الحسين عليه السلام الطريق إلى الحكم الصالح
كتبه: محمد سيد احمد
حرر في: 2017/10/26
القراءات: 15

إن أكبر إحراج يمكن أن تُواجَه به الحركة الإسلامية، هو إخراجها من طور المعارضة، وفتح الطريق أمامها لتحكم؛ لأنها سوف تكتشف حينئذ حجم التناقض، بين العيش في الحاضر والرجوع إلى الوراء.

فعملية النقد للتجارب التاريخية، هي الخطوة الأولى لتجاوز التركة الثقيلة، التي جعلت الأُمّة مستسلمة أمام ما أنجز تاريخياً، ومن المفارقات المدهشة أن هذه الأُمّة المسلمة، لم ترفع في كل ثوراتها وحركتها نحو التغيير والإصلاح في السلطة، شعار حاكمية الإسلام، مستبعدة الخيار الإسلامي في الحكم، لقصور التجربة التاريخية، التي مثلت كارثة حقيقية لتجربة الحكم في الإسلام، وَلخاصة العهدان الأموي والعباسي، ولكن في الوقت نفسه تنظر بعين القداسة لتلك التجربة، ولا تجد في نفسها الجرأة لتقديم أي تصور معارض لها، والأعجب من ذلك، أن بعض الحركات الإسلامية قد أسست كل تصوراتها على تلك التجربة، وبدأت في الدعوة إلى ما تسميه «الخلافة الإسلامية» رغم ما فيها من تقاطعات فاحشة مع الإسلام وقيمه الحضارية والأخلاقية.

 

 النهضة الحسينية والبوصلة الى الحكم

وفي حقيقة الأمر، فإن الإسلام رؤية متكاملة يبدأ بالتوحيد، وينتهي بتفاعله في الواقع بالإمامة والولاية، فمن كفر بيزيد الطاغية وآمن بالحسين فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهذا هو الامتداد الذي نفهم به عاشوراء، وهو سر امتدادها عبر السنين، لأنها تشكل جوهر المفارقة الكبرى بين الإسلام المحمدي العلوي، وإسلام الطواغيت.

ولا يمكن لهذه الأُمّة أن تعيد إنتاج حضارتها المنبثقة من الإسلام النقي من التحريف والتزوير من جديد، إلا إذا عرفت الحسين، عليه السلام، فهو الطريق الوحيد الذي يمكن أن تنفض به غبار السنين، وتُكفِّر به عن سكوتها الذي طال، فاستسلام الأُمّة، وخنوعها لكل الظالمين والطغاة الذين حكموا في التاريخ باسم الدين والإٍسلام وإلى اليوم، هو السبب المباشر لتخلف الأُمّة وتراجعها، وضياع كرامتها وعزتها، وانتهاك حرمتها.

وما لم تتحقق تلك القطيعة مع كل ما هو مظلم في التاريخ، وما لم تُدِنِ الأُمّةُ كلَّ من أبعد أهلَ البيت، عليهم السلام، عن قيادة هذه الأُمّة، لا يمكننا التحدث عن أي نظام إسلامي في عصرنا هذا، فالنقطة المحورية التي يمكن أن تؤسس لفهم حقيقي للإسلام، هي تجاوز النظرة الموغلة في تقديس الماضي الذي قاده الطغاة وأسسوا ما يمكن أن نصطلح عليه بـ «إسلام الطغاة» وما يعج به من تناقض صارخ مع الإسلام، والتي تجعل الإسلام رهيناً لما أنتجه الفكر السلطوي الذي أراد من خلال التدّثر بعباءة الدين أن يتربع على كرسي السلطة والنفوذ ومن ثم السيطرة والتحكم.

فالتصور الموجود والمتاح حتى أمام العقلية الحركية الناهضة في الأمة ، هو إسلام طلاب السلطة والسيطرة والنفوذ ، وهذا ما لا يمكن أن تتجاوزه الحركات التابعة ذيلياّ لهذه النخبة التي تبحث عن السلطة، لأنه بالفهم الذي توارثته الأمة حول قبول حكم الطغاة والفاسدين ، يشكل ردة حقيقية على الإسلام ، ومن الواضح أن هذه الحركات، قد أسست كل مبانيها الثقافية على فهم أولئك الذين ارتبطت مصالحهم بالسلطة بحثاً عن الشرعية الدينية، وهنا تكمن المفارقة الجوهرية، بين الإسلام الذي يؤسس له النصّ الديني، وبين الإسلام الذي ينحصر التصور فيه على التجربة التاريخية ومن عند أرباب السلطة وزبانيتها الآكلين من موائدها.

وعندما حاول الدكتور حسن الترابي - أحد رموز حركة الإخوان المسلمين - الخروج من دائرة تلك الهيمنة التاريخية، بطرح مفاهيم جديدة تخالف الفكر النمطي السائد الذي تم تأسيسه من زوايا قصور الحكام الفاسدين والطغاة، تم تكفيره من بعض الجماعات المرتهنة لذلك الفكر الموروث وأُبعِد، وعلى أساسها انفصلت حركة الترابي (السودانية) عن حركة الإخوان الأُمّ، مع أن ما قام به الترابي عُدّ خطوة جريئة من وسط الإخوان لعصرنة الخطاب الحركي، إلا أن العقلية الموروثة للإخوان لم تستطع أن تستوعب تلك النقلة، وكانت في ذلك محقة، لأن أي مساس في بنية الوعي السني يعني بداية الانهيار، ومن هنا اتّهَم البعضُ الترابي بالتشيع، لأنه وجّه سهام نقده لبعض التجارب التاريخية.

ورغم محاولة الترابي لإعطاء منظور جديد للحركة الإسلامية، إلا أنها تظل تجربة قاصرة في بعدها المنهجي، الذي تجاوز النص، وفي بعدها المعرفي الذي حوَّل كل الثوابت إلى متغيرات، مضافاً إلى بعدها التطبيقي، كما أثبتت التجربة في السودان ذلك عندما تحولت إلى حركة نفعية بامتياز لا يتجاوز مد بصرها إلى غير مركز الحكم والسلطة بهدف السيطرة والنفوذ والتحكم.

 

 الحسين؛ الصراط المستقيم

إن تمسك الشيعة بالحسين، عليه السلام، علامة إيمانية وحالة إيجابية، تحسب لهم وليس عليهم؛ لأنها تعبر عن وضوح الرؤية وتكامل الفهم، فلو لم يرفع الشيعة شعار الحسين، ولم يملأوا الدنيا ضجيجاً ونواحاً بدماء الحسين، لكان في أصل إسلامهم إشكال؛ أوَليس الإسلام هو التوحيد، والتوحيد رفض للطغيان؟، فأي رفض كرفض كربلاء، وأي تسليم كتسليم الحسين في عاشوراء، فحضور عاشوراء في هيكلية الدين، هو دليل استقامة على الصراط، وسير على خطى الذين أنعم الله عليهم، وفي الوقت نفسه مفارقة لكل من غضب الله عليهم، وضلوا سبيل الحسين، عليه السلام.

هذه هي حقيقة عاشوراء، وهي حقيقة الإسلام، التمسك بنهج الصالحين والتبري من سبيل الظالمين، وحتى لا يغفل المسلم عن هذه الحقيقة، أُمر بأن يكرر في كل صلاة من صلواته قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}، (سورة الفاتحة: 6-7) وأيُّ مسلم صحيح الإسلام لا يرى الحسين مصداقاً للذين أنعم الله عليهم؟ ولا يرى يزيد الطاغية مصداقاً للمغضوب عليهم والضالين؟!

فالصراط الذي أُمرنا أن نتمسك به ليس حالة هلامية، وإنما هو حقيقة حسية تتجسد في أشخاص لهم واقعية، ولذا لم يقل: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وسكت، وإنما بيَّن ملامح هذا الصراط المستقيم بقوله: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وهم أشخاصٌ من البشر قد أنعم الله عليهم، ونحن لا نشك أن الحسين، عليه السلام، منهم، فقد قدم نحره الشريف من أجل ثباته على ذلك الصراط، كما حذرنا الله في الوقت نفسه من سبيل آخر، على رأسه أشخاص أيضاً، وهم: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، ونحن لا نشك أن يزيد وسائر الطغاة والظالمين منهم، ففي سبيل شهواته وتمسكه بالسلطة، قطع رأس الحسين، عليه السلام، وليس لأي غاية أخرى ترتبط بالإسلام كمنظومة فكر وعقيدة.

ونتوقف عند معنى الآية: ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، فهي تحدد لنا المنهج، والذي يتضح بجلاء بين صراط خطه الحسين بن علي بن أبي طالب بالشهادة، وبين طريق آخر خطه يزيد بالقتل وسفك الدماء من أجل السلطة والسيطرة، ومع هذا فالأُمّة مازالت تجادل بين إسلام يفتديه الحسين ليبقى شامخاً متألقاً، وبين سبيل ظالم وفاسد يرتكب كل المحرمات والموبقات من أجل السلطة.

وبهذه المفارقة الضخمة التي صنع معجزتها الحسين، عليه السلام، في عاشوراء، يصبح وبما لا يدع مجالاً للشك والشبهة هو الطريق إلى الحكم الصالح بما أصّل له وضحى من أجله، ويتساقط كل مبرر آخر للدفاع عن موروثات إسلام الطغاة والفراعنة والظالمين.

-----------

*عالم دين ومفكر إسلامي من السودان.


ارسل لصديق