العشائر وأمن المجتمع العراقي
كتبه: الشيخ يحيى الطرفي
حرر في: 2018/03/04
القراءات: 242

يتميز المجتمع العراقي بأنه مجتمع عشائري؛ وقد تمكنت العشائر من خلال مواقفها الوطنية المميزة أن تلعب دوراً وطنياً بارزاً يشار إليه بالبنان، ضد التحديات التي تواجه العراق، ومنها؛ حفظ الأمن ونبذ الطائفية وديمومة استقرار البلاد؛ حيث تُعد العشيرة في العراق هي الكيان الأكثر حضوراً من باقي الكيانات والشرائح في المجتمع العراقي.

ومن خلال ما تقدم نرى بوضوح، أن العشائر تمارس دوراً مفصلياً ومهماً جداً في استتباب الأمن ومكافحة الإرهاب، ومصداق قولنا؛ الدور البارز والإيجابي الذي لعبته العشائر في تلبية نداء المرجعية الرشيدة في الجهاد الكفائي لمحاربة الإرهاب التكفيري الذي عاث في الأرض فساداً، حيث كان لعمداء السادة وأمراء القبائل وشيوخ العشائر توجيه مباشر لأبناء عشائرهم في الالتحاق بصفوف المتطوعين للجهات الأمنية بكافة صفوفها، ومنها حشدنا المقدس.

وكذلك كان للعشائر دور مهم في حفظ النسيج الاجتماعي لأبناء الشعب العراقي؛ ساعدها في ذلك انتماء ابناء العشيرة الواحدة لهذا المذهب أو ذاك في آن واحد. واليوم يتضح لكل متابع لشؤون المجتمع العراقي، أن العشائر هي أقرب شريحة اجتماعية إلى المرجعية الرشيدة، على اختلاف الحقب الزمنية التي مرت بالعراق ؛ حيث كانت العشائر سباقة في تنفيذ فتاوى وتوجيهات المرجعية، ابتداء من ثورة العشرين ضد الاستعمار ومروراً بمواجهة الأنظمة الفاسدة الجائرة التي تعاقبت على حكم العراق، وختاماً بفتوى الجهاد الكفائي، إيماناً منها بأن المرجعية الرشيدة هي خيمة الأمان للعراقيين كافة.

 إن معيار الأمن الاجتماعي يستند الى قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، (سورة البقرة: 208)، وقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}، (سورة الأنعام: 82)، وفي حديث عن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره من بوائقه».

إن الأمن هو الإحساس بالطمأنينة والشعور بالسلم والاستقرار، وهو عادةً ما يكون مقياس تقدم الشعوب؛ ولذلك يؤكد المختصون على أهمية توفير الأمن لعموم الناس لتستمر الحياة بكافة مجالاتها، حيث ان العمل لا يمكن ان يثمر والحضارة لا تزدهر والبلدان لا تتقدم والرفاهية لا تعم في ظل غياب الأمن، ومتى ما توفر الأمن للإنسان، تفرغ ذلك الإنسان إلى الإبداع الفكري والعلمي؛ وذلك لأن الأمن له تأثير كبير في ترويض النفس البشرية ودفعها نحو التنمية في كافة مجالات الحياة.

وما زلنا نعتقد ونؤمن أن العشائر العراقية هي صمام الأمان في عملية حفظ الأمن ولا ننسى دورها المميز ما بعد عام 2003م عند غياب كامل لأجهزة الدولة، ومنها الأجهزة الأمنية والرقابية بشكل عام، حيث كانت العشيرة بأعرافها وقوانينها، هي الحاكمة في تلك الفترة الحرجة؛ وأعني ان أغلب مشاكل المجتمع كانت تُحل عن طريق العشائر، والتي أمسكت بزمام الأمور بكل حزم، الامر الذي وفّر قدراً كبيراً من الأمن والاستقرار للمجتمع، وأصبحت تلك الفترة أكثر أماناً من الفترة اللاحقة التي تشكلت بها أجهزة الدولة؛ حيث كثر فيها القتل على الهوية وانفلاب الوضع الأمني بشكل كبير، وارتفع معدل الجريمة المنظمة بشكل ملحوظ في عموم مناطق العراق.

اننا هنا لا ندعو ان تحل العشائر محــــــل الدولة وأجهزتها الرســـــمية المختصة، التي تضطلع بدور مهم، ووظائف محددة لمنع الجريمة وحفظ أمن المجتمع، وإنما نعتقد بوجوب ان تكون العشائر عاملاً مساعداً وسانداً للدولة في بسط الأمن، وفرض هيبة القانون؛ حيث ان الأمن يمثل أولوية وضرورة قصـــوى لرفـــاهية وتقدم الشعوب، وعليه يجب ان يكون لأبناء العشائر دور ريادي في إشاعة روح التسامح بين الناس مع تأكيدنا على الخصال الفاضلة التي يتمتع بها أبناء العشائر من إصلاح ذات البين، ونجدة الملهوف، وحـــماية الدخيل، ونصرة الحق، وإغاثة الضعيف، وردع المجرم، ومحاربة الفساد.

إن إشــــاعة هــــذه المبــــادئ  هــــي مسؤولية شرعية واجتماعية وعرفية وقانونية واجبة على عمــــوم ابناء العشائر.

وأخيراً؛ يجب النظر إلى العشائر كونها مؤسسة حيوية قابلة للتطور ومواكبة المرحلة وتقديم الافضل للمجتمع العراقي في كافة الاصعدة؛ السياسية منها والاقتصادية والامنية.

وما العلاقة الوثيقة بين المؤسسة العشائرية وبين المرجعية الرشيدة، إلا دليل على الهمّة والعزيمة الموجودة لإعادة بناء هذه المنظومة الاجتماعية التي تحتاج الى المزيد من أعادة النظر في بعض أعرافها التي تتعارض مع الشرع المقدس، ومن ثمّ؛ تعزيز نظامها الداخلي با يجعلها ذات دور فاعل ومستدام، وهو ما يؤهلها للإسهام في بناء الدولة العراقية الحديثة وإسناد مؤسساتها الأمنية ولتكون عنصر إيجابي في دعم السلم الأهلي والتقدم الاجتماعي.


ارسل لصديق