الشهيد النمر آية الأخلاق والعرفان
كتبه: جواد قاسم
حرر في: 2018/01/07
القراءات: 128

لكل عالم دين جناحان كبيران؛ خلق يرتفع به بين الناس، وعبودية يتذلل بها أمام خالقه، محور حديثنا ينصب حول آية الله الشهيد الشيخ نمر باقر النمر، حول بعدي؛ العبودية والخلق، فهذا العالم الجليل له فيوضات سنيّة لا يزال وقعها محفوراً في الذاكرة، وهي شهادة يجب أن نصدح بها؛ فالتاريخ يطالبنا بإحقاق الحق، والقرآن يمعن حول أهمية النطق بالشهادة الحقة، خاصة إذا انتشر في هذا الزمان شهادة الزور.

 

 محراب الصلاة

إقامة الصلاة من الأركان الهامة في الدين ويكفي أن تكون عمود الدين، فلو أصيب العمود الفقري للإنسان بعلّة ما، سيترك أثره على بدن الانسان بأكمله، واذا كانت الإصابة شديدة، تؤدي بصاحبها الى الانهيار، وكذا الحال؛ عمود الخيمة، فالشيخ النمر، كانت بوصلته الصلاة، فهي الأس الأساس في كل حياته، كثيراً ما كان يؤكد بها ويردد مرارا : {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ}، (سورة الحج: 41)، وكثيراً ما كان يردد: (وقرة عيني الصلاة)، كثيراً ما كان يردد: (الصلاة قربان كل تقي)، وتطول الأوسمة التي يجسر بها طريق الصلاة، ولهذا كان يحمل سيف الوقت إذا حضرت الصلاة (رفعت الجلسة)، وإذا أقبلت أقبل عليها وألقى كل شيء وراءه.

كانت تاج حياته، وهي نبع تجري في عروقه، أول الحاضرين لها، ولا يتعجب إن حلّ نسر في محراب الصلاة، لا يشغله عنها أي شاغل، فهي الأوكسجين الذي بها يتنفس وما عداها الموت، كان يسعى لإقامتها ويجر أقدامه من أقصى المدينة جراً فهو المقبل على الكريم شديد السخاء، أقام الجماعة والجمعة التي كانت مغيّبة، وعبد الطريق للصلاة في المسجد لجميع الفرائض، وجذب المرأة للسنّة النبوية حتى تحيي بيوت الله بالعبادة كما كان الصحيح في مهد الإسلام الأول، وانتشر العبق في كل الأرجاء.

 

 عروج وعرفان

من كان من المقربين من الشيخ الشهيد يدرك طهارة قلبه وتألق روحه، يُدرك أنه مرجل مناجاة يغلي، وآهة دمع تسح، وتتنفس بالخشوع والدموع الممتزجين بالخشية، عيونه تفضح سره، وشغاف قلبه يستر مكنون ضميره، فكثيراً ما ردد مقاطع التوبة المستل من مناجاة الامام زين العابدين، عليه السلام، - رغم تقربه من خالقه - كان يكثر من قول: «إلهِي أَنْتَ الَّذي فَتَحْتَ لِعِبادِكَ بَابَاً إلَى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوْبَةَ، فَقُلْتَ: تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحَاً، فَما عُذْرُ مَنْ أَغْفَلَ دُخُولَ الْبابِ بَعْدَ فَتْحِهِ».

الاستئناس حليفه مع الدعاء والمناجاة، إنها المحبة الحقيقية للخالق، يتحدث عن حلاوة ليدركها سائر الناس، فهو الذي يشير إلى طعم شيء آخر يعرفه العارف والواصل إلى الطريق، ويستشهد مراراً بأقوال الامام السجاد، عليه السلام، وما خط في زبور آل محمد (الصحيفة السجادية): «إلهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ، فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ، فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلاً؟».

 

 التفكّر والتذكّر

عرف عن الشيخ أنه لا يحمل بين أنامله مسبحة، خلافاً لما هو المألوف بين طبقات أهل العلم، سألناه - ذات مرة - فسبقت ابتسامته أقواله، ثم صرف الإجابة إلى أبي ذر الغفاري (ذو اللهجة الصادقة)، متسائلاً وطالباً منا الإجابة: ما كانت عبادة أبي ذر؟، أجبناه مباشرة: (التفكّر)، فهز رأسه موافقاً، القرآن يحثنا على التفكر والتذكر، ثم انطلق يتحدث حول أهمية التفكر، وإذا أردنا الدقة سنقول: إنه استعاض بدل المسبحة شيئا آخر - أكثر قداسة وهيبة - وهو القرآن الذي لا ينفك عن بدنه، فكثيراً ما يقرأ منه أمامنا، وكثيراً ما يفتتح الحديث به، وكثيراً ما يستلهم منه، بل كل أحاديثه منه يستقي. فسّر القرآن مراراً، وكان مشعله التفكّر في الآيات الكريمة، فسّر القرآن مراراً وكان التدبر والتذكر جُلّ ما يشغله، يطيل الفكرة، ويفتش عن الآية التي فيها سر العلاج، يغرف من منابع القرآن، ويتأمل في السماء، ويحث الآخرين على النظر، نظر العبرة والاتعاظ، ينقل لنا كثيراً من قصص الماضين، ويحدثنا بعيون المتفكر والمتأمل في العواقب التي يبني عليها حكماً ودرراً خرجت من فمه لتستحق عنوان الذهب.

 

 مجاهدة نفس

عظيم هو الشيخ النمر، الأجواء تتعطر بذكراه دائما، فهو رقم يتحدث عنه القاصي والداني، ومن جلس معه يدرك بأم العين أنه لم يكن وليد صدفة، وإنما وليد مجاهدة ومصابرة ذاتية طويلة، فهو مخالف للعادات الخاطئة بكل إرادة وإصرار، فإذا كانت العادة سهر الليالي وإضاعة صلاة الفجر، فهو يصرخ في الجماهير: «سامراً تهجرون»، فينام مع الديكة ويصحو قبلهم، ليوقد مصابيح الليل بالعبادة ثم يشق طريقه نحو محراب المسجد، ليرفع كلمة: «الله أكبر»، والناس يعلو منهم صوت الشخير!!

كان يطوف بين الحجاج في أيام الموسم ليوقظ المؤمنين وصوت الأذان يلعلع من جهازه النقال، وهو يقول: «الصلاة يا مؤمن.. الصلاة يا مؤمن..»، بدأ بنفسه وبرمجها بالمجاهدة؛ حتى أنك تقترب من جسده النحيل فتتعجب من أين لهذا البدن الضعيف كل هذه القوة والإرادة؟!، قليل الطعام لا يقبل أن يتلذذ على حساب تربية نفسه، حتى أنه ذات مرة أطال سخطه حول (المثلجات) التي كان ينشغل بها بعض الحجاج، وكان يكرر: هل جئنا من أجل أكل (البوظة)؟!

لا تأخذه في الله لومة لائم، فالمجاهدة من أولوياته، كان صلداً قاسياً مع نفسه، يلبس لبس الزاهد الموقن بزوال النعم، يواسي الفقراء في المأكل، والملبس، ويعيش مثلهم، فتولّد من هذه المجاهدة ليثٌ هزبرٌ لا نظير له في زمن المترفين وطلاب الراحة.

 

 ورع وتقوى

كانت تصله الكثير من الأموال، فلا يأكل منها، حياته لا تكلفه شيئاً، الثوب يُبلى على بدنه، ويتقطع شسع نعله، وتحثه النفس على لبس الجديد، فيمعن في إذلالها، ولسان حاله : (لعل بالحجاز أو اليمامة...)، منهجه في طريق علي، عليه السلام: «أأطمع أن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، وأكون أسوةً لهم في خشونة». إن الورع والتقوى ليست كلمتين نقولها ونتمناها، إنما هي منهج حياة، ان التقوى خطة عمل، لهذا كلفت الشيخ الشهيد الكثير، حتى أريق دمه، كلفته التقوى أن يقف في فوهة المدفع، وكلفته التقوى أن يقف ضد أكبر قوة في زمانه، لا يبالي بحتفه ما سلمت له عروسته التي لا غنى له عنها، ناصر المظلوم، ووقف مع المطارد والشهيد، ونافح من أجل الشعوب المضطهدة، أخرج علمه في يوم يشح فيه الإخراج، أحرج كل من تلبّس بالزي العلمائي وآثر السلامة والصمت.

 تقواه ليست للتغني بل هي طريقة يسير عليها؛ دين يدين به، ولو خرج من السجن ألف مرة لعاد إليه ولسانه: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ، (سورة يوسف: 33)، إذا كانت ثمناً للتقوى والورع، ولو أفلت من السيف والمقصلة ألف مرة لهرول إليها مادام تحت ظلالها تعيش التقوى ويترعرع الورع.

 

 سلام وتسليم

 كان الشيخ الشهيد يفشي السلام بشكل ملفت للنظر، يسلم على الكبير والصغير، ويسلم على كل الطبقات باختلاف ألوانها، بل يركض في المبادرة لإفشاء السلام، تعوّد الناس على تقدير العلماء بالذهاب للسلام عليهم، فهو ملك القلوب، لكنه كسر قاعدة: (العالم يؤتى له) فكان هو الفراشة والناس من حوله زهور، رغم انه يعتقد أن العلماء ملوك على الملوك، إلا أنه يعتقد أن العالم الرباني خادم للناس لا أمير ينتظر منهم التبجيل والتكريم. وعلى صعيد التسليم، كثيراً ما كان يتحدث عن إبراهيم النبي، عليه السلام، وعن تسليمه المطلق لله، وأن المؤمن الحقيقي ينبغي له أن يتحلّى بصفة الرضا والتسليم لله - تعالى- حتى كان في المواقف الصعبة صبوراً وقوراً جلداً موقناً بأن الخير فيما اختاره الله له.


ارسل لصديق