ما أحوجنا اليوم إليه..
العباس عليه السلام مثالٌ حيّ يبحث عنه المجتمع
كتبه: زهراء حكمت
حرر في: 2017/10/25
القراءات: 16

من اروع الأدوار والقصص التي نسمعها من الآباء والأمهات، عن مواقف وصولات الضيغم الضرغام؛ قمر بني هاشم، عليه السلام، والتي نغفو ونحن نحلم ونتفكر بعظمتها ورقي اخلاق ذلك البطل الصنديد.

هي قصة الأخوة الاروع بين أبي الفضل العباس، وبين أخيه الإمام الحسين، واختهما الحوراء، عقيلة الطالبيين؛ زينب، عليهم السلام.

ونُبحر في ذلك العالم الاجمل، عالم الوفاء والاخاء الذي هو سمةٌ للأبطال والنجباء، لنفهم ونعلم ونتعلّم معنى ان يكون لك اخ حبيب، وهو نبض قلبك، ولكن بالرغم من الحب المنساب بينهما، والذي رعته وغذته بيوت القداسة، وأكناف الطهر والنقاء، إلا أنها لم تناديه قط بـ «يا أخي»، احتراما وتقديرا!

 

 العباس تجسيد للوفاء والغيرة

وماذا يعني ان تكون لك أخت، وانت تمحو آثار سيرها لتكون مصونةً عفيفة؟!

يعني أن تغترف الماء وقلبك كصالية الجمر، لكن تأبى روحك العظيمة ان تذوق شفاهك الظامئة قطرة منه، وفاءً لحرم رسول الله، صلى الله عليه وآله؟!

ويعني ان تكون قوياً وشجاعاً و اسطورة بالبطولة.

ولكن! يؤلمك صراخ أطفال الخيام: العطش... العطش... وفي جسدك الطاهر اكثر من الف سهم وطعنة رمح!

ويعني أموراً أخرى كثيرة حفرت بذاكرة التأريخ أطر البطولة والأخوة والنقاء والوفاء.

عشرات بل مئات الدروس نستوحيها من لوحة بطولتك الأروع، سيدي يا حامل اللواء، ويا قمر العشيرة!

إنها صفات النبلاء، وما أحوجنا اليوم أن نوظف ونفعّل هذه الدروس والاشعاعات القدسية الحسينية العباسية بأرواحنا وأسرنا وأبنائنا!

وسأكون معكم لنتتلمذ ونرتشف من عبق سيرته الاروع في مدرسة الاباء العباسية والغيرة العلوية.

فالغيرة؛ من أنبل الصفات، وبدونها لا قيمة للرجولة، وهي سُور الأنوثة، ودرعها الحصينة، بها تصان الحرمة، ويُدافع عن الناموس.

عُرف مولانا؛ أبو الفضل، عليه السلام، بهذه الصفة الشريفة، وبها تميز كآبائه الأطهار واخوته الأكرمين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حتى تحولت الى مصدر إلهام للشعراء، وطاروا في صورهم الشعرية في سماء الذكرى، وهم يصورون غيرة ابي الفضل، عليه السلام، قبل الرحيل الى كربلاء الخلود، وحيث محط الرحال.

 وكيف ان الفواطم الطاهرات بقيت اعينهن ترنو صوب رقراق الفرات، حيث نهر العلقمي، ذلك النهر الخالد في ذاكرة التواريخ .. وهن بحاجة الى ذلك السور، والمحامي الشهم كفيل زينب والعيال أبي الفضل، عليه السلام.

كما لا ننسى تجلي هذه الصفة الشريفة لابي عبد الله الحسين، صلوات الله عليه، في يوم عاشوراء.. حينما اقحم فرسه في أحداق نهر الفرات، ليغترف منه ما يقوى به على الصمود ومقارعة الأعداء.. فسمع احدهم يقول له:

أتلتذ بالماء وقد هتكت حرمك..؟! فرمى الماء وتركه على ما به من العطش، وتوجه نحو المخيم ليحامي عن عائلته، ويحفظهم من دنس المارقين.

 

 رسالة من العباس إلى من يهمه الأمر!

ما أحوجنا الى التحلي بهذه الصفة في وقتنا الحاضر، ونحن نرى بعض الابتذال الصادر من بعض النساء، والذي سببه تغاضي بعض الرجال عن صيانة نسائهم، او ضياع الغيرة والحمية فيهم.

 فقد جاء اللعن بلسان الروايات الشريفة على من لايغار، لأن الغيرة لجام يضبط به الرجل نساءه، ويحميهن من لحاظ العيون، ومقالة المتربصين.. فيُلزمهن بلزوم الحشمة والعفاف والحجاب الشرعي.

وطالما وجدنا ولمسنا وعرفنا ان الغيرة هي صمام الامان بالمجتمعات ككل.. وقد يكون معناها أوسع فلا نقصد بها غيرة الرجل على عرضه ونسائه فقط، بل كل امرأة يجد بها صورة الاخت او الام او العرض الذي من الواجب ان يُصان ولا يُدّنس، ولا تمتد له يد ولا لسان ولا نظرة سوء..

ولكن بالمقابل نجد من النساء من تتذمر من موضوع غيرة الرجل الطافحة عليهن، والتي تشعرهن بالقيد والمنع.. لكن باطناً يجدنها الاروع والاجمل، ورغم ما يتحدثن به المتحررات عن تلك القيود بسبّ وشتم ونعت بالجاهلية والتخلف.. إلا انهن يتمنين لو انهن يعشن بها ولو للحظات، ويحظين بذلك البهاء والتجلي الذي يحيط به الرجل نساءه ومتعلقيه.

فتلك فطرة الله - تعالى- في خلقه ان تكون المرأة مصانة والرجل ظلّها وخيمتها الأهيب والأجمل.

والجميع يعلم ان الدين والشرع فتح هذا الباب للرجل، بل جعله باب ايمان، وصفة يتشبه بها بصفات الله - تعالى- وأنبيائه ورسله، عليهم السلام، فقد روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «كانَ إبراهيمُ أبي غَيوراً وأنا أغيَرُ مِنهُ، وأرغَمَ اللَّهُ أنفَ مَن لا يَغارُ مِن المؤمنين».

 

 رجالٌ من العراق في ضوء قمر العشيرة

وهنا نصل لبيت القصيد، ودرة السلسلة، ومدار الحديث؛ قمر العشيرة وبطل العلقمي وساقي عطاشى الطفوف المولى ابي الفضل العباس، عليه السلام، القدوة لمن أرادة قدوة، والمنهج لمن أراد الاتباع والنجاة.

نحن نقرأه يحمي الحرائر والمخدّرات، ويكفلهن بغيرة ولا أروع ولا أقدس منها بالتأريخ كله.

غيرةٌ تنسج الهواء عيونا بطولية، وتحوك الارض ينابيع عفّة وحياء لكل امرأة تريد ان تكون بعزّة السيدة زينب، عليها السلام، وروعة بطولاتها، رغم انها الخفرة المخدّرة، لأنها تحيا وتنبض بكفّي الحامي والكافل، عليه السلام، وبنظراته السامية، رغم تقطع اوصاله العلوية الشريفة.

قال الامام الصادق، عليه السلام: «إن الله - تعالى- غيور ويحب الغيرة، ولغيرته حرّم الفواحش ظاهرها وباطنها».

فبوجود هذا العنصر المهم، والصفة النابضة بنشوة الحياة، ومعانيها السامية، واتزانها الاجتماعي والأخلاقي.. سيحقق رجالنا صورة من صور العباس، عليه السلام، بأن يأنف من رؤية امرأته أو ابنته أو أخته ظاهرة بمفاتنها أمام الأغراب!

هذا والصور المستقاة لشبابنا متعددة ومتنوعة وواسعة من هذه الشخصية الاجمل بكل شيء، وسننتقل لصورة الاباء والبطولة، وهي صورة أخرى تحتاج لها أمتنا ومجتمعاتنا الاسلامية وبعمق وشدة وخلوص نية للفداء وتوطين النفس على العطاء، فالرجولة والبطولة تعني امورا عدة:

1- مواقف.

2- إحسان بلا امتنان.

3- ولوج بعالم الشجاعة بالكلمة الحقة، والمبدأ الملتزم، وبلا تلوّن مع مصلحة او منفعة شخصية..

وبمجموعة صفات يمتلكها الإنسان تبرزُ جليّة في ساعات الشدّة، والمواقف التي تتطلب غيرة وايثارا وثباتا وشجاعة..

وقد تتقافز للذهن صور من ارتدى الضيق المبتذل، ولبس الجنز، وأطال الشعر، بل وضع كل مساحيق التجميل!

وتتراءى صور أخرى بمن وضع اللبان بفمه، وتميّع بالقول، رغم أنه بالحرم الجامعي او هو بالسلك الاعلامي!

هل من المعقول أن يرى إنسان كهذا، ما يفعله ثقافة؟ أو أنها رياح الغرب الهوجاء المقيتة والمميتة التي أعمَت عيوننا، وشوشت الرؤية لدينا، بل اصابت البعض بالعشو والعمى المطبق؟

يرفض العقل وترفض الفطرة كل صور المتمثلين بهذه الصفة، من خلال جمال الوجه و البدن و الملابس، ويفندها جميعاً مهما كان انتشارها، ليعود الى تلك الصورة الأصيلة؛ ذلك القمر الهاشمي، العلوي، ولصورة كل رجولة تحمل عبق العباس الكافل وحامل اللواء، عليه السلام، بغيرته.. حميّته.. إبائه.. إخائه..وفائه ..كفالته ...نجابته ..شجاعته ...فراسته.. ونور وجهه.. وبزوغ قمره المتلألئ بليل الحياة البهيم المُظلم.

وهنا نقف موقف حق لنقول:

رغم ما اجتاح مجتمعاتنا من أمواج وتيارات عالية وعاتية، لكنها الشمسُ تأبى أفُولا.. ويأبى الله إلاّ ان يُتم إبداع من خلق بما خلق، بوجوه سُمر، وجباه ساجدة، وشيب وشباب وفتيان لم يخط لهم شارب، ولم تصفُ لهم المشارب، ليعطوا للرجولة معنى آخر، وعنفوانا آخر، وجمالا آخر، يحمل عبق بطولات وصولات حمزة وعلي الكرار والنبي المختار، عليهم السلام.

بل لتتجسد بسواعدهم الفتية كل الوان الإباء والعزة والرفعة والكرامة؛ أولئك هم رجال الحق والصدق ممن أعاد للبطولات والكرامات وجهها البهي، ومن أثبتوا أن للأمة رحماً ولودا معطاء يضخُّ الرجولة من عمق الألم والمعاناة، وبلا تشدد او تعنُت أو إلزام، بل هي الفتوى التي أنقذت الإسلام، ورعوا لها الذمة والحمام، لأنها تحمي وتحافظ على اسم الرجولة وروح القرآن والرسالة المحمدية في وقت تعددت فيه المسميات وتلونت به الأقلام والسهام، فهي سوداء بألوان بيضاء ترمي ولا تطيش سهامها بفتنة عمياء بكماء صمّاء.

ولكنه العراق، وهم رجالكِ يا زينب على خطى العباس ونهجه الأمثل سائرون.


ارسل لصديق