العراق والاستحقاق الانتخابي
هل تنتصر الجماهير بتغيير الوجوه الفاسدة؟
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2018/03/01
القراءات: 232

لا يخفى على احد ان العراقيين، ومع سقوط الدكتاتورية المقيتة كانوا قد تنفسوا الصعداء، ولم يحدوهم الأمل فحسب، بل ان رؤيتهم للمستقبل الزاهر كانت كرؤية الشمس في رابعة النهار، فقد طوى مرحلة تصدير النفط بما قيمته 2 مليار دولار كل ستة اشهر لشراء الأساسيات، وايضا كل أشكال الحصار وقراراته الجائرة، وأهم من كل هذا حكم الدكتاتورية الفردية، آملاً في قدوم حكم الديمقراطية، والحكام الصالحين، ممن يجعلون ثروات البلاد في خدمة هذا الشعب المظلوم، وسيسهرون على راحته ويرفعون مظلمته.

 

 المستقبل الزاهر يتحول خراباً

وتمر الأيام والسنين، ويشاهد العراقيون ان البنى التحتية التي بنيت في أزمان سابقة تتآكل وتنهار يوما بعد يوم، رغم تخصيص المليارات من الدولارات لها، فقد تآكل ما بقي من مدارس، وانهارت المؤسسة الامنية والعسكرية، واصيبت المؤسسة التعليمية والصحية بتصدّعات خطيرة، نظراً للارتباك في المنهج وطريقة العمل، كما أصيبت الزراعة والصناعة بنوع من الشلل، فعطلت المصانع، وصرنا نستورد معظم الأطعمة، وايضاً الكثير من السلع الاستهلاكية بعد ان كنا نصدرها، وعلى أثر هذه الفوضى اجتاحت بلدنا فلول الإرهاب والتكفير، واستباحت سيادتنا دول الجوار بكل الأشكال حتى صارت الجيوش تدخل أراضينا وتستوطنها، وساسة العهد الجديد بين رافض لهذا الواقع، وبين ساكت متفرج، ليس من منطلق العقيدة والانتماء، وانما لتحقيق المصلحة الشخصية التي ولدت لنا حالة من الانسلاخ الاخلاقي - بالمعنى العام- في جميع جوانب الحياة، وتحديداً في ميدان السياسة والحكم، ومن ثمّ ظهور الفساد.

وفي  ظل هذا المنهج، سار العراق في الطريق المظلم، وما يزال نحو المجهول، يقوده «مسؤولون» تلطّخت أيديهم بالفساد المالي الاداري، ليتدرج العراق على قائمة البلدان الأكثر فسادا في العالم، بين المرتبة العاشرة ومرتبة نيل شرف تصدره لهذه القائمة؛ فحل الخراب في كل مفاصل الدولة والمجتمع والأفراد على حد سواء.

ويظهر لكل ذي لب، بل ولكل إنسان بسيط ان هذا الخراب ممنهج ومدروس تقف ورائه مصالح سياسية لبعض رجال الحكم، للقضاء على كل مصادر الإنتاج في الداخل؛ ولتحويل الوجهة الى الاستيراد، ومن ثم سرقة كل مقدرات العراق النفطية والمالية تحت ذريعة الاستيراد عبر مزاد العملة، لذلك نرى ان المليارات تخرج في مزاد العملة بدون معرفة الوجهة النهائية لها رغم ان الوجهة المعلنة لها هو الاستيراد.

 

 أحزاب السلطة وموقفها من خراب البلد

إن أسباب الخراب وان تعددت، فان الفساد الإداري الذي ارتكبه عدد غير من النواب والوزراء والمدراء، هو السبب الأساس؛ وقد شكلوا الظهير المساند للفاسدين، والمفارقة في الامر؛ أن الساسة بأجمعهم يُقرّون أن سبب خراب البلد هو فساد السلطة، ويصرحون بذلك ويتشدقون به، بيد اننا نشهد أن الأحزاب المتنفذة هي من تحمي الفاسدين فيها، واصبح فضحهم يشكل أوراق ابتزاز ضد بعضهم البعض، من جهة، كما ان تبرئتهم هي ورقة مقايضة لحماية الفاسدين فيها من جهة أخرى.

ولم تتمكن هذه الاحزاب من تحقيق ما تريد، إلا بعد أن استحوذها على كل مفاصل الدولة وأنشطتها التجارية والاقتصادية والمالية، وسيطرتها على المصارف التجارية التي تقوم بشراء العملة من البنك المركزي، مرورا بالمنافذ الحدودية والكمارك، وعروجاً على العقود النفطية، وكلنا يعلم كيف تُحال المشاريع العمرانية والخدمية؟ وكم هي المبالغ الخيالية المخصص لها؟ وكم هو عدد الوهمي منها؟ وكم هي المبالغ الهائلة التي صرفت عبثاً على الكهرباء، وحجم الفساد والمليارات المسروقة في وزارة التجارة، التي كان المواطن العراقي يحصل منها على الغذاء قبل سقوط الطاغية، افضل من اليوم بكثير، رغم أن واردات البلد آنذاك، كانت محدودة بـ (4) مليار دولار سنويا وفق مذكرة التفاهم مع الأمم المتحدة.

إن السبب في هذا الفساد هو تغلغل أحزاب السلطة في كل مفاصل الدولة، ولا سبيل للإصلاح بوجود هذه الأحزاب في السلطة، حتى ان مهزلة الاستجوابات التي يقوم بها البرلمان انما تثير السخرية والعجب في وقت واحد؛ فترانا نتعجب من حجم المبالغ المسروقة من قبل كثير من مسؤولي الدولة وفي النهاية نرى هذا المسؤول او ذاك يعود الى مكتبه بعد الاستجواب او الاستدعاء، أو يغادر البلد عائداً الى البلاد التي جاء منها في اوربا او اميركا، وكأن شيئا لم يكن!

 

 الجماهير تطارد الساسة المفسدين

وهكذا؛ ولما كانت كل مآسينا، وكل هذا الدمار والخراب الذي حل بهذا البلد، تقف ورائه جهات سياسية متنفذة غطت على أعمال النهب والسلب بما لم يشهد له العالم مثيلا، ولما كانت هذه الجهات متغلغلة في كل مفاصل الدولة، ولكي نوقف هذا الخراب؛ صار لزاما علينا ان نقوم باستئصال المفسدين من كل مفاصل الدولة، سواءً كانوا في السلطة التنفيذية أو في القضاء، او في المؤسسة العسكرية والامنية، وفي المؤسسة الاقتصادية، والا فان خراب هذا البلد سيستمر، وبطفرات متسارعة الى الحد الذي يصعب ان نوقف هذا الخراب فيما بعد.

وما يجب الحذر منه في مسيرة التطهير هذه، قدرة الفاسدين على التلوّن والاندماج مع الاجواء لإبعاد التهم والشبهات عنهم، لذا نراهم، ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، يغيرون أسماء قوائمهم الانتخابية، ويرفعون شعارات جديدة دون أن يحققوا شيئا يذكر من شعارات الدورات السابقة.

ان تغير الأسماء ماهو الا دليل صارخ على فشلهم السابق؛ فيختفون تحت المسميات الجديدة، انهم يستغلون كل الظروف، وكل الفرص المتاحة لإعادة تسويق انفسهم، من جديد تحت لافتات جديدة، ويتلاعبون بمصائر الناس، وحتى يستغلون جراح الناس، ومآسيهم ويستغلونها لتغيير الوانهم، وإعادة تسويق انفسهم، على أنهم هم من يزيل هذه المآسي ويحقق للناس ما يريدون.

 

 الاختيار السليم هو سبيل التغيير

ان زمن الانقلابات العسكرية كوسيلة للتغيير، قد ولّى، ولا وسيلة اليوم إلا الانتخاب الصحيح.

وهي وسيلة ملائمة لا تكلف الانسان جهداً يذكر ولا مشقة ولا دماء، وهي الوسيلة السلمية لاستئصال غدد الفساد في الدولة، وبالرغم من بساطتها فهي أمانة ثقيلة في عنق الناخب.

فعليها يتوقف صالح البلد والإنسانية والأجيال القادمة، فحري بكل إنسان ان يكون أهلا لتحمل هذه المسؤولية من جهة، وأهلا لان يغتنم هذا الحق في تغيير واقعه، وصنع مستقبل افضل له ولا بنائه.

اننا اليوم مطالبون بالاختيار السليم عبر الانتخابات، ولا مجال لتجريب المجرب وإعادة انتخاب هذه الوجوه الكالحة التي عاثت في الارض فسادا، ودمرت هذا البلاد والعباد.

فـ «المؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين»، فاليوم مطالبون بضرورة الاختيار السليم بانتخاب القادر على تحمل المسؤولية، بالمقابل؛ أن يصون المرشح الأمانة التي قبل حملها، وحمّله الناس إياها.

 

 المسؤولية التي تخلّى عنها الجميع

ولعل قائل يقول: وهل يوجد اختيار سليم في القوائم التي سبق وان جربناهم وخبرناهم؟

والحق؛ ان هذا الكلام دقيق وصحيح جدا، فهذا هو تقصير الجميع، فبالرغم من اننا نعاني من فساد الشريحة الحاكمة منذ سنين، وبالرغم من انه ليس فينا من لم تقصم ظهره سرقاتهم التي أحالت بلدنا خرابا، ورغم اننا نعرف الخلاص وهو في إيجاد تكتل جديد يكون بديلاً عن الاحزاب الموجودة، يكون مدعوما من كل الخيّرين في هذا البلد، وان نتوجه جميعا لانتخابه ومساندته، إلا ان الجميع تخلفوا ولم يبادروا الى بناء هذا التكتل الجديد، وكم كنت آمل ان تكون المرجعية الدينية سباقة بالمساعدة في إيجاد هذا التكتل، كذلك الأمر بالنسبة الى باقي الخيرين في هذا البلد من الواجهات الاجتماعية البارزة الخيّرة التي لم تتلوث بالفساد، وكذلك الشريحة المثقفة، بيد أن المؤسف تخلف جميع هؤلاء عن تحمل هذه المسؤولية. فضيعنا على انفسنا اربع سنوات جديدة كان يمكن ان تكون بداية استئصال الأحزاب الفاسدة.

إذن؛ فما العمل وما هو الاختيار السليم في انتخابات 2018، ونحن لا نجد تكتلا وطنيا معروفا نستطيع وصف انتخابه بانه الاختيار السليم؟!

 

 التغيير هدف انتخابات 2018

وما دمنا لا نستطيع وصف اختيارنا لإحدى القوائم بانها الاختيار السليم، لأننا لم نبن قائمة تنطبق عليها هذه المعايير والمواصفات، واذا سقط هدف الاختيار السليم لتقصيرنا في بناء التكتل الوطني الذي يكون أهلا للاختيار؛ فان التغيير بحد ذاته سيكون هدف انتخابات العام 2018، بغض النظر عمن هو الجديد؟

وهل هو صالح أم فاسد؟

وان كان الواجب علينا اختيار الأفضل بين الكيانات الجديدة، وان لم يوجد الأفضل فينبغي علينا انتخاب الأقل فسادا. فبكل الأحوال لن يكون بنفس درجة فساد الساسة الموجودين، فالتغيير بحد ذاته وان كان وسيلة في العادة؛ فانه سيكون هدفنا في هذه الانتخابات؛ لأنه سيعطي درسا بليغا للساسة الحالين والجدد - على حد سواء - مفاده: ان من يُفسد ويسرق ولا يقدم شيئاً، فان مصيره الى مزبلة التاريخ لا محالة، وخارج الساحة السياسية، أولاً؛ ثم بعد خروجه منها سيطاله القانون ثانياً.

اننا اليوم بأمس الحاجة الى ان نُلقن الفاسدين هذا الدرس البليغ، وهذه العقوبة؛ ليكونوا عبرة لمن يأتي بعدهم. كما ان التغيير لهؤلاء الفاسدين له أهمية عملية بالغة في القضاء على فسادهم؛ فهم متغلغلون في كل مفاصل الدولة، ولا يمكن استئصالهم الا عن طريق إزالة الغطاء السياسي والقانوني في البرلمان (الحصانة البرلمانية)، فالبرلمان هو بوابة التغيير.

فاذا كان الاختيار السليم هو سبيل استئصال الغدة السرطانية لأحزاب السلطة الفاسدة في أجهزة الحكم، فان التغيير في انتخاب 2018 هو سبيل إيقاف تمددها.

فالمطلوب منا الآن هو تبني التغيير هدفا ضروريا في هذه الدورة، وتحمل مسؤولية بناء التكتل الوطني من الآن للدورة القادمة، ودعم كلا من هذا التغيير وذلك التكتل الوطني المنظور للقضاء على الفاسدين، وهذا بدورة سينعكس على بناء حكومة كفاءات أمينة تأخذ بالبلد الى بر الأمان، ومن ثم تقديم الدعم الكافي لها لاستئصال شبكات فساد الأحزاب المتغلغلة في كل مفاصل الدولة الإدارية والتجارية والاقتصادية.


ارسل لصديق