عن الإمام العسكري، عليه السلام، وصف زيارة الأربعين بأنها «علامة» من علامات المؤمن الخمس؛ حيث قال: «علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين [الفرائض والنوافل اليومية]، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».(2)

فزيارة "الأربعين"، إذن، سمة من سمات المؤمن، وإشارة مميزة له؛ تميزه عن غيره.

وحسب التوصيف الوارد في هذا الحديث الشريف؛ فإن زيارة الأربعين تأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد الصلوات المفروضة والمستحبة، وتشكل - مع التختم، والتعفير، والجهر بالبسملة - منظومة علامات المؤمن.

وتعدّ زيارة الأربعين إحدى أهم «الزيارات المخصوصة» للإمام الحسين، عليه السلام. ومعلوم أن للإمام الحسين، عليه السلام، نوعين من الزيارات؛ الأول: زيارات مطلقة؛ يُزار بها في أي يوم وليلة من أيام وليالي السنة. والثاني: زيارات مخصوصة؛ يُزار بها في أيام وليالٍ معينة.

وهذه الزيارات هي: زيارة الإمام، عليه السلام، في اليوم الأول من شهر رجب، وفي النصف منه، وفي النصف من شعبان، وفي ليالي القدر، وفي عيد الفطر السعيد، وفي عيد الأضحى المبارك، وفي يوم عرفة، وفي يوم عاشوراء، وفي يوم الأربعين.

ولا يخفى أن زيارة الأربعين مسنونة لذاتها، وهناك أجر وثواب عظيمان خاصان بها لذاتها، والروايات الشريفة تحث على هذه الزيارة لذاتها؛ ومن ثَم فإن زيارة الأربعين هدف بحد ذاته؛ وليست وسيلة لهدف.

نعم؛ إن معرفة الإمام، عليه السلام، هدف مستقل آخر، والاقتداء به، عليه السلام، هدف ثالث، والسير على نهجه، عليه السلام، هدف رابع؛ وهكذا.

و إذ يتوافد الملايين إلى قبر و مشهد الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء المقدسة في العشرين من شهر صفر من كل عام؛ فإنهم - بهذا التوافد - يحيون هذه الشعيرة الحسينية المقدسة المطلوبة لذاتها، ويؤكدون - في الوقت ذاته - على هذه العلامة البارزة من علامات إيمانهم بالله، وبالنبوة، وبالإمامة.

رابعا: الزيارة و الزائر

إن المشهد المليوني لزيارة الإمام الحسين، عليه السلام، في الأربعين يؤكد على «رسالية» هذه الزيارة، وعلى «رسالية» الزائر والزائرة؛ أو هكذا يجب أن يكون.

فهناك رسالة سامية مرتبطة مباشرة بالسماء؛ حملها الإمام الحسين، عليه السلام، من مدينة صاحب الرسالة، جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلى أرض كربلاء المقدسة، وبثها، إعلاميا، الإمام زين العابدين والإمام الباقر والحوراء زينب، عليهم السلام، إلى الآفاق، وعلى الزائرين والزائرات أن يتمثلوا هذه الرسالة المقدسة في أنفسهم وفي سلوكياتهم أولا، وأن يحملوها إلى العالم كإحدى المسؤوليات الملقاة على عواتقهم.

وما أجمل أن يحمل الرسالي رسالة «الأربعين» إلى العالم الذي يبحث عن الخلاص من الظلم، والفساد، والرذيلة، وامتهان الكرامة، والقهر، والبطش، والتسلط؛ ونحوها؛ كما يحمل الساقي الماء الفرات العذب إلى الأكباد الحرى.

-----------

1- موسوعة العتبات المقدسة/ للأستاذ جعفر الخليلي/ ج1/ ص79/ نقلا عن بحار الأنوار/ للعلامة المجلسي/ج22/ ص14.

2- مفاتيح الجنان للمحدث القمي.


ارسل لصديق