حوار حول سورة الأعلى - القسم الأول
(الآية الأولى)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2018/01/03
القراءات: 345

 بسم الله الرحمن الرحيم

{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}

تمهيد

سورة الأعلى مكية، آياتها تسع عشرة، وهي السورة السابعة في ترتيب النزول، والسابعة والثمانون في ترتيب القرآن الكريم؛ نزلت بعد سورة الكوثر.

وقد ورد في فضلها عن ابي عبد الله، عليه السلام، أنه قال:

"من قرأ" سبح اسم ربك الأعلى "في فرائضه او نوافله، قيل له يوم القيامة: أدخل الجنة من أي أبواب الجنة شئت".(1)

وروي عنه، عليه السلام، انه قال: "الواجب على كل مؤمن اذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة وسبح اسم ربك الأعلى".(2)

وسنقف، في القسم الأول، على الآية الأولى من هذه السورة المباركة فقط؛ لنلقي بعض الضوء على الروايات الشريفة الواردة في شأن هذا السورة.

  

 التذكير بالحقائق الكبرى

ما هو الاطار العام لهذه السورة المباركة؟

- كما خلق الله الكائنات فسواها وأتم صنعها، وكما قدر لها شؤونها، وألزمها بسنن، وهداها اليها، كذلك قدر للانسان ما يصلحه، وجعل له سبل السلام التي تهديه الى غاياته الكريمة، وبعث اليه رسالته التي تهديه اليها .

ولا تحدد غاية الانسان بما في الدنيا من عافية، وأمن، وتقدم، وسعادة؛ بل - وايضا - بما في الآخرة التي هي خير وأبقى .

وبالقرآن يهدي الله الانسان الى الفلاح. القرآن الذي يقرؤه الرسول، صلى الله عليه وآله؛ فلا ينسى منه حرفا ليُذكّر به الناس؛ ولكن من الذي يتذكّر؟ إنّما الذي يخشى؛ بينما الذي يسد منافذ قلبه من دون التذكر؛ فهو الأشقى الذي يصلى النار الكبرى؛ فلا يموت فيها ولا يحيا.

واذا استطاع الانسان الإقلاع من جاذبية الدنيا والتحليق في أفق الآخرة التي هي خير وأبقى؛ فانه يخطو الخطوات الأولى على طريق الفلاح، أما الثانية فالخشية ثم التذكر، وبعدهما تأتي التزكية كخطوة ثالثة تحمله الى الصلاة والزلفى الى رب العزة .

هكذا تتواصل آيات سورة الأعلى لتذكرنا، ببلاغة نافذة، بذات الحقائق الكبرى التي لابد ان نعيهــا حتى نبلغ الفلاح، وإنها لمعجزة القرآن أن كل سورة منه تذكر بذات الحقيقة؛ ولكن بطريقة متميزة جديدة.

بلى؛ ان الحقائق الكبرى تتجلى في مظاهر شتى لأنها غير ما نشهده من الحقائق الجزئية، وهي خلاصة صحف الله التي بعثها الى أنبيائه العظام؛ كإبراهيم وموسى، عليهما السلام .

 

 الأسماء الحسنى

لأسماء الله تعالى عظمتها؛ فبأي اسم جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى؟

- لاسم الله عظمة مشتقة من عظمته؛ لأنه يدل عليه ويذكرنا به، ويشهد على جلاله وجماله ومجده وكبريائه، ولأن ربنا المتعال خلق في البدء اسمه الأعظم، وجعله على أربعة؛ اختص بواحد فجعله مكنونا عنده لا يطلع عليه أحد من خلقه، وجعل الثلاثة فـي كلمات: الله، وتعالى، وتبارك، ليهدينا الأول الى ذاته، والثاني الى صفاته، والثالث الى أفعاله؛ ثم خلق الله الأشياء باسمه، وما نراه في الخليقة من آثار عظمته ليست سوى تجليات لأسمائه. هكذا أمرنا الله بأن ندعوه بأسمائه؛ فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، (سورة الأعراف: 180).

وما نقرؤه في الأدعية المأثورة تأويل لهذا الأمر الإلهي حيث نتوسل الى الله سبحانه بأسمائه الحسنى، ونقول:

 «أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له السماوات والأرضون وانكشفت له الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والأخرين، من فُجاءة نقمتك، ومن تحويل عافيتك، ومن زوال نعمتك» (3)

و نقرأ في الأدعية المأثورة ؛أيضا: «اللهم إني أسألك باسمك العظيم الأعظم، الأعز الأجل الأكرم، الذي إذا دعيت به على مغالق أبواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت، وإذا دعيت به على مضائق أبواب الأرض للفرج انفرجت، وإذا دعيت به على العسر لليسر تيسرت، وإذا دعيت به على الأموات للنشور انتشرت، وإذا دعيت به على كشف البأساء والضراء انكشفت» (4)

وفي ادعيتنا المأثورة، عن النبي وأهل بيته الطاهرين، عليه وعليهم صلوات الله، تشكل أسماء الله الحسنى ركنا أساسيا فيها؛ مثل دعاء الجوشن الكبير الذي يشتمل على ألف اسم وصفة من أسماء الله وصفاته، ودعاء البهاء، ودعاء كميل؛ وما أشبه.(5)

 

 التقديس والتسبيح

ما هذه الأسماء؟ وهل نستطيع أن ندركها ؟

- حقاً ان عقولنا لا تحيط علما بهذه الأسماء؛ كيف وهي لم ولن تستطيع الإحاطة علما بكل خلقه، وخلقه مظهر من مظاهر أسمائه؟ ولكن الله آتانا من العلم ما نشير به الى أسمائه وندعوه بها؛ ثم عرفنا بها بما أوحى الى نبيه من كتاب، واجرى على لسان أوليائه من علم كان بمثابة تفسير للكتاب، وهكذا كانت الأسماء مظاهر عظمته، وآيات شهادته وهيمنته؛ لا نقدسها الا بهذه الصفة، ولا نسبحها الا بهذا الاعتبار؛ فلأنها الوسيلة إليه تُقدس، ولأنها السبيل الى معرفته تُسبح .

ومَن قَدَّس الاسم دون المسمى او مع المسمى فقد أشرك بربه سبحانه؛ انما تقديسنا للاسم بصفته اسما للمعنى ووسيلة إليه لا اكثر.

هكذا نجد في بعض آيات الذكر تسبيحا لله، وفي بعضها تسبيحا لاسمه. فاذا سبحنا الله، فإنما بوسيلة أسمائه لأنه لا سبيل لنا الى معرفة ذاته. واذا سبحنا اسم الله، فإنما لأنه اسم لله، وسبيلنا لمعرفة الله؛ ولأننا لا نقدر على معرفته الا باسمه سبحانه .

قال الله تعالى: {سَبَّحَ لِلَهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، (سورة الصف: 1).

وقال تعالى: {يُسَبِّحُ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، (سورة الجمعة: 1).

 وقال تعالى : {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، (سورة الأحزاب: الآية 42).

وقال تعالى : {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}، (سورة العلق:1).

وقال تعالى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، (سورة الرحمن: 78).

 

 صفتا الجلال والإكرام

في هذه الآيات جاءت صفتا الجلال والإكرام للرب؛ بينما نجد في آية أخرى جاءتا صفة لوجهه سبحانه؛ فقال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}، (سورة الرحمن: 26-27)؛ فهل في ذلك تناقض؟

- كلا؛ لا تناقض؛ لان وجه الله لا يراد الا لله، فهو مجرد وسيلة، كما ان الجلال والإكرام الإلهيين يتجليان بوجهه لنا .

وهكذا أمرنا الله، في فاتحة سورة الأعلى، بتسبيح اسم الله الذي هو تسبيحه سبحانه؛ فقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.

 

 توجيهات من الروايات

بعد هذا الأمر الإلهي، كيف جاءت التوجيهات من الروايات في هذا الخصوص؟

- نعم؛ روي عن ابن عباس عن النبي، صلى الله عليه و آله: كان النبي، صلى الله عليه وآله، اذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى قال: «سبحان ربي الأعلى» وكذلك روي عن علي، عليه السلام.(6)

وروي عن الإمام الباقر، عليه السلام، أنه قال: «اذا قرأت [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى]؛ فقل: سبحان ربي الأعلى. وان كنت في الصلاة؛ فقل فيما بينك وبين نفسك».(7)

وروي عن ابن عامر الجهني انه قال: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «اجعلوها في ركوعكم». ولما نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، قال: «اجعلوها في سجودكم».(8)

 

 تسبيح الله

لماذا، إذن، حذف لفظ الجلالة في ذكر السجود؟

- هذه النصوص تدل على أن تفسير الآية تسبيح الله لا مجرد تقديس اسمه؛ لذلك حُذف الاسم عند تسبيحة الركوع والسجود، او عندما يسبح الله بعد قراءة هذه الآية .

 

 لا استعانة بغير الله

هل من توضيح أكثر لمعنى ومفهوم «التسبيح»؟

- قال بعضهم: تنزيه اسم الله تعالى وتسبيح اسمه يتم بأن يجرد القول عن ذكر مالا يناسب ذكره مع ذكر اسمه تعالى؛ فلا ينبغي ان يذكر الأنداد مع اسمه؛ كما كان يفعل المشركون الذين لا يذكرون الله الا مع الشركاء من دونه، اما إذا ذُكر وحده، اشمأزت قلوبهم؛ كما قال سبحانه:

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}، (سورة الزمر: 45).

ولكن؛ يبدو ان هذا التفسير لا يتناسب مع السياق ولا مع سائر البصائر القرآنية حول اسم الله. فاذا كان اسم الله يعني كلمة الله وليس المسمى وهو الله سبحانه؛ فما معنى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ؟ أ بالله تتمُّ الاستعانة أم بكلمة الله؟ سبحان الله وتعالى ان تتم الاستعانة بغيره أنى كان.

وجاءت صفة «الأعلى» في الآية الشريفة للشهادة على ضرورة تسبيح الله؛ اذ انه ربنا وانه الأعلى؛ وهل يسبح احد سوى الرب الأعلى؟

-------------------

1. تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص553.

2. تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص553.

3. مفاتيح الجنان/ فقرة من دعاء ليلة النصف من شعبان.

4. مفاتيح الجنان/ فقرة من دعاء السمات.

5. راجع مفاتيح الجنان للمحدث الشيخ عباس القمي.

6. تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص553.

7. تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص554.

8. تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص554.


ارسل لصديق