نشر ثقافة الإصلاح والتغيير الحسيني مسؤولية الجميع
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2012/11/30
القراءات: 1572

ها نحن نحيي ذكرى عاشوراء والتي صبغت وتصبغ دوما وأبداً بداية السنة الهجرية بلون الكرامة، وبعزة الجهاد، نستقبلها في هذا العام والعالم الاسلامي يشهد نهضة جديدة تستمد اصولها من بعض دروس عاشوراء. لماذا؟ وماذا كانت دروس عاشوراء وعِبرة قيام السبط الشهيد عليه السلام؟ ولماذا وقعت  فاجعة مروعة بهذا الشكل والحجم والتي لم يشهد ولن يشهد العالم مثيلا لها؟. وكيف أذِنَ الله تعالى لصفوة اوليائه.. لأبن بنت رسوله خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله، أن يذبح عطشاناً  بين رافدين اثنين وان يُقتل أهله والطيبون من انصاره واكثر من ثلاثين من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله بتلك الصورة الفجيعة، وان تسبى حرمه وعياله ويُسار بهم من بلد لبلد ويهدى رأسه الشريف من موقع لموقع؟

 

حقيقة عاشوراء

و سنن الله في الحياة 

من هول وعِظم وقوع هذه الفاجعة اخذ بعض الناس يشككون في بعض تفاصيلها لانهم لا يعرفون فلسفتها ولا يعرفون حكمتها ولا يعرفون ما ورائها.. و لكي نستوضح هذه الحقيقة وحكمة هذه الحادثة الفجيعة لا بد ان نعرف طبيعة هذه الدنيا وسنن الله تعالى الجارية فيها.

أيها الاخوة: إن هذه  الامة يصفها ربنا تعالى بقوله: (كنتم خير أمة اخرجت للناس). فماذا كانت حقيقة هذه الامة ولماذا كانت خير امة اخرجت للناس ؟ القران يجيبك عن هذا التساؤل بلا فاصلة، فيقول الله سبحانه: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). فهذه الامة قوتها في ذاتها، عطائها و حيويتها في داخلها، هذه الامة بحيويتها وقوتها وانسيابيتها، وانها كانت تخاطب الضمير والوجدان، اكتسحت المعمورة ذلك اليوم في فترة قياسية جداً.. ولكن الضعف تسرب اليها، لأن الدنيا تحلو لأصحابها وطلابها، ولأن الناس كما يقول الامام الحسين عليه السلام «عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون...».

 

لماذا دبّ الضعف في الأمة؟

هذه الامة دبّ اليها الضعف، وخدعتهم الدنيا وزبرجها، و أخذوا يميلون الى الراحة والدعة، واخذ الواحد منهم ممن كان لا يحلم بالدرهم والدنيار، يمتلك ويجمع من الذهب لدرجة انهم اذا ارادوا تقسيمها على ورثته جاؤوا بالفؤوس لتقطيع ما كنزه من ذهب..! هذه النفوس التي لم تخضع لإرهاب قريش، اذا بها خضعت واستسلمت لترغيبات الدولة والسلطة.. ولذا اصبح حال الأمة ان لها إطار عام يبدو جيدا، دولة اسلامية في ظاهرها تدعو الى الدين والشرف والكرامة، وغيرها من القيم والفضائل، ولكنها في باطنها مهزوزة وضعيفة و خاوية... فما العمل والى اين الاتجاه والمسير وما هو الهدف؟

 

ميراث الطف.. 

حصن الأمة وروحها

لابد ان يكون لهذه الامة قوة داخلية عميقة حتى تحافظ على روحها وجوهرها وقيمها، وعلى ذلك المبدأ الاصيل الذي اخرجت هذه الامة على اساسه، وهو مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. (كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). ولكي نفهم الشروط لذلك وكيف تتم المحافظة على تلك القيم والروح ومبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، علينا ان نتدبر في قول الله تعالى في آيات من  سورة المائدة وهو يبين لنا ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).

بمعنى ان هناك من آمن وعمل صالحاً واستمر على الايمان فترة، ولكنه انهار امام ضغوط الشهوات وبكلمة اخرى، امام ارهاب الرغبات ان صح التعبير، أي امام السلطة وامكاناتها وما اشبه.. ثم يبين ربنا تعالى مواصفات الاخرين – القوم الذين سيأتي بهم وان هؤلاء هم الحزب الالهي القوي، وهم الذين يتحدون الارهاب ويتحدون الرغبات والشهوات والسلطات والامكانات وما اشبه، حيث  بيّن هوية أولئك الذين انزلت فيهم هذه الآيات المباركة، فالخطاب الى النبي صلى الله عليه وآله، والذين آمنوا في عهده ، ويبين فيه، من هم هؤلاء الذين لم ولن يرتدوا عن دينهم؟ فربنا سبحانه يقول: (فسوف يأتي الله) و كلمة (فسوف) بمعنى التأخير، والمستقبل المترتب على الماضي والمتأخر عنه.. و اقول وبكل اطمئنان وكل جزم ان في قمة هؤلاء وقدوة هؤلاء والمثل الاعلى لهؤلاء، سيدنا ابو عبد الله الحسين عليه السلام، ومن كانوا معه، وحيث وصف الامام الحسين عليه السلام اصحابه واهل بيته ومنحهم ذلك الوسام وشهد لهم بتلك الشهادة العظيمة قائلاً: انه لا يجد اصحاباً هم خير و أوفى  من اصحابه، ولا أهل بيت أفضل وأبرّ و أزكى و أوصل من اهل بيته عليهم السلام.

والسؤال هنا؛ هل ما حصل قد انتهى؟ بمعنى انه كان هناك من ارتدوا ونكصوا وتخاذلوا، وان  الله سبحانه انتخب واصطفى بديلا عنهم، بمجموعة اخرى من البشر وصلوا الى القمة؟ كلا ؛ وهذه قضية مهمة جدا، تلك الحقيقة استمرت وتستمر دائما، فعلى مرّ الزمن وطوال العصور تكون في الامة مجاميع تراهم كهمج رعاع يتبعون كل ناعق ويميلون مع كل ريح، ولكن ايضا في داخل مجاميع المجتمع، في هذه الامة،  تكون هناك دائما مجموعة اخرى، قوية ناهضة، لا تغرّهم الدنيا بما فيها، هذه المجموعة عادة هي الاقلية التي تقاوم، وهي التي صنعتها واقعة الطف، ومدرسة كربلاء ، فهذه الواقعة والنهضة وهذه المدرسة الحسينية ، صنعت وصاغت، وما تزال تصنع وتصوغ قوماً يحبهم الله ويحبونه ويجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فهؤلاء هم صنيعة عاشوراء، هؤلاء هم ميراث الطف، وهم المجاهدون عبر التاريخ.. فبعد واقعة كربلاء جاءت مجموعة وحركة  تسمى «التوابون»، ثم جاءت حركة المختار، وهكذا كان منذ ذلك الحين، ويكون اليوم وغدا وفي المستقبل، يختار الله تعالى لدينه مجاميع يحبهم ويحبونه.

 

الخطباء والمنبر ..

رسالة ومسؤولية

وانتم.. اخواني العلماء والخطباء الملبغون.. وكذلك الخطيبات المبلغات، انتم الذين تتمثلون اليوم الصديقة الطاهرة والحوراء زينب سلام الله عليهما في رفع هذه الراية الرسالية.. انتم الذين ترتقون المنابر وتعملون من اجل بث قيم النهضة الحسينية كما تثيرون العواطف والاحاسيس، للعودة بالناس الى تلك اللحظات الموجعة، لحظات كربلاء واستحضار حوادثها ودروسها وعبرها، عليكم البحث عن القضايا الحاسمة والاساسية، والقضايا المهمة المطروحة في هذه البقعة او تلك، وفي ذلك المصر والعصر، لبحثها والاضاءة عليها والبحث عن علاجها من بصائر ودروس كربلاء..

بمعنى ان الحسين عليه السلام مثله مثل البحر العظيم، وهل تستطيع ان تحمل البحر في نفسك وكفك او تعطيه وتسقيه كاملا للاخرين، كلا؛ انما لك ولي مجرد فرصة ان اغترف غرفة من هذا البحر بقدر امكانياتي وبقدر حاجتي،  فكل امة وجماعة وشعب بحاجة الى الامام الحسين عليه السلام، ولكن حاجات الناس وقضاياهم وامراضهم ومشاكلهم مختلفة ومتنوعة، ولابد ان يكون الخطيب مثله كمثل المفتي وكمثل الطبيب، فالمفتي اذا سُئل مسألة يأخذ من بحر علمه غرفة حسب المسألة وحسب الموضوع ويعطيه لمن يستفتيه اليس كذلك؟

لا  للتحجر والتشدد ولا للميوعة

فالخطيب والمبلغ قد يذهب الى منطقة ما  فيجد على سبيل المثال ان لدى الناس عصبية عمياء  و تحجر ذهني وتشدد وتزمت في الدين، وليس ثقافة الاعتدال والوسطية، وهذا يا اخواني ليس اقل ضررا وخطورة من التمييع في الدين، بل هو اخطر واكثر ضررا، ومثال ذلك أن اكثر هؤلاء الذين قتلوا ويقتلون الناس في العراق، او في سوريا وفي اماكن اخرى، هؤلاء مثال سيئ للتزمت والتشدد والتعصب الاعمى، وهكذا في الحقيقة كان مثال الخوارج الذين كان ضررهم على الاسلام والامة  كبيرا وكثيرا ، فاذا كنت ايها الخطيب الملبغ تجد خلال قيامك بأداء رسالتك هكذا تشدد وتزمت في اي مكان ، بيّن وقل أن الامام الحسين عليه السلام لم يكن كذلك، وكان منهجه اليسر واللين، وقد استقبل الحر الرياحي وكسبه الى جانب مسعكر الحق، بل وهو عليه السلام قد بكى على اعدائه بكاءاً عاليا اول صبيحة عاشوراء بعد ان القى خطاباً مفصلا امام اولئك القوم، ولكنهم بدأوا يقرعون الطبول حتى لا يسمعوا كلامه، وقالوا له كلمتهم الاليمة بأنهم يقاتلونه بغضا منهم وانتقاما لما فعل ابوه امير المؤمنين عليه السلام باسلافهم في بدر وحنين، و كلمتهم هذه آذت الامام الحسين عليه السلام، حيث رأى أن القوم ارتدوا عن الدين وانهم  يرجعون الى الجاهلية.

فأنت ايها المبلغ ايضا عليك اليوم ان تسعى بكل جهدك اذا رأيت  من يذهب بعيدا في التشدد،  أن ترجعه الى رحمة الله سبحانه وتأخذ بيده الى طريق الاعتدال والفهم والسلوك الاسلامي القويم، واذا رأيت احدا او  جماعة ، يسلكون طريق الميوعة و المروق من الدين والذوبان في الدنيا ،اعطهم روح وثقافة الالتزام،  وبين لهم درسا وهدفا من دروس واهداف نهضة السبط الشهيد  بحسب الخلل والداء الذي شخصته فيهم ، وهكذا  علينا أن نرى المجتمع في كل بلد، كيف هو  وماهي علله والى ما يحتاج .

 

ثقافة المسؤولية

حاجة ملحة في العراق

ونحن في العراق ونتحدث من كربلاء الامام الحسين ونتحدث من حيث واقعة الطف و حيث يقول الامام الصادق عليه السلام عن كربلاء: (وبها حياة شيعتنا الى قيام الامام)، اقول انه وفي الاطار العام فأن  شعبنا ومجتمعنا العراقي بحاجة الى روح المسؤولية، بحاجة الى ان يتمثل كلمة امامه الحسين عليه السلام حينما قال :

(واعلموا اني لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي وشيعة ابي، ولآمر بالمعروف وانهى عن المنكر).

هذه الحالة وهذه الثقافة وهذا الوعي وهذه المسؤولية ، يجب ان تكون حالة عامة ، فكل انسان هو مسؤول اليوم وكل يوم، لكنها هي اشد اليوم، باعتبار ان كل واحد منكم يستطيع بأي وسيلة ان يخاطب الناس، ففضلا عن المنبر والمجالس ، متاح امامك وسائل عديدة اخرى  تستطيع من خلالها أن  توصل كلمة الامام الحسين سلام الله عليه الى الناس.. هذه الامكانية وهذه القدرة والاستطاعة بأي درجة ووسلية كانت يسألك عنها الله  تعالى يوم القيامة. فابناء العراق الكرام يجب عليهم ان يكونوا اكثر عزما ووعيا وجدا في تحمل مسؤولية تمثل نهصة السبط الشهيد ودروسها والدفاع عن اهداف ومبادىء  الحسين عليه السلام، ونحن في المنبر يجب ان نؤكد على هذا الشيء ، نحن يا اخواني لدينا ايام عاشوراء وايام الاربعين، وهي فرصة و اهم مناسبة لكي نجمع كل قوانا وامكاناتنا حتى نرفع مستوى شعبنا باتجاه اهداف الامام الحسين عليه السلام باتجاه التحول الى حيث ينبغي .

 

الوعي وحُسن الانتخاب

ومادام الحديث هنا  عن المسؤولية ، فلابد ان نؤكد ايضا على جانب اخر منها في بلدنا ، الا وهو حسن الانتخاب.

فالكثيرون ـ ايها الاخوة ـ يأتون ويتحدثون معنا عن هذا أو ذاك.. ويسهبون عن المشاكل و المسائل الموجودة في البلد... و لكن حين  يتكلمون بهذا الكلام نقول لهم يا اخوان، واين دوركم ومسؤوليتكم، انتم الذين انتخبتم وذهبتم وتظاهرتهم، عليكم اذن من الان وصاعدا ان تفتحوا عيونكم وعقولكم جيدا، لم


ارسل لصديق