التجزئة بين العلوم وخسارة التقدم
كتبه: رياض عبد المجيد
حرر في: 2012/10/29
القراءات: 958

من المشاكل التي ابتلي بها العالم اليوم مشكلة التجزئة في العلم، بشكل مبالغ فيه، بحيث نسي العالم الرؤية التكامليّة الواحدة، والاطار المشترك الذي يجمع الافكار والمعلومات المختلفة، على الرغم من انّ بعض الحكماء انتبهوا الى نقطة الضعف هذه، وحذّروا منها مثل العالم المعروف "الكسيس كاريل" الحائز على جائزة نوبل عن كتابه الشهير "الانسان ذلك المجهول"، فهو يحدّثنا باسهاب عن مشكلة التجزئة في العلم الحديث، وكيف انّ هذه الازمة جعلتنا لا نعرف ذواتنا التي هي أقرب الاشياء الينا.

و يضرب هذا المفكّر لذلك مثلاً عن الانسان، وكيف انّه جزّأ روحه عن جسمه، وفصل علم النفس الاجتماعي عن علم النفس الفرديّ.. وهكذا الحال بالنسبة الى بقية فروع علم النفس التي فصلها هي الاخرى عن علم التربية والاخلاق، والعلوم الفلسفيّة المرتبطة هي ايضاً بالانسان، ولم يكتف بذلك بل انّه عمد الى تجزئة علم الاقتصاد عن علم السياسة، وعلم السياسة عن علم الاجتماع، والاخير عن علم النفس.

وعلى سبيل المثال نجد الدراسة في كليّة ما تؤدي الى البحث بعد فترة قصيرة عن قضيّة جزئيّة جداً تحول دون فهم القضايا الاخرى، ولذلك فانّ الانسان اليوم، ينظر الى بُعد واحد في كافّة أموره، وقد كتب عالم النفس "هربت ماركوس" كتاباً حول هذه المشكلة بعنوان "الانسان ذو البعد الواحد"، وكان هذا الكتاب وراء ثورة الشباب في فرنسا عام 1968.

وعلى الرغم من تحذير الفلاسفة والحكماء في العصر الحديث من هذا التوجه والمبالغة في التجزيئّية الاّ ان وجهة العلم الحديث تنطلق و بسرعة نحو التحليل والتجزئة، ووضع الحدود الفاصلة بين الحياة الواحدة، وبين المجتمع الواحد والنفس الواحدة. مثل هذه التجزئة تشكلّ خطورة للبشريّة، وخطورتها هذه تكمن في انّ الله تعالى، لم يخلق مجتمعاً من دون فرد، ولا فرداً من غير مجتمع، ولا نفساً تعيش في عالم الاجتماع، واخرى في عالم الاقتصاد او في عالم السياسة… فالله سبحانه، خلق الكون وحدة واحدة مترابطة الاجزاء، ولا يمكن فهم هذا الكون من دون الرؤية التكاملية.

 وهذه الخطورة تتضاعف عندما تدخل هذا الروح التجزيئية البعيدة عن الرؤية التكامليّة الى بلادنا، ذلك أنّ الانسان في العالم الغربيّ، ان كان له اختصاص في فرع معيّن، فانّ هناك اشخاصاً آخرين مختصين في فروع اخرى، و بالتالي فان جهودهم المختلفة تنصب في اطار واحد. أمّا نحن فقد اردنا تقليد الغرب ولكننّا نسينا في غمرة هذا التقليد قيمنا، فعندما نفذت فينا تلك الروح سبّبت لنا المأساة، مثال ذلك، الطب ، فهو متخلّف، و خبراتنا معطّلة، فترى حملة الشهادات يقدمون من اوروبا وهم مزوّدون باعلى الخبرات والتجارب، ولكنهم للاسف الشديد لا يوظّفون في اختصاصاتهم. وهكذا فانّ مشكلتنا تتمثّل في انّ الواحد مناّ يعمل على الاختصاص في علم ما ولكنّه يواجه بعدم وجود علوم اخرى تكمل اختصاصه.

ومن تجليات هذه الخطورة، أن بلادنا تعيش بالأساس مرحلة متأخرّة من التقدّم الحضاريّ في حين انّ الاسلام يأمرنا بأن نكون تكامليّين في تفكيرنا، و يطلب منّا ان نكون قادرين على ان نعرف كلّ شيء بحيث تعطينا هذه المعرفة بصيرة في تعاملنا مع مفردات الحياة، فان لم يكن الانسان المؤمن عالماً اكاديمياً، بامكانه ان يكون خبيراً في علم النفس، وفي علم الاجتماع، وخبيراً في الطبّ بقدر حاجته ايضاً، ذلك حتى يحقق التكاملية، و الاسلام كلّه يتكامل في ذاته، بحيث يتحوّل الى مشروع حضاريّ متكامل.

وفي نفس الوقت فانّ الاسلام يأمر المؤمنين جميعاً بأن يسيروا في الارض، فينظروا، ويتفكرّوا ليعقلوا ويبصروا، وعندما يوجّه الاسلام كلامه الى قمّة المجتمع الايماني فا‍نّه يحدّثنا عن هذه الميزة بصورة أدقّ، حينما يحدّد لنا من هو العالم الذي ينبغي ان تعطى له مهمّة قيادة المجتمع الايماني الخالص، فترى الاسلام يأمره ان يكون شمولي النظرة والبصيرة والعمل.

انّ اولئك الذين يدّعون ان الحوزات العلميّة ينبغي ان لا تشتغل بالسياسة، انما هم في الحقيقة متأثّرون امّا بالفلسفة اليونانيّة القديمة، او بالفلسفة الاوروبيّة الحديثة التي تذهب الى تجزئة العلم، في حين انّ الاسلام لا يعترف بهذه التجزئة، فليست هناك حدود بين السياسة والاقتصاد، والسياسة والفقه في الاسلام.

فمن خــــــصائص الحوزات العلمية، انها تدخل ساحة العمل بصورة مباشــــــــــرة، فكلّ فـــــــــــــــرد منها لا يرى نفسه بعيداً عن الساحة حتّى في مــــــــــرحلة دراسته، فمن المؤسف بعد ذلك ان نرى في الجامعات الحــــــــــديثة التي تنطلق مـــــن مبدأ التجزئة، و تخضع لقوانين الفصل بين العلوم المختلفة، فعاليات سياسيّة، وتظاهرات واضرابات و تحدّيات، ثم لا نجد مثل ذلك في حوزاتنا العلميّة.


ارسل لصديق