قدرة الدين على صناعة القيم والحاجة الى حداثة جديدة
كتبه: عباس أنور دلال
حرر في: 2018/01/08
القراءات: 190

النكسات التي منيت بها الأمة منذ قرون من الزمن بسبب عوامل ذاتية وأخرى خارجية، منها الاستعمار والغزو الثقافي ومنها العجز، دفع بالشريحة المثقفة والواعية في الأمة الى توسّل الطرق للخلاص من افرازات هذه النكسة التي أخذت أبعاداً ثقافية وفكرية، كما أخذت أبعاداً سياسية واقتصادية، ومن أبرز الطرق؛ الحداثة في الرؤية والفهم للدين والتاريخ والفكر، متأثرين بما توصل اليه الغرب من منجزات مشهودة للعيان، وحسبوها من الحضارة التي ابتعدوا عنها وكان علّة التخلف والحرمان والمآسي التي تعيشها شعوبهم.

هذا الجهد المعرفي، - بدلاً من أن ينهض بالأمة وما تمتلك من إرث حضاري عظيم، متمثلاً في قيم ومبادئ وأحكام ونظم وضع قواعدها الإسلام، وأثبتت نجاحها في تجارب تاريخية عدّة -، انحرف في مسيرته بالأمة ليتجه نحو الحداثة في كل شيء مستغنياً عن هذا الإرث، كما لو أن الأمة عبارة عن جهاز حاسوب تمت إعادة برمجته من جديد، او كما يُسمى في علم الحاسوب «فورمات»، لتبدأ من الصفر علّها تلتحق بركب الحضارة الغربية.

وقد كتب الكثير من العلماء والباحثين في أسباب هذا الانحراف او الفشل في عملية الإنقاذ الحقيقي للأمة من مستنقع التخلف، وفي هذه السطور نناقش القضية من زاوية قدرة الدين على صناعة القيم، ومن ثم الفاعلية ومواكبة الزمن والتطورات في الحياة.

 

 ثلاث مقدمات

ثمة تمهيد لابد منه قبل الدخول في صلب الموضوع:

الأولى: الانسان كائن ثقافي؛ منفرد بالثقافة لانفراده بالوعي والإرادة، وتتحكم رؤاه المعرفية بسلوكياته وموازنة حاجياته ودوافعه وأهدافه. وبالرغم من أن تطورات الحياة خاضعة للسنن فهي لا تقودها الحتميات. نعم؛ الظواهر الاجتماعية تخضع للسنن، بيد أن السنن؛ واسعة متعددة ومتداخلة، تفسح مجالا رحباً للفاعلية الإرادية بما يعني؛ أن الاهتمام بالثقافة هو إيمان بمحورية الانسان وفاعليته؛ فالثقافة امتياز ومشترك بشري؛ فالحديث عن التغيير هو حديث عن البرنامج الثقافي الذي يخلق الانسان الحضاري.

الثانية: الأخلاق لها ظاهر متماس مع الآخر، وآخر باطن يخلق ذلك الظاهر؛ فهي - في مفهومها الظاهر - تعني الصدق، والوفاء، والإصلاح بين الناس، وتجنّب سائر الصفات الرذيلة، في حين تعني - في مفهومها الباطن - الخلفيات الروحية للأخلاق الفاضلة؛ فالصدق - مثلاً- نابع من الاستقامة في النفس، والإصلاح ناتج عن رؤية صافية الى الحياة، والوفاء منبثق من شجاعة نفسية لدى الانسان. أما الكذب والنميمة والتهمة والغيبة، فإنها نابعة من انحرافات نفسية، وتشوش واضطراب الرؤية وفقدان البصيرة في الحياة.

الثالثة: وللأخلاق مفهوم واسع «حضاري»، وآخر ضيق «تقليدي»؛ فالأخلاقيات الحضارية تتجاوز التقليدية - النهي عن مثل الغيبة والنميمة والبهتان، والأمر بمثل الزهد والصدق مع أهميتها - الى أخلاق مرتبطة بالعمل والتقدم (الجد والاجتهاد والحيوية والطموح والتطلع والإتقان والاهتمام بالزمن).

ومن خلال هذه المسائل الثلاث يتضح لدينا أمران: أولهما قابلية أن يكون الدين مؤسساً لقيم الفاعلية، والثاني أن سبر هذه القابلية يكمن في مراجعة للرؤية الفلسفية للحياة التي يؤسسها دين ما أو ثقافة ما. ويجدر التوقف مع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الذي تناول هذا الإمر وكان لنظراته تأثير ملحوظ في فهم الحداثة والتنظير لها.

 

 ماكس فيبر وعلم الاجتماع الديني

قدم ماكس فيبر نظرية قلب المعادلة على النظرية الماركسية بأطروحته القائمة على أن القيم الثقافية هي التي تحدد نوع ومستوى النشاط الاقتصادي، وليس الاقتصاد هو المحرك، كما تصور ماركس، فيرى (فيبر) ان الرأسمالية - وإن كانت هي التي خلقت الثروة واقتصاد السوق - فقد كان ذلك بفضل القيم الثقافية التي خلقتها البروتستانتية، وهي القيم ذاتها التي أسست العقلانية الاقتصادية والحداثة الديمقراطية.

وقد صاغ فيبر سؤالاً رئيساً:

كيف أدت بعض العقائد الدينية الى ظهور عقلية اقتصادية؟

بالإمكان تلمّس الإجابة بين ثنايا هذه النظرية:

- الفعل الاجتماعي (السلوك: الفعل، أو الامتناع عنه) هو الموضوع الأساس لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر، والفعل يصبح اجتماعياً عندما يرتبط المعنى الذاتي المعطي لهذا الفعل بواسطة الفرد بسلوك الأفراد الآخرين ويكون موجهاً نحو سلوكهم.

- السلوك الاجتماعي او الظواهر الاجتماعية تفهم على مستويين؛ الاول: ان نفهم الفعل الاجتماعي على مستوى المعنى للأفراد انفسهم، والثاني: ان نفهم الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي بين جماعات الأفراد.

- فهم الفعل البشري يتصل بفهم دوافع الفرد ونواياه واهتماماته والمعاني الذاتية التي يعطيها لأفعاله، والتي لم تكمن خلف سلوكه، وبالطريقة نفسها لابد من النظر الى النوايا والدوافع والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها؛ أي انه لابد من فهم الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة.

ان نقطة الانطلاق في دراسات فيبر عن علم الاجتماع الديني هو فهم اتجاه تصور الفاعل للوجود بأكمله، لسبر مدى تأثير التصورات الدينية عن العالم والوجود في السلوك الاقتصادي لكافة المجتمعات. ويبدو ان فيبر - في دراسته لتأثير الأخلاق البروتستانتية على الرأسمالية - كان يريد ان يؤكد قضيتين:

الأولى: ان سلوك الأفراد (يشمل الاقتصادي) يُفهم في إطار تصورهم العام للوجود، مثل المعتقدات الدينية.

الثانية: ان التصورات الدينية هي بالفعل إحدى محددات السلوك الاقتصادي، ومن ثمّ فهي تعد من أسباب تغير هذا السلوك.

على أن فيبر لم يعالج الجوانب المختلفة للدين بوصفه ظاهرة اجتماعية؛ بل اكتفى بدراسة الأخلاقيات الاقتصادية للدين، ويقصد منها ما يؤكد عليه الدين من قيم اقتصادية.

هذه العقلانية الحديثة - يرى فيبر- اختصت بها حضارة الغرب؛ فالعلم بمعناه الحديث، غربي الأصل والتطور، وايضاً القانون الوضعي، كما أرسى الغرب الحديث دعائم الدولة العصرية بدستورها المكتوب وقوانينها المجردة، دولة تديرها بيروقراطية بمعناها الحديث.

ان دراسة ماكس فيبر للحضارات الشرقية إنما قام بها ليثبت أنه؛ ولا واحدة منها عرفت العقلانية الحديثة - أو الحداثة العقلانية - التي أسست الرأسمالية والديمقراطية والعلم بمناهجه الحديثة المؤسسة على التجربة العلمية والصياغة الرياضية.

فقد درس الحضارات اليهودية، والصينية (الكونفوشيوسية)، والهندية (الهندوسية والبوذية)، ولم يهتم إلا عرضاً بالإسلام وبالحضارة اليابانية، وقد أوصلته دراسته الواسعة هذه الى نتيجة واحدة؛ أنه لا يوجد واحدة من هذه الحضارات قد تضمنت فيما يمكن أن تكون خلاقة للعقلانية الاقتصادية التي أسست الرأسمالية.

 

 الدين يقدّس العمل والاجتهاد

وحيث ان الغرض هنا هو النظرة الإيجابية بغرض الانتفاع، نتوقف عند بعض الملاحظات:

أولاً: أصالة الانسان

ان عكس المعادلة الماركسية هو الحق، ومضامين الآيات القرآنية في هذا واضحة، مثل:

{كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}، (سورة العلق: 6-7)، والعبرة المستفادة ان التغيير الثقافي هو مدخل أساس للتنمية، ويغني التخطيط لذلك المجتمعات أن تمر بتجارب مجتمعات أخرى قاسية حتى تحدث التبدلات؛ فالدراسة للتجارب تقي البشرية مخاض الألم والتجارب الخاطئة.

ثانياً: الخلط بين الدين والتحريف

ان النتائج التي توصل اليها فيبر، صحيحة من جهة، وخاطئة من جهة أخرى. إن عدم التمييز بين الدين والتحريف جعله ينسب آثام التخلف للدين نفسه، ولنلاحظ:

أ‌- لاريب في أن هناك بعض المعوقات في بعض الديانات؛ ولكننا عندما نعود الى جذور هذه الديانات نجد انها - في الأغلب - نقية من تلك المعوقات، وان الأفكار المنحرفة تحولت الى جزء من تلك الديانات بفعل مرور الزمن، وهذه الظاهرة لا تقتصر الى الديانات، بل تنسحب ايضاً على المذاهب الفلسفية التي يعتقد بها البعض.

ب‌- اننا اذا راجعنا أخلاقيات الاجتهاد والسعي والتحرك والحيوية والتعاون والتنظيم والعقلانية وغيرها في الدين، سنجد - بوضوح - ان الإشكالية في التحريف ليس إلا.

فهل يعزز الفاعلية إلا تحريم اللهو وتقديس العمل وجعله من درجات الجهاد؟

وكذلك الحال في تحريم الإسلام اللهو والباطل الذي يمتصّ طاقات الانسان ويهدرها.

فهل يعزز الإنتاجية إلا محاربة الإسراف وتكريس الزهد؟ وهل يعزز روح التقدم إلا الرسالية والتوكل؟

ثالثاً: الانفتاح الناقد وتعرية التحريف

ويتأسس «النقد - التمييز» على أساس أصالة العقل التي تتجاوز البنى الثقافية للبيئة؛ فيستطيع الانسان من داخل أرحام تلك الثقافات المتحجرة ان يتجاوزها، وهكذا يتولد المصلحون في المجتمعات، كما ان شروط الإصلاح الداخلية «في الدين» تسمح بذلك؛ وبعبارة موجزة:

- سلامة النصّ الديني «القرآن الكريم»، مع جملة وافرة من السنة الشريفة القطعية عند المسلمين جميعاً وبشروط المجتمع العلمي الشامل لتنوع المذاهب.

- كفاية العقل الفطري (المشترك البشري) واللغة العربية لتكوين البناء الأساس للمعرفة الدينية، والذي هو منطلق المتواليات المعرفية في المجتمع العلمي.

نعم؛ تبقى شروط متعلقة بالجماعة، ومن أهمها: التدافع العلمي- الاجتهاد، والانفتاح- المعاصرة.

وواضح أن الاستفادة من التجربة البشرية والتفاعل معها لا يفسر حين يتم تمييز الدين، ويتم الانفتاح بعقلانية نقدية.

ونفي الضير ليس لأن الدين ترك حسب الحكمة الإلهية مساحة للفاعلية الإنسانية فحسب؛ بل لأن لدينا ملء الثقة بهذا الدين، وإنما يكشف الانفتاح قصورنا البشري وتقصيرنا مما يضطرنا لديمومة المراجعة والنقد.

ولا يخفى أن التهاون في النقد سيراكم تدريجياً أكواماً من الفهم المجانب للدين؛ بل يمكن الصيرورة الى ان من عوامل نفي التحريف هو الانفتاح حيث يكشف العيوب ويبلور الأسئلة الحيوية في عصر ما من خلال المقارنة ومن خلال النجاح والفشل في التعاطي مع المستجدات.

وبهذا نصل الى أننا بحاجة الى حداثة من نوع آخر تستهدف الفهم الخاطئ للدين، وتزيل عنه آثار التزييف والتحريف، بحيث تحافظ الأمة على تراثها الحضاري العظيم، وتوجه جهودها العلمية والفكرية لبعث الحياة في هذا التراث وعدم استبداله بتراث الآخرين تحت أي مبرر كان.

-------------------

* مقتبس من كتاب: سنوات الشتاء، لمؤلفه؛ العلامة السيد جعفر حسين.


ارسل لصديق