الصديقة الزهراء تكشف الحقائق
هل تجد المرأة قدوتها الحقيقية للسعادة في الحياة؟
كتبه: سليم عبد الخالق
حرر في: 2018/03/06
القراءات: 242

«اعرف الحق تعرف أهله».

الحديث عن ذكرى استشهاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام، يثير في النفوس مشاعر الحزن والأسى، ويستدعي مواقف الشجب والاستنكار على كل من ظلم الزهراء، وأساء اليها واغتصب حقها، وهذا بدوره يستدعي الحديث ايضاً من البعض عن سبب إثارة هذه القضية التي يصفونها بـ «التاريخية» وأن أبطالها مضوا الى دار حقّهم، فأهل الحق والفضيلة الى الجنة، وأهل الباطل والرذيلة الى النار؟ ألا يجدر بنا البحث في مشاكلنا المعاصرة وأزماتنا الراهنة، لاسيما على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي؟

المطالبة الأخيرة على حق، اذ لابد ان نبحث عن حلول لأزماتنا الحالية، وأن تكون رؤيتنا دقيقة وشمولية للواقع، حتى تكون الحلول واقعية وناجعة ايضاً، ولكن؛ كيف نصل الى الحلول، ونحن بعدُ لم نحدد أسباب المرض ومنشأ المشكلة؟ أم هل نكتفي بالتنظير والتحليل والوعود، وكل ما من شأنه تكريس الواقع السيئ وتغييب دور العقل في الوصول الى الحقائق؟!

جاء في نهج البلاغة، كلمة لأمير المؤمنين، عليه السلام، يقول فيها: «واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه»(1)، فالمشكلة التي تواجه الأمة حالياً؛ الالتباس الحاصل في هوية أهل الحق والحقيقة، ومن يكونون؟ وما هي مواصفاتهم؟

من حيث الظاهر في الساحة الاجتماعية والسياسية، أن كل شيء على ما يرام، وأن الإسلام هو الذي يسود، والقرآن الكريم، المصدر الذي يدعي الجميع الاعتماد عليه، بل نسمع ونرى من يدّعي تطبيقه للشريعة والأحكام الاسلامية، وحتى المنهج والفكر، بيد ان العبرة في التطبيق العملي على الارض، وإلا فان معاوية الذي كان يأمر بشتم أمير المؤمنين، عليه السلام، يؤم الناس في الصلاة، ويعد نفسه أميراً للمؤمنين، كما فعل سائر الحكام الأمويين والعباسيين ومن جاء من بعدهم، وقد أشار الامام، عليه السلام، في خطبته الى الكتاب (القرآن الكريم) بأن؛ «...لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ولن تمسّكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، فالتمسوا ذلك من عند أهله، فإنهم عيش العلم وموت الجهل». فالذي يتخلّى عن القرآن الكريم في فكره ومنهجه وسلوكه، وايضاً عن سيرة أهل البيت، عليهم السلام، قطعاً؛ لن يكون الى جانب الحق والحقيقة، مهما حاول تقمّص الرشاد والفضيلة والمبادئ الحقّة.

وعند هذه النقطة المفصلية توقفت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام، عندما كشفت كل الحقائق للمسلمين آنذاك وللأجيال الى يوم القيامة، وأن طريق الحق ليس الذي اتبعوه، ومن أيدوه ونصبوه على انفسهم وعلى دينهم ومصائرهم، إنما يمثل الباطل، لأنه نبذ كتاب الله وسنة نبيه، وفي نفس الوقت بينت مكانة أمير المؤمنين وأحقيته في خلافة رسول الله. ويروي لنا التاريخ الجواب الغريب والممجوج ممن خرج للزهراء، عليها السلام، في تلك الساعات العصيبة وهي تجوب شوارع المدينة تستحث المسلمين بعدم التخلّي عن أمير المؤمنين، فقال أحدهم: «يا بنت رسول الله! لو لم يتأخر ابن عمك - مضمون الرواية - وجاء في الوقت المناسب لأمرناه عليها...»!! وهم يعلمون أنه كان مشغولاً بتجهيز النبي الأكرم، استعداداً لتشييعه ومواراته الثرى، فيما كان الآخرون مشغولين بالاستعداد للانقلاب والاستيلاء على الحكم.

 

كشف القدوات المزيفة

إن الصديقة الطاهرة، قامت بدور غاية في الاهمية على الصعيد الفكري والعقدي، فهي أحكمت الربط بين الحق والرشد (المعرفة)، ومشكلة أهل المدينة آنذاك، وهو المجتمع المتشكل من المهاجرين والأنصار، وكانوا الى ساعات معدودة بجوار النبي الأكرم، وخاتم الانبياء والمرسلين، يسمعون كلامه ويلتزمون بما يقول ويفعل، أنهم سقطوا في الفجوة السحيقة بين الحق وبين الرشد، فعدم تمكنهم من المعرفة الصحيحة، جعلهم، ليس فقط يجهلون أئمتهم ومنار طريقهم، وإنما يتخذون من أئمة الباطل قدوات وإلهاماً لهم.

ان الاسم اللامع و»الصحابي الكبير» الذي عاش مع النبي، يعطينا خطاً نسير عليه، فيجب أن نعرف هل هو من أئمة الضلال أم لا؟ أو من الأئمة الذين يهدون إلى النار أم الى الجنة؟ فإذا عرفنا انه من أئمة الضلال سنبتعد عنه وعن خطه، ولا نعتد بكلامه ولا لأي موقف صدر عنه.

والقضية لم تنته عند الحقبة التي أعقبت رحلة النبي الأكرم الى جوار ربه، بل المشكلة والأزمة العقدية والفكرية قائمة حتى اليوم، ومستمرة الى أجل غير معلوم، فما يزال هنالك من يقتدي بأولئك الذين كانوا يتحينون الفرص لتغيير الاحكام والمبادئ بما تشتهي انفسهم، بل كانت نواياهم تبين من ثنايا كلامهم مع النبي ومواقفهم معه في غير مناسبة يسجلها التاريخ. ومثالٌ على ذلك؛ كاتب معاصر يتحدث عن «حالة الجمود في الدين» وأننا «يجب أن نكون في حالة انطلاق، وأن نملك شجاعة الروّاد الأوائل...»! وأن أولئك «الروّاد» تمكنوا من الاستغناء عن القرآن الكريم، ونحن ايضا بإمكاننا فعل ذلك!

ويضيف الكاتب: إن أبا بكر ألغى آية المؤلّفة قلوبهم، ونصها: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، (سورة التوبة: 60)، وقد عمل بها النبي صلى الله عليه وآله، ثم جاء أبو بكر، وبكل شجاعة شطب هذه الآية، وألغى سهم المؤلفة قلوبهم، والسبب؛ اختلاف الظروف، أو «تطورها»! حيث كان الاسلام ضعيفاً ويحتاج لأن يعطي للمؤلّفة قلوبهم مئة بعير - مثلاً- حتى يكسبهم من جهة الكفر الى الإيمان، أما اليوم، فان الاسلام قويّ وليس بحاجة الى كسب هؤلاء!

وربما يأتي حاكم مسلم يتبّع الروّاد في شجاعتهم ويقول إن آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، (سورة البقرة: 183)، ترتبط بذلك الظرف الاجتماعي، وأن الصيام يؤثر على معدلات الإنتاج! فيلغي الصيام، وهو ما حصل فعلاً في إحدى البلاد الاسلامية عندما أصدرت قراراً رسمياً بمنع الصيام لمن يعمل في المنشآت الإنتاجية والمصانع، تطبيقاً لمبدأ الشجاعة في تطبيق الاحكام والشريعة.

 

هل تكون القدوة للمرأة طول الزمن؟!

سؤال غريب فيما يتعلق بالصديقة الزهراء، عليها السلام، فمن المؤكد أننا نريد كذلك، ونعمل في هذا الطريق، بيد أن التاريخ قلما ينقل لنا حادثة او موقفا لها، عليه السلام، مع نساء عصرها يمكن أن نعده من السيرة المطهرة، كونها العنصر الأنثوي الوحيد بين المعصومين، ولو أن التاريخ لم ينصف أهل البيت، عليهم السلام، مطلقاً، بمن فيهم النبي الأكرم، وسائر الأئمة المعصومين، فيما سجل هذا التاريخ مرغماً، تلك الخطبة العصماء أمام قوى الباطل والانحراف، الى جانب مواقف إنسانية وأخلاقية مع بعض شرائح المجتمع، والسبب أن المرأة في صدر الاسلام كانت مصونة وبعيدة عن الفتن التي نشهدها اليوم، بينما الرجل كان وضعه مختلفاً تماماً.

ولكن؛ ماذا عن اليوم، وحتى المستقبل؟

المسألة لا تتحدد بظاهر حياة الصديقة الزهراء، وما كانت ترتديه من ملابس؟ وما هي المواد الغذائية الداخلة في مطبخها؟ وكيف كان بيتها وأثاثها وغير ذلك...؟ فمن المنطقي الأخذ بعين الاعتبار التطور الحاصل في حياة الانسان، واحتياجاته، وايضاً التطور الحاصل في الوسائل وطريقة التفكير، هذا وذاك، يدعونا لأن لا نأخذ الامور بحرفيتها، وإنما نتأمل المفاهيم لنستخلص الدروس والعبر.

وأهم ما نستخلصه من سيرة حياة الصديقة الطاهرة؛ اكتشاف المرأة والفتاة للمعايير الصحيحة للقدوة الحسنة، ومن تكون هذه القدوة؟

 إن تقمّص الفضيلة والأخلاق وكل مفاهيم الحق، ليس مقتصراً على الرجال، إنما النساء يشتركن في هذا المسعى، فهنّ لسن بعيدات عن ساحة السباق للظهور والنفوذ والتأثير على الآخرين.

يكفي أن نقرأ بين سطور احاديث من يدعين الفن (الفنانات - الممثلات) او الإعلاميات، وحتى مصممات الأزياء، الى جانب شريحة لا بأس بها من الأكاديميات من أهل الفكر والثقافة، نجد أنهنّ يدعين مساعدة بنات حواء على تحقيق السعادة التي يحلمن بها في الحياة، وينصحن بأول خطوة في هذا الطريق؛ التحرر من كل ما يشعرهن بالتقييد، سواء كان هذا القيد متمثلاً بالحياء، او الحكم الديني، او الأعراف الاجتماعية، او حتى التركيبة الفسيولوجية لها، وبكلمة؛ التحدي ثم التحدي! لكل الأطر مهما كانت مفيدة ومتطابقة مع الحالة الإنسانية لبنات حواء.

ولمن يسأل - أو تسأل - عن كيفية وصول هذه الرموز، رغم الظاهر المائع والمتحرر وحتى الخليع، الى قلوب بنات حواء في بلادنا الاسلامية، حتى بات التقليد في الملابس وتسريحات الشعر وحتى السلوك الاجتماعي، هو سيد الموقف؟ ببساطة؛ انه التشبّه بالحق ومغازلة غرائز ونزعات الأنثى في حب الظهور والتأثير على الآخرين تحت شعار «حقوق المرأة»

فما هي الامتيازات التي لم تعطها الصديقة الزهراء، سلام الله عليها، للمرأة؟!

وما هي الخطوات السريعة نحو السعادة التي لم تضئها الزهراء، عليها السلام، لبنات حواء؟!

التميّز في المجتمع، انطلاقاً من العلاقة مع الجيران، ومع سائر أفراد المجتمع، من خلال الأخلاق الحميدة والالتفاتات الإنسانية، والعفة والحجاب، هو ما يمكن ان نعده من الامتيازات التي تمنحها الزهراء، عليها لسلام، للمرأة، أما السعادة الحقيقية، فهي تبدأ من الأسرة، هذا المجتمع الصغير، حيث نشأة الفتاة في ظل تكريم أبيها رسول الله، ثم الانتقال الى بيت الزوجية حيث الحب والاحترام الذي كان يغدقه عليها أمير المؤمنين، عليه السلام.

---------------

(1). الخطبة رقم: 147.

 


ارسل لصديق