المجتمع.. بين مستنقع الخلافات البشرية وبصائر الوحدة الربانية
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2012/10/29
القراءات: 1528

حينما يتبع الانسان الجهل و يعارض العلم، فانه يعارض العالم ايضاً، والذي يعارض فكر انسان ما وعلمه، فانه يعارضه شخصياً في غالب الاحيان. وهكذا نجد الصراع بين الانبياء واقوامهم يتحول من اختلاف حول موضوع معين، الى صراع عنيف، يسعى فيه المجتمع الى إقصاء الانبياء او تصفيتهم جسدياُ.

وكثيراً ما يلجأ الانسان الى منطق القوة مع الاطراف المخالفة له حينما يفشل في معركة المنطق، فعندما اراد مجتمع نبي الله لوط عليه السلام طرد المؤمنين قالوا: "انهم قوم يتطهرون"، أو ليست الطهارة تقف مع عقل الانسان وفطرته؟! بلى، ولكن أصحاب منطق القوة لا يهمهم مع من يكون الحق، لأنهم لا يريدون الحق بل يريدون ما يتفق مع شهواتهم، ولو كان الباطل بعينه، وكأنها قاعدة تسري على واقع البشر في كل مكان وزمان، مفادها:"ان خلاف الآراء والأفكار يتبعه تحول الى صراع يحكمه منطق القوة"، حتى ولو كان هذا الخلاف داخل الامة الواحدة والمجتمع الواحد. بل وربما داخل الاسرة الواحدة، فيالها من خطورة ما بعدها خطورة..!

ولعل اكثر آثار الخلافات خطورة على المجتمع المسلم، تفرق المجتمع وتشرذمه، وقد اشار الامام علي عليه السلام الى هذه الحقيقة حينما قال: "ليس مع الخلاف ائتلاف" (غرر الحكم/9756). وقال عليه السلام: "كثرة الخلاف شقاق". (غرر الحكم/10720).

و كما ان الخلافات تفتت المجتمع العفوي الكبير، فإنها ايضا تضرب صميم التجمعات المنظمة، التي تُؤسس وفق حقيقة: "ان التنظيم يحقق افضل النتائج". والتي نسميها بالمؤسسات، و هي تمثل اليوم عماد و واجهة الدول المتحضرة. ولعل هذا بعض ما اشار اليه الامام علي عليه السلام بقوله: "الأمور المنتظمة يفسدها الخلاف". (غرر الحكم/10714).وبعبارة: فان الخلافات هي السبب لابرز مآسي المجتمعات اليوم.

 

الخلافات تُضعف الارادة

وعندما يقع الانسان في مستنقع الخلافات البشرية يبدأ الناس بظلم بعضهم بعضا، وتتصاعد وتيرة الصراع بينهم. وفي مواجهة هذا الصراع بين البشر بعضه مع البعض الآخر، يصاب الانسان بالضعف، حيث ان الخلافات تضعف الارادة، وتبعث الوهن في النفوس، وتذهب بالكرامة والعزة والتطلع؛ وبالتالي يدمر كل من الطرفين شخصية الطرف المقابل. ومن تحطمت شخصيته وهانت عليه نفسه، فانه لا يحارب عدوا، ولا يرى نفسه كفؤاً للصراع مع منافسيه، وهذا يؤدي بالنتيجة الى ضعف ووهن المجتمع، وذهاب قوته وسطوته وهيبته. والى هذه الحقيقة تشير الآية القرآنية الكريمة، اذ يقول تعالى: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ".(الانفال/46).

 

والسؤال الهام:

لماذا يختلف الناس فيما بينهم، وما هو جذر المشكلة؟!

انهم يختلفون؛ لان الدنيا زُيّنَت في قلوبهم. فمقاييسهم دنيوية، ويقيمون الأشياء والآخرين وفقها. وقد بين لنا القرآن بان الخلافات بين الناس لم تكن في حقيقتها خلافات دينية، ولم تكن من اجل الله إنما كانت من اجل اهوائهم وشهواتهم بدليل وصف الاحزاب - المتسمة بسمة الاختلاف - بالكفر. حيث قال تعالى: "فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ". (مريم/ 37).

 

الغرور والعجب

كما ان غرور الإنسان هو احد اهم اسباب الخلاف والفرقة، اذ قال تعالى: "فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" (المؤمنون53)، فكل طرف مغتر بما لديه من رجال ومال وافكار. والفرح هو آية الغرور، ويبدو انه يعكس حالة الرضا عن النفس. والغرور هو السبب المباشر للتحزب، حيث ان قصر نظر الفرد، وحرج صدره وضيقه، وتفاهة اهدافه. كل ذلك يجعله معجبا بنفسه وبما يملك، ويزعم بانه وما يتصل به افضل مما سواه؛ فيتقوقع على ذاته، ولا يعترف للاخرين بفضل، ولا يرى الأهداف العظيمة التي تحتاج الى الوحدة وتراكم الجهود. وكلمة "فتقطعوا" تشير الى المبالغة في التقطيع، فهؤلاء يسيرون في نفق التقسيم والفرقة بحيث تنقسم كل جماعة على نفسها باستمرار. ويشبه القرآن هؤلاء حين طغى عليهم الإعجاب والفرح بالغريق الذي يغمره الماء من كل ناحية بقوله تعالى: "فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ". (المؤمنون/54). فلا توقظهم الا صاعقة العذاب تاتيهم بغتة.

 

التحزب ثم الاختلاف

واذا كان الكثير من التحزبات إنما تنشأ على قمة هرم الخلافات، فان هذه التحزبات هي الأخرى تعمل على افتعال الخلافات، وإذكاء الخامل منها بصب الزيت على النار دوما وابدا؛ اذا ما ارادت ان تستمر بتحزبها ويستمر وجودها، والى هذه الحقيقة يشير القرآن الكريم: "فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ". (مريم/ 37) فالناس العاديون كانوا على الفطرة ثم بعد ذلك ظهرت بينهم احزاب مختلفة، ولم يكن هدف تلك الاحزاب طلب الحق والحقيقة انما كان هدفهم شيئا آخر وهو انفسهم او طائفتهم، ولعل هذا هو سبب نسب القرآن الكريم الاختلافَ الى الاحزاب. ففي البداية ينشأ التحزب، ثم يتبعه الاختلاف؛ فلكي اجمع انا مجموعة من الناس حولي، ولكي يجمع منافسي مجموعة أخرى من الناس حوله؛ فلابد ان نخلق نوعا من الاختلاف بيننا حتى اكون انا شيئا وهو شيئا آخر. وخيال البشر يستطيع ان يكشف ابدا بعض الفروقات،وان يخلق بعض الامور الخلافية،لان الخلاف ليس اصلا انما هو فرع للتمحور الذاتي. وهنا بالطبع فإننا لا نقصد بالتحزب و الأحزاب تلك التجمعات المنظمة التي تؤسس وفق مبادئ وقيم السماء وتهدف الى خدمتها.

ان العامل الاقوى في اختلاف الناس وتفرقهم ليس هو الجهل بالحق؛ لان الحق غالبا ما يكون واضحاً، بيّناً، وإنما يختلفون بسبب شهواتهم واهوائهم التي تقود للبغي على بعضهم البعض. فهم المسؤولون عن الخلافات بينهم فهذا القرآن الكريم يقول: "وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ...".(الشورى/14).

 

البغي وتنامي الصراعات

واذا كان البغي وظلم الناس احد النتائج التي تترتب على الخلافات البشرية فانه ومن جهة اخرى يعد احد اهم أسبابها ايضا. حيث ان البغي على الناس وظلمهم بسلب حقوقهم يجر الى تنامي الصراعات.وبالرغم من ان كل ظالم يغلف بغيه بمختلف التبريرات بل ويصنع لنفسه ثقافة ودينا يزعم انه يدافع عنها ويذوب في قدسيتها الا انه كذاب؛ لان الاختلاف لا يكون من اجل القيم فالقيم لا اختلاف فيها وانما الاختلاف نتيجة للبغي والسعي وراء حطام الدنيا.

ومن اسباب تفرق الناس ايضا هو ابتعادهم عن القيم التي تمثل ضمان الوحدة،وهنا يقول تعالى: "...وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ". (الشورى/14). فبينما كان الكتاب وسيلة للوحدة عند الاجيال الملتزمة التي آمنت به، وعملت بآياته، اصبح الشك بقيمه عاملاً خطيراً في التمزق والتفرقة. فالخلاف يعتمد على ارضية الشك بالقيم الحقيقية المتمثلة في الكتاب؛ ولذلك لا تختلف الامم حين تعتمد الكتاب محوراً لوحدتها، ومرجعا لخلافاتها وصراعاتها، فقال تعالى : "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...".(ال عمران/103). ولكنها حينما تفقد الايمان بالكتاب، وتبحث عن مصالحها على حساب الآخرين تتنامى صراعاتها؛ لان الضمانة التي تمنع عن دفع الخلافات والصراعات نحو التطرف هو الإيمان بالقيم،والاعتصام بحبل الله وإلا فما أسرع تأثر الإنسان بالأحداث الاجتماعية والسياسية من حوله. وهو بسبب نفسه الأمارة بالسوء يسعى للتطرف في الرد على من يقصر تجاهه، ففي قوله تعالى:"...وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".(المائدة/ 8). اشارة صريحة لهذه الطبيعة في الانسان.

 

التقوى لإنشاء حياة كريمة

ومن اسباب اختلاف الناس اليوم هو محاولة الانسان سرقة جهود غيره. ولذلك نجد كثيرا من اسباب الخلاف والتفرق تنبع من هذه الطبيعة غير المهذبة. فلو رضي كل إنسان بما ينتجه لما حدثت مشكلة في العالم. لكن كل واحد منا يريد ان يأخذ من الآخرين زيادة على ما يمتلكه. فكل منا يظن ان حقوقه اكثر من الاخرين، وانه يستحق اكثر مما يعطى له.وهنا يستغل الشيطان هذه الثغرة في نفس الانسان،ويوسوس له بأن حقه مهضوم، وان الآخرين لايقدرونه حق تقديره،في حين ان هذا التصور مغلوط من الاساس؛لان الانسان لايستطيع ان يقيم نفسه حسبما يشاء،ولو استطاع الانسان ان يتجاوز هذه المشكلة في ذاته لزالت جميع الخلافات.

ومهما كانت الاسباب فان منشأ الفرقة في اية امة انما هو الشرك الكلي او الجزئي، فهذا الفريق انما ينشق عن البقية لأنه يؤمن بفكرة وقيادة ما. فالرايات القبلية والعصبيات العشائرية والحدود الجغرافية والمصالح القومية والاختلاف العنصري والطائفي وما اشبه كل أولئك عوامل اختلاف الناس وشقاقهم. واذا أمعنت النظر رأيت كل واحد منها ينتهي الى تقديس شيء دون الله تعالى.

وهنا يظهر جليا مدى اهمية التقوى في انشاء حياة كريمة؛ لأنها تسحب فتيل الخلافات الاجتماعية المتمثلة في حب الدنيا والالتصاق بمباهجها، او تلك المتمثلة بابتعاد الإنسان عن قيم السماء او تشكيكه فيها. كما و تمنعه من إقامة التحزبات التي يكون هدفها الشهوات.. و بكلمة فان التقوى تقي الانسان من الشرك بالله الذي هو منشأ جميع اسباب الخلافات والفرقة.ولعل في قوله تعالى اشارة واضحة الى علاقة التقوى بوحدة الامة التي هي في مقابل الفرقة والاختلاف اذ قال تعالى: "وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ".(المؤمنون/52).

 وكما التقوى فان للعدالة اثرها اللامتناهي برفع انواع الخلافات. اليس البغي هو جذر كل خلاف؟ كذلك فان العدل هو أرضية الوحدة. فعندما لا يسود العدل التجمعات البشرية  فان عرش ذلك التجمع يتهاوى على اطرافه. وهنا يقول الامام علي عليه السلام: "الإنصاف يرفع الخلاف و يوجب الائتلاف" (غرر الحكم/9116)

 

الوحدة ونبذ الخلاف

ان المجتمع الاسلامي اليوم يخوض صراعا دفاعيا عن كل قيمه ومبادئه. ولايمكن لهذا المجتمع ان يواجه تحديات هذا الصراع دون نبذ الخلافات، وتحقيق وحدة ابنائه؛ ولهذا يدعو القرآن الكريم الى الوحدة ويجعلها مسؤولية كل الافراد فيقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ".(البقرة/ 208).

ان رحاب السلام يتلوث بالحساسيات الصغيرة التي تتراكم على بعضها حتى تصبح سحابة داكنة. وعلى كل مسلم ان يقاوم نمو هذه الحساسيات داخل المجتمع، ولا يتبع الشيطان منذ البداية وبالذات في خطوة الاستدراج الاولى نحو الخلاف؛ لان الشيطان يستدرج الانسان خطوة فخطوة الى الجحيم. فعلينا ان نحدد عدونا الحقيقي وعدو الجميع الا وهو الشيطان ونحذر من اول خطوة يدعونا اليها وهي الحساسية ضد احد من اخواننا،واعتباره عدوا لنا من دون الشيطان. وان نتمسك بحبل الله المتين المتمثل بالكتاب والعترة المطهرة حيث يقول رسول الله (ص) : "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا...". (مستدرك الوسائل/191:7). ثم يحذرنا ربنا تعالى من السقوط في درك الخلافات الجاهلية النابعة من الشهوات، بعد ما انعم علينا بالبينات،فقال عز من قائل: "فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". (البقرة/ 209). وهذا يعني اننا نحن المسؤولون عن المحافظة على وحدتنا بالاعتماد على هدى الله وبيناته.

إذن فالوحدة ونبذ الخلاف هدف انساني سامٍ يسعى من أجله البشر. وهو في ذات الوقت غاية الخليقة. فالله تعالى لم يخلق البشر ليعذبهم بل ليرحمهم، ويجعل بعضهم اخوة بعض. ولكنه سبحانه حملهم مسؤولية تحقيق هذا الهدف التشريعي السامي، بعد ان هيأ لهم كل اسباب تحقيقه، من رسل، وقادة، وكتب، وشرائع. اذا الصراع طبيعة اولية والوحدة غاية تشريعية والاختلاف واقع فاسد يجب ازالته.

--------------

* أستاذ في الحوزة العلمية


ارسل لصديق