أزمة القيم وحاجة العالم إلى التشيع
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2018/01/08
القراءات: 214

منذ وضعت البشرية أقدامها على أعتاب القرن العشرين، ظهرت الحاجة الى المفاهيم الاخلاقية لتكون المعيار والحكم الفاصل في الأزمات والإجابة على أسئلة حائرة ولدت طبيعياً بفعل التطورات السريعة في عالم الاقتصاد والسياسة، فقد كانت القفزات الصناعية والتقنية في العالم، وتحديداً في الغرب، تلاحقها قفزات في الفكر السياسي وايضاً في العقيدة الاستعمارية الجديدة، التي ظهرت في الحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، وما أعقبها من افرازات واصطفافات جديدة ورسم لملامح جديدة للعالم.

وما دفع العالم للتفكير بجدّية في الأمر؛ حجم الخسائر المهولة التي تكبدتها البشرية من الحربين العالميتين، حيث تشير بعض الإحصائيات أن الحرب العالمية الثانية لوحدها حصدت أرواح حوالي 70 مليون إنسان في روسيا واوربا والشرق الأقصى ومناطق أخرى طالتها نيران هذه الحرب الضروس.

وهذا ما دفع العالم لتقنين القيم والفضائل والمبادئ في إطار دولي، لتكون حكماً ومرجعاً في إدارة الحياة، وأنيطت هذه المهمة الى منظمات دولية مثل؛ الأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية، الى جانب الهيئات والجمعيات المتفرعة من الأمم المتحدة التي تعنى بشؤون الإغاثة والتنمية وحل النزاعات وغيرها، وتمت استعارة مفاهيم من التراث الفكري للغرب مثل؛ حقوق الانسان، الذي تحول الى إعلان عالمي، او فكرة الحرية الفردية المنبثقة من الفكر الليبرالي، وغيرها من المفاهيم التي أولدتها الثورة الفرنسية.

بيد أن هذا لم يكن لينجح لولا إسهامات الشعوب والأمم التي ينعكس عليها نجاح او فشل هذه المفاهيم، وفي مقدمة هذه الإسهامات؛ الإسهامات العلمية والفكرية.

وهنا تحديداً يظهر دور الشعوب الاسلامية الغنية في تراثها الحضاري، ولكنها مبتلية بواقع مرير على الأصعدة كافة، نظراً لضمور النتاج الفكري والثقافي والسبات العميق الذي شهدته طيلة فترة الهيمنة العثمانية، فكان التزامن بين البحث عن قيم التحديث والتقدم، والبحث عن الهوية الأصالة، فقد طالبت بهويتها وقيمها، وفي نفسه تريد التقدم العمراني والصناعي والحضاري، فما هي قيم التمدن والتحديث؟ وكيف ننهض من واقعنا المتخلف؟ وأين تكمن أخلاقيات الأصالة والمعاصرة؟

وهكذا دفعت هذه الأسئلة أمواجاً من الآراء والاجتهادات في جميع المستويات لتطوير البنى والآليات، وتجديد الروح، وصولاً لأصول القيم المطبقة على عصرها نهضة وتقدماً، وهنا بدا البحث مرة أخرى عن فلسفة الأخلاق أمراً لا مناص منه، وبقعة لابد من سبر غورها بكل جهد ممكن.

وبمراجعة سريعة لأدبيات تلك الفترة وحتى اليوم سنرى آفاق الحديث فيها إن لم يكن في صلب موضوع فلسفة الأخلاق، فانه يحوم حولها تمهيداً واستعداداً للوغول فيها، فنرى بحوث الأصالة والمعاصرة، والثابت والمتغير، وآليات القراءة والتجديد، وتطوير مناهج التفكير الديني وغيره.

وضمن نسيج النهضة في العالم الاسلامي، يعد التشيع أحد أركانها الاساسية، الذي كان له ولا يزال جهد مذكور على مختلف المستويات وأهمها المستوى الفكري - الثقافي - العلمي.

وفي مجال فلسفة الأخلاق وعموم البحث الأخلاقي، يندر او لا يكاد يذكر، التراث الأخلاقي الشيعي ومساهماته عند تعدد او تقييم او تثمين الجهود الاسلامية في هذا الاطار، ويرجع ذلك: أولاً: الى غيابه او تغييبه عن الواقع الفكري للأمة.

ثانياً: قصور الرؤى في اكتشافه.

 

 التشيّع، التميّز والتغييب

يعد التشيع على المستوى الثقافي - الاجتماعي، كياناً متميزاً في الوسط الاسلامي؛ وذلك لما يتضمنه في أبعاده المتنوعة من خصائص تميزه عن غيره، فرضتها المرجعية الفكرية التي يستند اليها، والظروف التاريخية التي واجهها، ونوعية الأطراف التي كانت تتنافس او تتصارع معه في الواقع الخارجي.

والغفلة عن حقيقة هذا التميّز وواقعيته جعل، ويجعل التعاطي مع هذا الكيان يتجه الى مسارات خاطئة، ويصل بالمتعاطين الى انطباعات ونتائج غير صحيحة، مما يهمش كياناً مهماً في الحضارة الاسلامية، ولا يخفى على أحد ما لهذا الواقع الاقصائي من نتائج سلبية في العديد من المستويات الفكرية والاجتماعية والحضارية.

والذي يمكن القيام به في هذا السياق بما يخدم ويمهد لأصل الموضوع، هو الإشارة إجمالاً لعدة جوانب من التميز الذي يحظى به التشيع:

1- مصادر الفكر:

أول ما يتميز به التشيع عن غيره من المذاهب الاسلامية؛ مصادره الفكرية التي يعتمد عليها في نظرته لمجمل الامور الفكرية والتاريخية، فهو وإن كان يشترك مع عموم الفرق بمرجعية القرآن الكريم ومتواتر السنة النبوية، إلا انه في المقابل تميّز عنهم بمرجعية أهل البيت، عليهم السلام، التي أفاضت عليه من المعارف الشيء الكثير مما جعلته فعلاً يتميز عن غيره، فعلى مستوى التدوين الروائي الذي يُعد من اهم المصادر التي يستقي منها المسلم معارفه نرى ان التشيع تميز على مستوى الرواة، وكيفية قبوله للرواية من عدمه، وكمية الروايات عدداً، وسعتها موضوعاً، وتواصلها تاريخاً، ناهيك عن نوعيتها على المستوى المعرفي- الفكري، كل ذلك انعكس على العقل الشيعي في رؤيته للقرآن الكريم والعقل (نظرية المعرفة)، والتاريخ؛ سواءً منه ما قبل الإسلام كتاريخ الانبياء، او التاريخ الاسلامي، وتحديداً سيرة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وبكلمة مختصرة: رجوع التشيع لأهل البيت، عليهم السلام، كمرجعية فكرية مكنهم من صياغة فلسفة مختلفة للحياة تتميز عن بقية فلسفات الفرق الأخرى.

2- المجتمع الشيعي:

كان لمجموع الظروف الذاتية والموضوعية التي حفّت بالتشيع ككيان اجتماعي دخلٌ في تميزه عن غيره، فعلى المستوى الذاتي أدى تميزهم في المرجعية الفكرية الى صبغ واقعهم الاجتماعي بصبغة خاصة، وذلك للعلاقة الوثيقة بين الفكر والسلوك، فصارت للشيعة آدابهم وأعرافهم وسلوكياتهم الخاصة تجاه عموم الحياة الاجتماعية.

اما على المستوى الموضوعي، فقد كان لواقع الصراع الاجتماعي - السياسي الذي خاضه التشيع في وجه الحكام، أثره العميق في صياغة واقعه الاجتماعي، فبدأت في داخله ظاهرة الهجرات الجماعية الى مناطق نائية عن مراكز المدن الرئيسية، وفرض ذلك تواجداً شيعياً في مناطق معينة دون أخرى، كما انعكس على طبيعة الذين دخلوا التشيع، وعلى أساليبهم في الحياة الاجتماعية في ظل ملاحقة دائمة من الحكام، وكذلك على نظام المؤسسة الدينية ومحوريتها.

3- إشكالية معرفة الآخر، التشيع مثالاً:

لا نجانب الصواب اذا قلنا ان مسألة معرفة الآخر تعد من أعقد المسائل في تاريخ الفكر البشري على مستوى دراسات تاريخ الأفكار، والعلوم الاجتماعية، والأديان المقارنة، وفي التاريخ الاسلامي وقع التشيع ضحية كبرى لسوء الفهم والتفاهم، عمداً أو من غير عمد، فنسبة المنسوب اليه من الصحة لا تتجاوز في أحسن الأحوال الأربعين في المائة من حقيقة واقعه، ولهذا الأمر أسبابه ومسبباته التاريخية.

وللأسف فإن سوء الفهم هذا انسحب ايضاً الى الباحثين خارج الاطار الاسلامي، من المستشرقين وغيرهم، والذين هم ايضاً وقعوا في منزلق «معرفة الآخر» من قبل خصومه، او منافسيه، وللأسف ان الدراسات الجادة والمنصفة في هذا المضمار قليلة جداً الى درجة الندرة، ناهيك عن محدودية المجالات التي اهتم بها الدارسون، فعلى الصعيد الاسلامي نرى ان الخلافات المذهبية هي التي تهيمن على اهتمام الدارسين والباحثين؛ فمن مسألة الإمامة والخلافة، ومروراً بمسائل صفات الإمام، وانتهاءً بتحريف القرآن الكريم، وما أشبه ذلك، اما المستشرقون فدراستهم للتشيع جاءت متأخرة عن دراستهم للفكر السنّي، ولم يبدأ الاهتمام عندهم بالشيعة إلا في منتصف القرن الماضي، وكانت مجالات الاهتمام محدودة، وبلغت أوجها بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران.

وبهذا عاش التشيع مظلوميته التي طالما نادى بها في مساره التاريخي لكنها هذه المرة ليست مظلومية سياسية - اجتماعية، بل «مظلومية فكرية».

 

 أفضل الطرق للتعرف على الفكر الشيعي

هذه النقاط الثلاث تفرض على الباحث في الفكر الشيعي ان يحاول تجنب سلبياتها، مما يعني ضرورة الطموح للوصول الى فهم حقيقي للتشيع «بذاته ولذاته»، وهذا يتطلب الآتي:

أولاً: التعرف على مصادر الفكر الشيعي عن كثب، والتعمّق فيه، أو كما عبر عنه الكاتب الجزائري، محمد اركون ذات مرة، بـ «التموضع» داخل الفكر، وهذه العملية ليست بالهينة، بل تتطلب المامة جيدة وخبرة متمرسة في تراث هذا الفكر بجوانبه المتعددة.

ثانياً: اذا كانت الدراسة معنية بجوانب ترتبط بالحياة الاجتماعية او شيء له علاقة بالممارسة الاجتماعية التي يصعب اكتشافها عن طريق النصوص المكتوبة او تشكل النصوص المكتوبة فيه مؤشرات لا أكثر، هنا لابد من التأني اكثر، وتقليب المسألة على عدة وجوه، ومحاولة الاستعانة أكثر بآليات ترصد الظاهرة كما هي في الواقع، لا كما يحلو للناقد والباحث تفسيرها.

ثالثاً: تجنب التعرف على التشيع من خلال خصومه ومنافسيه، بل لابد من التعاطي أولاً وقبل كل شيء مع النصوص الاساسية لتراثه، وكلام علمائه، ولتكن مطالعة آراء الخصوم مرحلة ثانية، حتى نتجنب الوقوع في تداخل السياسي في الفكري.

-------------------

* مقتبس من كتاب: مستند الروح، دراسات في فلسفة الأخلاق، لمؤلفه الشيخ حسن البلوشي.


ارسل لصديق