قصص قصيرة
كتبه: كفاح وتوت
حرر في: 2018/01/09
القراءات: 14

مجهول

عثروا عليه ميتاً على أحد أرصفة المدينة المتمدنة؛ فتنقّلوا بجثته من مشفى إلى مشفى ومن سفارة إلى سفارة ومن بلد إلى بلد، استفسروا عنه في دوائر الأحوال المدنية، ودققوا في السجلات والأوليات، ملأوا بصوره الصحف والمجلات وجدران الأزقة والشوارع .. أعلنوا عنه في الإذاعات والفضائيات؛ المجانية منها والمشفرة.

فلم تنقذه المشافي ولا السفارات ولا البلدان ولا وسائل الإعلام .. ما عليهم - حينذاك - الا ان يودعوه عند جمعية حقوق الانسان بحكم الاختصاص للبتِّ في امره بيد انها - هي الأخرى - قد احتارت به وعجزت عن تحديد عائديته، وبعد نزاع وجدل اتخذت قرارها الأخير حين أعلنت القيام بتشريحه وإيداعه في ثلاجة التاريخ التابعة لها مع باقة ورد صناعية..!

 

أبشع سفاح

أعلن عن مسابقة دولية لاختيار ابشع سفاح في الوجود. ووفقا لشروط المسابقة، تقدم المئات من السفاحين الذين لهم باع طويل في الإجرام المنظم مستصحبين المستمسكات الثبوتية؛ فمنهم من ازهق روح إنسان او اثنين، ومنهم من سفك دماء عشرين من النساء أو اكثر، والثالث قد بقر بطن والديه، وآخر قد خنق زوجته والأولاد، ومنهم من ذبح العشرات من الشبّان والصبيان والرضع، ومنهم من ذبح شعوباً بمجازر تلو مجازر .. ومنهم .. ومنهم.. وعند الإعلان عن نتائج المسابقة، فاز المتسابق الذي قتل كلباً من الكلاب المسعورة.

 

استنكار

لقد شجب واستنكر بشدة،! وبشدة شديدة جداً تفجرت حنجرته وهو يعلن حزنه واسفه على ما طار هنا من أشلاء وما سقط هناك من رؤوس وضمائر وحياء .. فتكالبت عليه وكالات الأنباء لتسجيل سبقها الصحفي ولتشهد نهاية شعب.

 

ترميم

منذ سقوطه في هاوية العالم المادي، لم يزل في غيبوبته، محطم الرأس والقلب والروح، وما استطاع كبار أطباء العصر الحديث إنقاذه وإرجاعه الى صحوهِ، وقد اقترح أحدهم إمكانية ترميمه وإصلاح ما يمكن إصلاحه عن طريق معالجته بأساليب نفسانية وروحانية وذلك بتلقينه بعض المفردات ذات الدلالات والمعاني الإنسانية العميقة والتي تثير المشاعر والأحاسيس النبيلة.

تم إجراء بعض الفحوصات السريعة عليه وتهيئة المستلزمات الضرورية والأجواء الملائمة، وبدأ احد الأطباء بمراقبة الكومبيوتر، وتلقين المريض بأول الكلمات:

- حب

تدريجياً بدت استجابة المريض لسمو الكلمة وتأثيرها على تحريك أحاسيسه؛ حيث أخذت دقات القلب تعمل بشكل طبيعي كما أشار اليها الكومبيوتر، ثم تابع الطبيب..

- وردة

رمشت عيون المريض ببطء تاثيراً ببهجة وعنفوان الورود؛ فاستمر الطبيب..

- نهر

قام المريض بتحريك شفاهه، وبإجهاد كبير حاول ان يطلق أحاسيسه برغبة عارمة..

- سأرحل من النهر..

اعقب الطبيب قائلاً:

- ماء .. ماء..

توالى الطبيب بالكلمات مردداً..

- سماء .. سماء .. سماء ..

فتح المريض عينيه، وبدأ ينظر نحو الأعلى بشوق ولهفة. تحمس الطبيب للنتائج الايجابية التي تتحقق؛ فكرر عليه..

- حرية .. حرية .. حرية ..

ابتسم المريض بنشوة عارمة ولم يزل نظره شاخصا الى الأعلى حتى اسعفه الطبيب متقطّعة..

- دي .. مقـ .. را .. طيّة .. !

عندها اضطرب الكومبيوتر، وأصابت الأطباء حالة من التوتر وهم يراقبون دقات قلبه المضطربة.. اغمض المريض عينيه غارقاً في غيبوبته الطويلة.

 

انقراض

اختنق المكان، وبدا طافحاً بعبثيته وغرائبيته التي تنبئ باستحالة ملاءمته للعيش؛ فأنواع الروائح الكريهة التي تكتسح الهواء تكاد ان تمزّق انفه الذي لم يشم رائحة الطيبة والدفء منذ فترة طويلة.

أصناف من الحيوانات من بني جنسه تحوم حوله، تتسلل الى عالمه وتطوقه بسلوكياتها وأصواتها الحادة وهي لم تزل تتناسل بشكل غير طبيعي وبأعداد غير متوقعة فتترك فضلاتها المتفسخة لتتراكم عفناً ودنساً، تختلط رائحة الدماء التي لم تنقطع مع رائحة القمامات ورائحة البارود الذي لوّثنا، وتسبب في انتشار أمراض حيوانية عصرية مزمنة؛ بيد انه اختلف عنها كونه حيواناً أفضلها نوعاً واجلدها صبراً وحكمة لصفات ورثتها عن أصوله وهي تؤهله لان يكون في وضع فكرة التمرد والهروب الى حديقة أخرى اكثر بهجة واطمئنانا.

تتصاعد الأصوات الهائجة التي لم تهدأ في هذا الليل المهيأ للانفجار؛ فتكسر سكونه حيوانات تتصارع وتتشاجر شجاراً لا يطفئه هدنة يبدو أنها تَعد العدة للالتفاف عليه متراقصة على إيقاع طفلتها الدموية عند ضفاف جراحاته.

ما هذا الذي يحدث حوله من «فنتازيا» الدم ولعبة العبث في الكائنات الحية والميتة؟

وما يزيد حالته سوءاً وفزعا تلك الطيور البرية المذبوحة، الملونة ببهجتها وهي تسّاقط أمامه تلك، وتحترق بسبب الكثير من الأوبئة العصرية كأنفلونزا الحروب! وجنون البشر!

كل شيء يتغير بسرعة، وقد حدث الكثير من عمليات تبادل الصفات والطبائع من الحيوانات، حتى الأليفة منها ببركة تقنيات العصر الحديث المتطورة ربما بسبب تبدل طبيعة المكان واضطرابه، او بسبب الجوع والخوف والصراع المحتدم من اجل البقاء حتى وكأنها حيوانات لا تشبه جنسها مثلما هو الآن حيوان لا يشبه حاله ولا يعرف ما سيؤول عليه امره وهو يشيخ!

ما الذي يمكن فعله أزاء كل ما يحدث؟

وهل عليه ان يرفع يافطة يعلن فيها عن مظلوميته واضطهاده من قبل الحيوانات الأخرى ليوصل صوته الى اقصى ضمائر المدافعين عن حقوق الحيوان؛ فيسمعون أنين جراحاته وهي تقول: (رفقاً بنا .. انقذونا .. نحن ننقرض ومن حقنا العيش بسلام أسوة بسائر الحيوانات).

انه - حقاً - في مأزق شائك بالرغم من انه حيوان؛ ايضاً ولكنهم افرزوه عن الأصناف الأخرى، وتجاهلوا حقوقه في الرفق والعناية لعدم شموله ببنود لوائحهم كونه حيواناً ناطقاً.

 

أرض سكنية

اشرق البشر على عينيه وتألقت فرصة ما بعدها فرصة عندما لمح اسمه بين زحام القوائم المعلنة.

فبعد جهد جهيد وعمر مديد، استطاع الحصول على قطعة ارض سكنية في الضواحي ليؤوي عائلته، فذهب مع المهندس المساح لتثبيت حدودها، وبعد التدقيق والتمحيص واخذ القياسات اللازمة والتنقل ما بين الركن وما بين موقع ستراتيجي وآخر قرب طريق عام أو فرعي، اكتشف ان قطعته واقعة ضمن حدود مقبرة المدينة .. سقط ميتاً.


ارسل لصديق