تنمية المشاعر النبيلة وثمار المستقبل
كتبه: ضياء باقر العيداني
حرر في: 2018/01/07
القراءات: 156

إن تربية الطفل هي عبارة عن صناعة تتطلب مهارة في التعامل وخبرة في معرفة احتياجات الطفل ليخرج قالباً بشخصية سوية لا تعاني من تراكمات وغرائز مكبوتة غير مشبعة تنعكس على الشخصية.

وعندما يكبر هذا الطفل فالكثير ممن تجدهم في كبرهم ممن يلجأ إلى الشخصية العدوانية المتكبرة أو الانطوائيين ممن يعانون من عقدة استحقار لذاتهم هم في الأعم الأغلب تمت تربيتهم بصورة خاطئة؛ فالتربية بالمعنى الأعم عبارة عن تنمية القابليات عند الطفل وغرس الفضائل فيها، وإخماد الصفات السيئة الدخيلة على شخصيته لأن الطفل يولد كورقة بيضاء، ولهذا نحرص على معرفة التربية السليمة لننتج شخصيات خالية من ترسبات الطفولة، وذلك عن طريق معرفة أدوات التربية الصحيحة وكيفية استخدامها.

وواحدة من هذه الأدوات تتمثل بفهم مشاعر الطفل وتوظيف هذا الفهم في بناء شخصيته عن طريق إشباع الجانب العاطفي والإنساني لديه من خلال الالتفات والاهتمام بالأمور التالية:

أولاً: الحب والرحمة

إن غريزة الحب هي صفة وهبنا الله - تعالى- إياها بشكل فطري وينبغي توجيه هذه الغريزة لأبنائنا بالشكل الصحيح وذلك عندما يكون هذا الحب ظاهراً بسلوك تجاههم يعبر عن تقديرهم، وإلا فإننا لا نتوقع أن لا يحب أب أو أم ابنهما ولكن هناك مفهوماً مغلوطاً عند بعض الآباء من خلال فرض هيبته أمامهم بالخوف ويكبت ما في داخله من حب لهم في محاولة منه لجعلهم مطيعين لتربيته - بحسب نظره الخاطئ طبعاً - في حين نرى أهل البيت، عليهم السلام، ركزوا على إظهار الحب والاحترام لهم، لأن ذلك يجعل وقاراً وهيبة حقيقية للآباء بنظر أبنائهم لا تزول عكس مفهوم الوقار الوهمي الناتج عن الخوف، فقد ورد عن رسولنا الكريم، صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «أحبّوا الصبيان وارحموهم، ...»، وعن أمير المؤمنين، عليه السلام، قال: «لِيتأسَّ صغيركم بكبيركم، وليرأفْ كبيركم بصغيركم، ولا تكونوا كجفاة الجاهلية»، وقال الإمام الصادق، عليه السلام: «إنّ الله ليرحم الرجل لشدة حبّه لولده».

وينبغي إظهار ذلك الحب من خلال السلوك مثل تقبيلهم؛ فقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام علي، عليه السلام: «من قبّـل ولده كان له حسنة، ومن فرَّحه، فرَّحه الله يوم القيامة»؛ فإذا شعر الأطفال بحب الآباء لهم كان مطيعاً لهما، كما يقال: «إن المحبَّ لمن أحب مطيعُ».

ثانياً: إكرامه واحترامه

قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم»، فقد قدّم النبي، صلى الله عليه وآله، لفظ (أكرموا) على دعوته للتأديب حسب تعبيره (وأحسنوا آدابهم)، مما يؤيد دور احترام الطفل وإعطائه المكانة وعدم إهانته يجعله يطيع والديه بالسير على السلوك الحسن، ويشعر بأنهم هم الأعرف بمصلحته.

وبهذا ينشأ مفهوم الكرامة عند الطفل ويكبر معه والشعور بالكرامة له أثر كبير في شخصية الفرد تجعله يتجنب الرذائل اعتزازاً بنفسه، قال الإمام علي، عليه السلام: «من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته»، وقد أثبتت دراسات حديثة معنى هذا الحديث بأن الفرد ذا الشخصية المُحترَمة وصاحب الكرامة يترفع عن الأعمال المشينة وإن لم يكن صاحب دين لأنه يشعر بالترفع ولا يليق به التسافل.

ومن هنا فإن احترام الطفل يخلق بداخله كرامة عن طريق النظر إلى نفسه بقيمة محترمة لا بحقارة ودونية، وعندها سيكون ذا شخصية قوية لا انطوائية ضعيفة ذات خيبة وحرمان، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: «قرنت الهيبة بالخيبة، والحياء بالحرمان».

ثالثاً: الحوار معه

يتمثل الحوار مع الطفل عاملاً مؤثراً في صقل شخصيته، لأنه يشعر من خلال ذلك أنه ذو أهمية عند والديه ويعزز الثقة بنفسه، ويضرب لنا القرآن الكريم في قصة إبراهيم، عليه السلام، الذي جاءه الأمر الإلهي في ذبح ابنه اسماعيل، وكيف أن إبراهيم قدّم الأمر لابنه عن طريق التحاور معه حين قال: «يا بنيّ إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك، فانظر ماذا ترى». وهنا يبرز دور الطاعة للأوامر والمعنى الحقيقي لآثار تربية ابراهيم، عليه السلام، لابنه من خلال جواب اسماعيل، عليه السلام، حين قال:

{قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}، (سورة الصافات: 102).

وهذا يدل على أن الحوار مع الأبناء وأخذ رأيهم يشعرهم بقيمة عند أبويهم ويجعلهم يطيعونهم عن طيب نفس.

رابعاً: الوفاء بالوعد

إن الوفاء بالوعد للطفل ضروري جداً، لأن الطفل يشعر من خلاله أنه ذو أهمية كبيرة عند والديه، وإذا ما وعده والداه بشيء فإنه يرتقب ذلك الشيء بشغف، لأن الوفاء بذلك سوف يزيد من ثقته بنفسه، لذلك قال النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا واعد أحدكم صبيَّه فلينجز»، وعلى العكس من ذلك فإن النبيّ الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، حذّر من عاقبة الخُلْف في وعد الأطفال؛ وذلك لأنّ الطفل ينظر إلى والديه على أساس أنّهما سبب رزقه ومصدره، وهي نظرة لها بُعد كبير في نفس الطفل، فإذا أخلف الوالدان وعدهما، فإنّ نكسة بحجم نظرة الطفل السلبية ستكون في كيانه، فنفهم بعدها أن الوفاء بالوعد للأطفال يقوي ثقتهم بوالديهم عن طريق صدقهم والوفاء بوعدهم، وهذا مما يجعلهم طائعين لأبويهم لا يعانون من انتكاسات في شخصيتهم الناتجة من عدم الوفاء بالوعد.

خامساً: تجنّب التمايز

ورفض الإسلام تفضيل الذكور على الإناث من مبدأ تحقير الأنثى والتشاؤم من وجودها، فعن النبيّ، صلى الله عليه وآله وسلم: «من كان له أنثى، فلم يئدها ولم يُهِنْها، ولم يُؤْثِّر ولده عليها أدخله الله الجنّة»، بل نجد تأكيداً على تقديم الأنثى أحياناً كتقبيلها أولاً لما تحمله من مشاعر جياشة منذ صغرها فلا بد من مراعاة ذلك عند البنت لأنها إن لم تلمس الحب والتقدير من الأبوين ستلجأ فيما بعد إلى من يسمعها الكلام الجميل ويشعرها بالتقدير من أصحاب النفوس الضعيفة مما يهدد كيان عفتها.

سادساً: التشجيع والثناء

التشجيع: وهو صفة نفسية أيضاً تسهم في تطوير قابليات الطفل، فالطفل ككيان يريد أن يشعر بأنه له مكانة بين الأفراد فإذا تعلّم شيئاً مفيداً علينا أن نبادر إلى تشجيعه ومدحه ولا بأس بتقديم هدية له كثناء معنوي له، والتي لها الأثر الكبير في شخصية الطفل، وتقديم له الهدايا مع نهاية كل سنة وبداية سنة جديدة من عمره ليشعر بأنه قد كبر عما سبق وهو محط اهتمام الأسرة والمجتمع.

 

 الصبر أم الغضب لبناء الطفل؟

لا ينفع الغضب في تأديب الأطفال لأنه يؤدي إلى تحطيم شخصية الطفل خاصة ما يرافقه من توبيخ أو ضرب، وقد أكد علماء الاجتماع بأن الخوف ليس وسيلة تربوية لتأديب الطفل وتعليمه الصفات الحسنة، وقد يحصل أحيانا من أحد الأبوين تصرف بغضب مع الابن غير مقصود أو ضربه، فهنا عليه أن يلجأ إلى الاعتذار من الطفل بعد أن يهدأ ولا بأس أن يقدم له هدية بعدها في محاولة لإيصال رسالة بأنه ما زال محبوباً وإن أي تصرف بغضب معه ليس بقصد على أن لا تكون صفة الغضب والضرب هي السائدة وإلا فالأولى ترك هذا الأسلوب لأنه لا يجدي نفعاً، وقال أمير المؤمنين، عليه السلام: «لا أدب مع الغضب».

وبلا شك فإن كل ما سبق لا يتم إلا بالصبر الذي أمر الإسلام به وخاصة على ما يلاقيه الوالدان من الطفل، لا سيَّما في السنين السبع الأولى التي يصدر فيها عن الطفل ما يرهق الوالدين، ويشغل بالهما، فكثيراً ما قد يبكي، وكثيراً ما قد يمرض، وكذلك يتطلب الصبر مع عدم الغضب عليهم وترك ضربهم مع تقلب المزاج للوالدين أحياناً بسبب ظروف ما.

وبقي أن نلتفت أيضاً إلى أن لا يقود هذا الحب إلى الحماية الزائدة للطفل وعدم إعطائه فرصة الاعتماد على نفسه ونعمل كل ما يريده بالنيابة عنه فيكون شخصية اتكالية عندما يكبر لا يؤمن بقوته الذاتية ولا يتخذ قراراً لوحده وليس له ثقة بنفسه تؤهله إلى الاعتماد على نفسه.

وإذا ما فشل في أمر ما فلا يستطيع النهوض؛ لذا ينبغي أن يكون الحب متزناً نستخدمه في إيقاظ النُبل وسقيها لأنه كما قيل «كل شيء يزيد عن حده ينقلب ضده».


ارسل لصديق