إعمار البلاد وأحياؤه في عصر ظهور الإمام المهدي -عجل الله فرجه-
كتبه: ماجد الصفار
حرر في: 2018/01/04
القراءات: 221

كنا في الأعداد السابقة مع جملة من مقاطع دعاء العهد، بحسب تسلسل فقراته، حتى وصل بنا المقام في المقطع: «وَاعْمُرِ اللّـهُمَّ بِهِ بِلادَكَ، وَاَحْيِ بِهِ عِبادَكَ، فَاِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ [ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ اَيْدِي النّاسِ]».

العبارتان في هذا المقطع، الذي استعارهما الإمام الصادق، عليه السلام، - وهو صاحب الدعاء - في هذا الدعاء لبيان معان ونكات متنوعة، يجب على القارئ أن يتبين معناها.

الأول: «وَاعْمُرِ اللّـهُمَّ بِهِ بِلادَكَ» التي يتوسل القارئ فيها بالله - تعالى- بأن يعمر بلاده بظهور الإمام المهدي، عليه السلام؛ ولكن لماذا قال الدعاء واعمر اللهم به بلادك ولم يقل بلادنا مثلاً؟

إن البلاد لله - تعالى- مبدع السماوات والأرض ومالكها {لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، (سورة الشورى: 49)؛ ولكن استخدام عبارة أرضنا وبلادنا ما هي إلا ملكية اعتبارية ضمن القوانين الظاهرية التي تستهدف عملية الاختبار (الابتلاء) وما يترتب عليها من نجاح الشخصية او إخفاقها، ومن ثم انعكاس ذلك على المصائر الأخروية.

فإنا توسلنا بالله - تعالى- بان يعمر بلادنا بظهور الامام المهدي، عليه السلام؛ ولكن نتساءل هل هو الإعمار المادي المتمثل في إحياء الارض زراعياً او صناعياً مثلا؟ أو إعمار الجانب الروحي: كالمساجد ودور الأيتام.. وغيرها؟ او كلا الأمرين؟

حتماً إعمار الجانب الروحي هو المرجح؛ كما تكفلت العبارة التالية (وَاَحْيِ بِهِ عِبادَكَ)، والإحياء الروحي يرتبط بسلوك الشخصية وليس بالمظهر الحضاري او المادي للأرض.

وان مصطلح (البلاد) لا ينسحب على الارض بما هي ارض بل بالكيان الاجتماعي المتمثل في ارض وبشر ومبادئ تحكم ذلك، حينئذ فان الجانبين المادي والروحي ينسحبان على ذلك.

حينئذ فإن التوسل بالله تعالى ان يعجل ظهور الإمام المهدي، عليه السلام، حتى تعمر بلادنا به، بفرض مشروعيته، وخاصة ان الاحاديث الواردة عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم وسائر المعصومين، عليهم السلام، طالما تشير الى خلافة الإسلاميين للأرض بقيادته، عجل الله فرجه، أي: ان البيئة المادية سوف يطرأ عليها تغير اجتماعي متميز، إلى حد الإشباع لحاجات الناس على نحو لا إحباط خلاله، وهذا فيما يرتبط بإعمار البلاد؛ يشير القارئ إلى هذه الفقرة في دعائه لتعجيل ظهور الإمام صاحب الزمان للمشاركة في الحركة الإصلاحية للمجتمعات.

فلنتأمل طويلاً حتى ندرك سريعاً بان المجتمعات القريبة من عصر الظهور تبلغ قمة الانحراف في سلوكها، ولسنا بحاجة الى الاستشهاد بعشرات النصوص الواردة عن المعصومين، عليهم السلام، بالنسبة الى شرحها للمجتمعات المنحرفة التي طبعها الجور، بحيث اصبح المنكر معروفاً، والعكس بالعكس.. بل ان الفقرة التي أعقبت قوله، عليه السلام: (واحي به عبادك) قالت: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما...، حيث ان التفسير لهذه الآية الكريمة يقرر بأن ظهور القحط وظهور الجفاف بالنسبة الى البر والبحر إنما هو بسبب معاصي الناس، وهذا يعني ان الانحراف بلغ ابعد مداه.

لذلك فان مثل هذه المجتمعات المنحرفة حينما يطلق عليها مصطلح (الموت) يكون التعبير بذلك متجانساً مع طبيعة الانحراف الذي يطبعها.. من هذا توسل الامام، عليه السلام، بالله - تعالى- بان يحيي (موتى) المجتمعات من خلال عباده الصالحين الذين يضطلعون او يساندون الامام المهدي، عجل الله فرجه، في ثورته الإصلاحية، بذلك ينتشر العدل في الارض بعدما ملئت جوراً، وبهذا تظهر حياة جديدة، حيث ان عبارة (واحي به عبادك) تشير الى (إحياء) الحياة الجديدة للمجتمعات في عصر الظهور، فيحيا العباد حياة طيبة حقة، هي التي أرادها الله - سبحانه - لعباده الصالحين.


ارسل لصديق