تعدد الزوجات بين نظرة القانون و الواقع الاجتماعي
كتبه: المحامي : حيدر عبد الرضا الظالمي
حرر في: 2012/10/28
القراءات: 2322

النظام الاجتماعي في الاسلام يتميز بمنظومة عادلة من الواجبات والحقوق، والفضل لله تعالى الذي جعله نظاماً قوياً متماسكاً، أراد له الديمومة والاستمرار، مثل سائر الأنظمة التي شرعها الله تعالى للانسان في هذه الحياة. هذا التميّز هو الذي ضمن للانسان؛ الفرد والمجتمع، حياة سعيدة، صالحة، من خلال مجموعة تشريعات وضعها ربنا عزّ وجل، ومنها مسألة تعدد الزوجات، الذي يُعد بحق من الحلول الناجعة لكثير من المشاكل الاجتماعية والأسرية، وضماناً من الانزلاق في مهاوي الشيطان والانحراف الاخلاقي.

ولو تمعّن الباحث في مبدأ تعدد الزوجات، لوجد الكثير من المبررات والفوائد لهذا التشريع الحكيم. فجاءت الآية الكريمة: "فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً"، (سورة النساء /3).

وفي الحقيقة، ظهر لكثير من الباحثين والمؤرخين وعلماء "الإثنوغرافيا"، أو علم الانسان التطبيقي، (1) مثل "وسترماك" و "هوب هوس"، وغيرهما، ان نظام تعدد الزوجات لم يبدأ في صورة واحدة، إلا في الشعوب المتقدمة حضارياً، بينما هو قليل الانتشار في الشعوب البدائية المتأخرة". وهذا دليل علمي على صوابية وأحقية هذا السلوك الاجتماعي.

ولو راجعنا الوضع الاجتماعي للانسان في الأزمان المختلفة، لوجدنا في حياة كل رجل اكثر من امرأة، بشكل أو بآخر، فقد كانت الشعوب البدائية، تعتمد تعدد الزوجات بدون قيد او شرط او ضابط معين، فكانت علاقة موغلة في الفوضى.. مثلاً؛ في المناطق الجنوبية من الهند، لدى احدى القبائل هناك نكاح "الاستبضاع"، وكان مشابهاً لما كان سائداً عند عرب الجاهلية. وفي اليونان القديمة، وفي عهد الفلاسفة، حيث كان هناك نظام "الإعارة" أي إعارة الزوجات للغير، حتى ان "سقراط" أعار ذات مرة، زوجته الى احد الاشخاص. وكذلك في كيينا كانت قبائل "الكبيجس" تبيح للفتاة ان تتخذ لها عشيقا من افراد أسرتها!

وفي العصر الحاضر، نلاحظ الانحراف الكبير في السلوك الجنسي لدى معظم دول العالم، حيث تنتشر العلاقات الجنسية خارج  دائرة الزواج، فيما تقف القوانين، إما في حالة رضى وقبول، أو صمت وتجاهل، أو حتى تشجيع وترويج بشكل أو بآخر. وهم جميعاً يرفعون شعار الحقوق الفردية للانسان، وان المسألة تعود الى الغريزة، كما هو حال الطعام والشراب وغيره..! بمعنى ان الممارسة الجنسية بالشكل الإباحي، إنما هو نابع من طبيعة الانسان!

أما الاسلام ونظامه الاجتماعي، فقد وضع حلاً منطقياً، يقبله الفرد ويلبي غريزته، كما يقبله المجتمع وايضاً يلبي حاجة المرأة نفسها، بمعنى اننا نحظى بتوازن دقيق وعادل، أي إن إشباع الغريزة الجنسية لدى الانسان لن تكون في الاسلام على حساب المرأة بأي حال من الاحوال. لذا نجد جواز الزواج بأكثر من واحدة في الشريعة مقروناً بتوفر جملة من الشروط والإمكانيات.

وبما إن الحديث هنا ينطلق من زاوية قانونية، وليست اجتماعية، نُرجئ الحديث عن الادلة الواقعية التي تؤكد فوائد تعدد الزوجات في المجتمع، منها كبح جماح الغريزة الجنسية لدى الرجل، وايضاً حل مشكلة العنوسة بين النساء. ونسلط الضوء في هذا الحيّز على إحدى القوانين في بلادنا الاسلامية التي عالجت هذا الموضوع، وهو قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959 النافذ، الذي عالج مسألة تعدد الزوجات في المادة الثالثة الفقرات (4-5-6-7) حيث جاء في فقرة (4): "لا يجوز الزواج باكثر من واحدة الا بأذن القاضي، ويشترط لإعطاء الإذن تحقق الشرطين التاليين:ـ

1ـ ان تكون للزوج كفاية مالية لإعالة اكثر من زوجة واحدة.

2ـ ان تكون هناك مصلحة مشروعة.

أما الفقرة (5) تقول: "اذا خيف عدم العدل بين الزوجات، فلا يجوز التعدد، ويترك تقرير ذلك للقاضي).

في الحقيقة؛ المشرع العراقي، لم يكن موفقاً في سن تلك النصوص، وهو مدعو الى تعديلها بما يتلاءم مع تطور الواقع الاجتماعي والاقتصادي للبلد من جهة، وأحكام الشريعة الاسلامية، من جهة اخرى، حيث نستشعر من الفقرات أعلاه، نوعاً من التضييق والحظر الضمني للتعدد، وهذا ما يتضح جلياً في الفقرة (6)، التي تعاقب كل من يجري عقد زواج خلافاً للفقرتين المذكورتين أعلاه بالحبس مدة تزيد على سنة، أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار..".

الواضح من خلال التطبيق العملي للمحاكم و تفهمها لطبيعة تعدد الزوجات، وخطورة المنع والتضييق، نجد ان أذونات الزواج بزوجة ثانية، كثيرة جداً، واقتصار العقوبة على الغرامة فقط بالنسبة لزواج الرجل بثانية، خارج المحكمة.

وهذا دليل واضح على ان التعدد يُعد أمراً واقعاً وملاصقاً للفطرة الانسانية وحاجة الرجل الطبيعية، وليست سلوكاً منحرفاً او جناية ضد أحد. فضلاً عن الفوائد والحلول الناجعة للمشكلة الجنسية في عديد بلادنا الاسلامية، والتي باتت تهدد الأسر والعوائل بالانهيار وعلى نطاق واسع، واذا اردنا الالتزام بما تروّج بالثقافة الغربية الداعية الى التوقف على إمرأة واحدة واحترامها وإعطائها الاهمية والأولوية و.... غير ذلك، فيجب علينا قبل هذا، أن نشترك مع الشعوب الغربية او المتغربة، في مصيرها الذي نلاحظ ونقرأ عنه في الفضائيات والانترنت، حيث إدمان المواقع الاباحية عند المتزوجين، والخيانات الزوجية، والشذوذ الجنسي و... غيرها كثير، عصمنا الاسلام منها من خلال تشريعاته السمحاء.

----------------------

1/ حقل منهجي يسعى إلى استثمار ما توصل إليه علماء الأناسة (الأنثروبولوجيا) والباحثون في هذا الفضاء العلمي عبر التاريخ، من أجل تحليل وتفسير مختلف الظواهر الإنسانية أو التنبؤ بما سوف تؤول إليه المجتمعات البشرية.


ارسل لصديق