العرف العشائري والشرع المقدس
كتبه: الشيخ يحيى الطرفي
حرر في: 2018/01/07
القراءات: 302

يقصد بالعرف العشائري السنن العشائرية التي وضعت من قبل مشرعيها، وتناقلها رؤساء العشائر، وأصبحت كقانون عشائري ساري المفعول، لا يمكن لأي أحد أن يحيد عنه؛ علما أن هذا القانون العشائري غير مدون كمادة قانونية.

العرف العشائري هو مجموعة العادات والتقاليد، إضافةً إلى آليات العمل المعتمدة في إصلاح ذات البين؛ الذي له الدور الإيجابي والكبير الذي لا ينكر في حياتنا.

 

 ما هي العشيرة؟

إذن، لابد لنا أن نعلم بان العرف العشائري كان موجوداً في عصر ما قبل الإسلام؛ حيث كانت القبائل في جزيرة العرب تحكم وفق سنائن عشائرية وضعت من قبل رؤساء القبائل.

ولا يخفى على أحد أن النظام العشائري في العراق تحديداً، هو نظام اجتماعي؛ حرص ابناء العشائر على تنظيمه وتطويره والالتزام به عبر تعاقب الأجيال التي تناقلته عبر السنين.

ولكي تكتمل الصورة عند القارئ الكريم، لابد لنا أن نعرف معنى العشيرة التي يحكمها العرف العشائري؛ فالعشيرة هي عبارة عن مجموعة من الأشخاص ينتسبون جميعهم إلى جد واحد ويشكلون كياناً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً في ما بينهم وبين البيئة المحيطة بهم.

ويعود أصل كلمة العشيرة إلى العشرة، ويقصد بها (آل البيت الواحد) بما يشمل هذا البيت الواحد من أبناء وآباء وأجداد وتفرعاتهم النسبية المعروفة، ويأتي هذا المعنى واضحاً في قوله - تعالى-: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، (سورة الشعراء: 214)، نجد بأن الله - تعالى- أمر النبي محمداً، صلى الله عليه وآله، في بداية الدعوة الإسلامية، أن يقوم بدعوة أبناء عشيرته في المرحلة السرية - أي بني هاشم تحديداً -، وهذا دليل على ما آل إليه الشرع من أهمية التمسك بالعشيرة من أجل تلاحم المجتمعات في ما بينها.

هنا نتوصل إلى حقيقة ان العشيرة هي مؤسسة اجتماعية يمثل أفرادها النواة لهذه المؤسسة حيث تجمعهم وحدة النسب والدم وأواصر أخرى، وعادة يترأس كل عشيرة شيخ من أبناء أصول مؤسسيها، وتعتبر العشائر في العراق رمزاً للكرم والشجاعة والحكمة والالتزام.

 

 القيم والأعراف العشائري

والعشائر العربية زاخرة بالقيم النبيلة والأخلاق الكريمة، ولها دورٌ مهم في تثبيت القيم والأعراف منذ أن كانت هذه العشائر تقود المجتمع حيث كان لا وجود للدولة بشكلها الحالي المتكامل.

إن العرف العشائري هو قانون عشائري وضعه الناس في حقب مختلفة، مثلما أشدنا بهذا القانون؛ فإننا نؤكد أن بعض السنائن العشائرية بحاجة إلى مراجعة مستمرة من قبل الإخوة شيوخ العشائر خاصة عندما تتعارض هذه السنائن مع القانون السماوي، وهو دين الإسلام والرسالة المحمدية التي أرادت أن تنقذ الناس من شفا حفرة من النار؛ لذا قد ذكر علماؤنا الأفاضل عن السنن العشائرية ما نصه: «كل نص يخالف الشرع فهو باطل وهو ما يحل حراماً أو يحرم حلالاً. ويمكن بل يجب الاتفاق على تبديله إلى ما يرضي الله ورسوله. أما إذا كان مخالفاً للشريعة فيكون نقضه واجباً. وليس كما يقولون في نهايته: أن فيه غريمة الله ورسوله؛ إذ كيف إن الله ورسوله يرضيان بعصيان تعاليم الدين. هذا، ويمكن تعيين التعاليم الشرعية بالرجوع إلى الفقه والفقهاء».

لأجل ذلك، أن الباري عز وجل يريد منا، كمجتمع إسلامي، أن ندعو إلى الخير، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، وأن نكون سداً منيعاً بوجه الباطل مهما كان مصدره وتوجهاته، وأن نساند الحق امتثالاً لقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، (سورة آل عمران: 104)، أي إن الأمة التي لا تخالف الشرع الإسلامي تكون أمة فائزة في الدنيا والآخرة، ومهما يكن اعتزازنا بالسواني التي وضعها الأجداد؛ لم ولن تكون بديلاً عن حكم الخالق العظيم الخبير بالناس والعارف بمصالحهم ومفاسدهم.

 

 تقويم الأعراف العشائرية المخالفة

من اجل ذلك؛ ندعو إلى تقويم هذه السنن والأعراف العشائرية المخالفة للشرع المقدس، ولابد من الجهد المشترك بين جميع الأطراف للتخلص من العادات والتقاليد والأعراف والظواهر السلبية استناداً إلى الشريعة المقدسة، وذلك من خلال الاستعانة بالمرجعية الرشيدة، وإقامة حملات تثقيفية في ذلك.

وهي دعوة صادقة إلى سادات المجتمع ورؤساء العشائر والقبائل الذين وضعوا مخافة الله نصب أعينهم، وتفانوا في خدمة عشائرهم ومجتمعهم بما يرضي الله عز وجل أن يراجعوا وبجدية عالية بعض السواني والممارسات العشائرية التي لا ترضي الله جل جلاله، والتي تسبب الأذى والظلم للآخرين، وبخلاف ذلك سيطول وقوفهم أمام الله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ}، (سورة الصافات: 24-25).

لذلك يجب على العشائر وشيوخها الكرام أن يكونوا حماة للدين والقيم الأصيلة التي أرادها الشرع المقدس، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، (سورة المائدة: 44)، وأن ينبذوا بعض السنن التي فيها غضب الله وظلم العباد، والتي وضعت من قبل الناس في حقب زمنية غابرة ومظلمة، وأن يكون الحكم لله وحده.


ارسل لصديق