المنبر الحسيني وضرورة التوظيف للإصلاح
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2017/10/26
القراءات: 25

هناك العديد من الأسئلة الموضوعية التي تقف امام الباحثين فيما يتعلق بثورة الإمام الحسين، عليه السلام، وخروجه على السلطة الأموية المتمثلة بيزيد بن معاوية، ولعل أكثر الأسئلة إلحاحاً؛ ما هي الدوافع والاسباب التي كانت تقف وراء هذا الحدث التاريخي المهم والذي لمّا تزل تداعياته الى الوقت الحالي.

هل كان صراع سياسي بين السلطة السياسية من جهة، وبين المعارضة المتمثلة بالإمام الحسين، عليه السلام؟! أم أنه حدثٌ آني دعت إليه الظروف التي مر بها، عليه السلام، إذ كان مجبراً على ما قام به؟ أم أن رسائل أهل الكوفة الكثيرة هي التي حثّته، عليه السلام، حتى ولدت قناعات كافية لديه أنهم مصممون على بيعته وخلع يزيد.

وإذا كان الأمر كذلك؛ فهل يعني أنه يحق لأهل الكوفة أن يقرروا مصير الأمة الاسلامية؟ ألم يكن من واجب الامام الحسين، عليه السلام، ان يتأكد من قناعات ورأي بقية ابناء الأمة الاسلامية؟ أم انه كان يبتغي قيام دولة في الكوفة فقط كما فعل المختار الثقفي؟

أم ان هناك مجموعة اسباب اجتمعت مع بعضها البعض فولدت قناعات كافية لديه، عليه السلام، بضرورة النهضة الحسينية بوجه هذه السلطة الخليعة والمستبدة التي ليس لها ادنى مقومات القيادة وخلافة رسول الله، صلى الله عليه وآله؟

من المؤكد ان دعوة اهل الكوفة للقدوم اليهم وتولّي مقاليد أمور البلاد هناك، كانت تشكّل احد عوامل الثورة، لان أهل الكوفة القوا الحجة على الامام الحسين، عليه السلام، ولو لم يقدم الى الكوفة لسمعنا الكثير ممن يتهمه بعدم الاكتراث بمشاكل الأمة، ولألقوا باللائمة عليه إذ انها فرصة لا تعوض هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى، فان هذه الدعوة قد أثبتت الحجة عليه، لأن أي إمام ينتظر وجود الاتباع للقيام بواجبه كآمرٍ بالمعروف وناهٍ عن المنكر وإصلاح ما فسد من الأمة.

ولكن في الحقيقة لم تكن دعوة اهل الكوفة إلا تحصيلاً حاصلاً، فالإمام، عليه السلام، كان مصرّاً على مشروعه الثوري، ويؤكد ذلك أنه لم يذكر رسائل اهل الكوفة له في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية، إضافة لذلك فإن هناك اكثر من رسالة وصلت اليه مفادها رجوع أهل الكوفة عن نصرته؛ مرةً من خلال سماع خبر مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، ومرة أخرى، من خلال مجيء جيش الحر للتضييق عليه، وهو ما يؤكد ان الامام الحسين، عليه السلام، كان مصرّاً على الثورة وقد تأكد اصراره حينما تأكدت رؤيته لمجرى الاحداث بعد هلاك معاوية، إذ إنَّ معاوية كان يحاول إخفاء الكثير من السيئات خلافاً ليزيد الذي كان يجهر بها غير مبالٍ بمشاعر الامة ومعتقداتها، ولذلك فقد اكد في بيانه التأسيسي لحركته الاصلاحية انه عازم على خطوة غير مسبوقة وهي التضحية والاستشهاد في كربلاء على الرغم من وجود خيارات متعددة غير هذا الخيار، إذ أشار احدهم ان يذهب الى بلاد اليمن «فان فيها بقية من شيعة أبيه»، وهناك من الممكن ان يتخلص من البيعة ليزيد، ويكون بعيداً عن أنظار السلطة، ومن ثمّ فهي غير مضطرة للمواجهة معه، او حتى يهادن يزيد ويتفاوض معه على ان يعطيه سلطة في مكان ما.

ولكن الامام، عليه السلام، كان يعتقد ان جميع هذه الخيارات لن تحقق له النصر في مشروعه الإصلاحي، إضافة لذلك فإن أي مشروع اصلاحي لا يمكن إقامته إلا من خلال الخيار الذي التزمه الإمام، عليه السلام، حتى انه كان دقيقا في اختيار الاشخاص والتوقيتات وكذلك توزيع المهام والواجبات بدقة عالية، حتى انك لا تجد شخصاً من غير دور او مهمة يقوم بها في ساحة المواجهة، حتى الطفل الرضيع كان له دور في مجريات الاحداث يوم عاشوراء، وهذا ما يؤكد الرؤية التي انطلق من خلالها الامام الحسين، عليه السلام، في مشروعه الإصلاحي والتغييري، وجميع خطبه أكدت على استعداده للموت الذي لابد منه، وبنفس الوقت ايمانه بالنتائج المترتبة على هذه الثورة، فقد قال في احدى رسائله: «من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يبلغ الفتح». فأيّ فتح يتحدث عنه، عليه السلام؟ هل هو فتح أخروي - كما يتصور البعض -؟ أم انه كان يقصد بذلك بعث مشاعر الأمة للنهوض والمطالبة بحقوقها من خلال معالجة أخطر مرض اصاب الامة وهو موت الارادة الذي دب واستشرى بها حتى على مستويات كبيرة من ابناء الأمة أمثال؛ (عبد الله بن عباس) و(عبد الله بن عمر) و(عبد الله بن جعفر الطيار) الذين ترجّوه ان لا يقدم على الذهاب الى كربلاء، حتى أن عبد الله بن جعفر الطيار، ذهب الى الوالي وجاء بأمان منه للإمام الحسين، عليه السلام!!

من هنا؛ نحن نعتقد ان اهداف الثورة الحسينية هي القضاء على الفساد ووضع الحلول العملية لمشاكل الامة التي كانت تعاني منها كما شخصها الكثير من الباحثين والدارسين في النهضة الحسينية وهي:

أولاً: الأزمة السياسية.

ثانياً: الأزمة الثقافية.

ثالثاً: الأزمة الاقتصادية.

رابعا: اضافة الى الأزمة الاجتماعية والأخلاقية.

هذه الازمات التي عالجتها النهضة الحسينية، هي ما تعاني منها الأمة اليوم، إن لم نزد عليها، وفي طليعة من تقع عليهم مسؤولية التصدّي لهذه المهمة؛ خطباء المنبر الحسيني، الذين يمثلون دائماً الوسيلة الأقرب الى المجتمع لنقل وقائع النهضة الحسينية، بأن يتصدّوا لمعالجة هذه الازمات والتي اضيفت لها أزمات مستجدة مثل أزمة البطالة والفساد الإداري، وهذا من شأنه تحقيق أهداف المنبر الحسيني بشكل خاص، والشعائر الحسينية بشكل عام.

ومن الممكن ان نعطي صورة أولية عن واجبات المنبر الحسيني، أبرزها؛ الإعلان عن مبادئ السبط الشهيد، إذ أكد انه لم يخرج طالباً لكرسي الخلافة ولا لأخذ ثارات خاصة، إنما أعلن مبادئ نهضته في رسالته الشهيرة الى أخيه محمد بن الحنفية: «...إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امتي جدي رسول الله اريد أن آمر بالمعروف و انهى عن المنكر و أسير بسيرة جدي وأبي»، لذا لم يكن يبالي بما يجري عليه ليقينه بأنه في عين الله.

كما ينبغي للمنبر الحسيني الاهتمام بإصلاح الوضع السياسي والاقتصادي، ومعالجة الأزمات علاجاً واقعياً وحقيقياً، كما من المهم ان يهتم بنشر الفكر الاسلامي الخالص المنبثق من النص الشرعي والرؤية العقلائية المبتنية على أسس سليمة.

-----------

* باحث اكاديمي في العلوم السياسية.


ارسل لصديق