الحوزة والمنبر وتحديات التجديد..
منطلقات الخطابة الحسينية ومقومات الخطيب الرسالي
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2012/11/27
القراءات: 1026

مع حلول شهر محرم الحرام حيث يعيد هذا الشهر العظيم ذكريات الفاجعة الكبرى على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله. وما يتمخضه من تفاعل جماهيري واسع في عالمنا الاسلامي من اقصاه الى اقصاه،  يتصدر (المنبر) واجهة الساحة مرة اخرى كونه المحور للحركة التفاعلية الجماهيرية، وتدخل الحوزة العلمية في قلب تحديات الساحة، لترسم الخطوط العريضة لمهمة الخطيب الحسيني، وأهم منطلقات الخطابة الحسينية لاسيما وان الامة تعيش مخاضات عسيرة وعلى كافة الابعاد.

ان اكبر مهمة للخطابة الحسينية والخطيب الحسيني الناجح، ابراز هوية النهضة الحسينية، وماذا كان يريد الامام الحسين عليه السلام في خروجه الى كربلاء؟ وما الذي توخاه على الصعيد الثقافي والسياسي والعقائدي، وهذا الامر يدعونا الى التعرف على اهم منطلقات الخطابة الحسينية، والتي يجب أن تكون صورة طبق الأصل من نهج أهل البيت عليه السلام ومبادئ التشيّع، وينبغي للخطيب الحسيني تبيانها للجمهور بشكل صحيح من دون الوقوع في فخ التحليلات الاهوائية والعصيبة التي ابتليت بها الامة من خلال قراءتها الخاطئة للدين.

 

منطلقات أهل البيت.. محور النهضة

ان خط أهل البيت عليهم السلام، اوبعبارة اخرى «التشيّع»  يرتكز على نظرية الامامة التي تجعلها الصيغة التطبيقية لفلسفة التوحيد.. وفلسفة التوحيد تقوم على كلمة «رفض» وكلمة «تسليم».

ويتجسد الرفض في «لا اله»، حيث تسقط كل الاصنام المعبودة من دون الله، وكل الحاكميات البشرية، وكل السيادات الكيفية، وكل الذين يقودون الناس بغير سلطان من الله.. وأي حاكم أو نظام يحكم من دون حكم الله ونظام الاسلام. أما التسليم فيتجسد في «الاّ الله»، وهو الاستثناء الوحيد الذي ينبثق من ضمير الرفض، انه الله، انه الولاية الكاملة، له الحاكمية المطلقة، له الحكم والامر. ولكن الله ليس غيباً يرتبط بالميتافيزقيا، بل انه [هُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ] (سورة الانعام/ 3).

ولأن الله حي، وحق، وقيوم، وله الحكم والامر، فان له سبيلاً خاصاً في الحياة، وحبلاً عاصماً، وحزباً و أولياء وقيادات وكل ما هنالك من حقائق في الحياة. (1)

ولا تعني الرسالة، ولا التوحيد والتسليم شيئاً من دون الولاء والطاعة، والانتماء لحزب الله واوليائه والاعتصام بحبله والسير في سبيله، وكلمة «الاسلام» آتية من حقيقة التسليم. بينما كلمة «التشيّع» آتية من حقيقة السير العملي في طريق التسلم وراء من يمثلون الدين، فيقول تعالى: [وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ] (سورة الصافات/ 83، 84).

من هنا على الخطيب الحسيني ان يمحور محاضراته في التأكيد على أنّ خط اهل البيت عليهم السلام – التشيّع- هو حركة تصحيحية داخل الامة بدأت منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ برزت في أخريات حياته عليه الصلاة والسلام، تيارات سياسية متعارضة.. في مقدمته التيار الأموي الذي نطق بالاسلام في آخر لحظة، وتحديداً عند فتح الاسلام عاصمة الجزيرة العربية مكة المكرمة، ثم هنالك تيار كوَّنه قادة الجيش والتجار ورؤساء العشائر التي كانت قد أسلمت، ولكن لم تذوّب نفسها في الكيان الاجتماعي الجديد، بل احتفظت بشخصيتها الاجتماعية وتوجهاتها التقليدية.

وتيار ثالث مثله الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ومعه صفوة من اصحاب الرسول الأكرم ، من امثال سلمان، و أبوذر، وعمار، ومقداد، وكان يعكس هذا التيار اتجاهاً اسلامياً خالصاً، لا طبقية فيه ولا عنصرية، ولا شوائب من ثقافة الجاهلية و رواسبها ، وقد أشاد كثيراً النبي الكريم صلى الله عليه وآله بهذا التيار، وبكل قادته، ولاسيما الإمام علي عليه السلام، فقد قال صلى الله عليه وآله مخاطباً الامام عليه السلام : «انت أوّل من يدخل الجنة من أمتي، وانّ شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي اشفع لهم» (2)، وقال صلى الله عليه وآله ايضاً فيه: «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار».(3)

وفي حق الصحابة الأجلاء في خط الولاية، قال صلى الله عليه واله وسلم: «سلمان منّا اهل البيت» (4) وقال: «ما اظلت الخضراء، وما اقلّت الغبراء عن ذي لهجة أصدق من أبي ذر» (5) وقال لعمار: «آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن وتقتلك الفئة الباغية» (6).

 

البحث عن روح المفاهيم لا قشورها

من الملاحظات التي تؤخذ على الكثير من خطبائنا الكرام، اخفاقهم في عرض مفاهيم مقدسة وأساس في عقيدة التشيع، مثل الولاية والامامة، والانزلاق ، ربما بشكل غير مقصود، في التحليل الذهني البعيد عن الأصول والجذور، بالرغم من وجود آيات قرآنية و روايات متواترة تسندنا في استيعاب تلكم المفاهيم.

هنا نحاول استعراض بعض المفاهيم الأساس التي تقوم عليها عقيدة التشيع، بل يقوم عليها الاسلام الصحيح الذي جاء به رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله:

أولاً: الولاية: وتعني فيما تعني، ثلاثة انتماءات:

أ- الانتماء القلبي المتمثل في حب جبهة الحق وبغض جبهة الباطل.

ب- الانتماء الاجتماعي المتمثل في تذويب الشخصية في حزب الله، والانقطاع عن الانتماءات العرقية والاقليمية والقومية، وغيرها، الى الانتماء الرسالي.

ج- الانتماء السياسي المتمثل في الطاعة لولي الامر، كونه يمثل أعلى سلطة سياسية، ولا سلطة شرعية سواه.

ثانياً: الامامة: وهي تعني في بصيرة التشيّع ، أن الله اختار للأمة أئمة تميزوا عنها بانهم كانوا اكثر يقيناً بآيات الله، و أكثر صبراً على طاعة الله: [وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ]. (سورة السجدة/ 24). ولم تكن جدارة الائمة لمنصب القيادة آتية من أنهم ذرية رسول الله. كما لم تكن رسالة الرسول آتية من انه ابن «عبد الله»، بل لما توفرت فيه من مؤهلات وكفاءات بلغها بسعيه وارادته وان الله لم يبعث رسولاً الاّ بعد ان علم انه اكثر الناس يقيناً به وصبراً من أجله.

ثالثاً: العصمة: فالائمة – كما الانبياء – لا يمكنهم ان يتبوءوا مناصبهم الرسالية. من دون العصمة، والعصمة هي أعلى درجات التقوى. وتعني أمرين: الاول: ان يكون صاحب العصمة عارفاً بالدين، فلا يخطئ في فهمه للرسالة. الثاني: ان يكون عاملاً بالدين، فلا يرتكب خطيئة ابداً.

وليست العصمة ذاتية تدل على اختلاف عنصر الأئمة والانبياء عن عنصر البشر، فقد قال تعالى سبحانه عن النبي: [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]، (سورة الكهف/  110)، كما انها لا تفقد الانبياء والائمة شهواتهم الانسانية وقدرتهم على ارتكاب المعصية. وانما هي تأييد من الله للانسان الذي يتجاوز ذاته وواقعه بعد ان يرتفع بارادته الحرة الى مستوى تلقي هذا التأييد.

رابعاً: الغيبة: بعد دور الامام المعصوم، يأتي دور الامام العادل وهو الفقيه العارف بالدين والمخالف للهوى.. «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفا لهواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه» (7)، والامام العادل قد يرتكب خطأ او خطيئة، لانه غير مؤيد بروح القدس حتى يكون معصوماً، إنما الخطأ والخطيئة ستذوبان في حياته. ولسرعان ما يتمكن من اصلاحها.

والامام العادل قد يقترب الى درجة العصمة، الا ان حكمة الله قضت بألّا تسري عليه أحكام العصمة، لئلا يتخذها بعض الناس وسيلة لتغيير الدين، فاذا بهم يتخذون الاشخاص مقياساً للحكم الشرعي، ولكي تبقى رقابة الامة فعالة على مدى تطبيق الامام للاحكام.

وغيبة الامام ليست انتظاراً سلبياً لواقع معسول يأتي في آخر الزمان، كما انها ليست فراغاً في قيادة الامة.. انما هي عملية فصل بين الاشخاص والقيم لكي لا يصبح الاشخاص هم القيم!

خامساً: الشفاعة.. ولأن الولاية مسؤولية كبيرة يتقبلها الشيعي طوعاً، ولأن الحسنات الكبيرة تذهب بالسيئات الصغيرة، [إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] (سورة هود/ 114)، [إلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] (سورة الفرقان/ 70)، فإن انتماء الانسان الى جبهة الحق يغطي على هفواته وسيئاته الصغيرة، ويكون هذا الانتماء بمثابة شفيع له عند الله لحطّ ذنوبه وقبول طاعاته.

ولا تختص الشفاعة بالامام المعصوم، فان الامام العادل «المرجع الفقيه» و «المؤمن الرسالي»، يمتلكون نصيباً من الشفاعة عند الله، اذ ان الانتماء اليهم والتعاون معهم والخدمة لهم تتحول الى الخدمة من اجل الله بطريقة غير مباشرة.

ومن هنا تتحول بصيرة الشفاعة الى:

أ- تحويل القوة الايمانية الى طاقة انتاجية.

ب- تحويل الطاقة الانتاجية الى انتماء اجتماعي وسياسي.

ج- تحويل الانتماء الاجتماعي والسياسي الى دعم جبهة الحق.

وهذا المفهوم الصحيح للشفاعة لا يجعل الشفاعة بديلاً عن العمل. انما هي طريقة في العمل، وهي طريقة الارتباط بالامام او الفقيه او الرسالي. ومن هنا .. نعرف ان الصلة التي تربط الشفيع بصاحب الذنب هي صلة العمل الصالح الذي يرضي الرب، ورضاء الرب ضرورة لتمشية الشفاعة، بل من دون رضاه لن يجرؤ أحد على القيام بالشفاعة: [لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا] (سورة مريم/ 87).

6- الانتظار: الواجب العملي للامة في عهد الغيبة هو التقليد الواعي البصير للفقيه التقي، اما الواجب النفسي لها فهو الانتظار والاستعداد للعمل. ان المفهوم الخاطئ من تقليد المرجع الديني، هو الذي يتصوره السلبيون حين يزعمون: ان التقليد يعني الابتعاد عن المسؤولية بالقاء تبعة الاعمال على كاهل المرجع ، كلا.. ان مجرد كون انسان  ما رجلاً فقيهاً، و آخر جاهلاً، لا يعني تعطيل دور هذا الفرد الجاهل في الحياة. كما لا يعني الانتظار، ذلك الجلوس الساذج في قبو الانانية في انتظار الغيب المجهول من وراء ستار المستقبل.. كما ليس ذلك الارتخاء الشامل لكل مرافق النشاط بالتخدير المستمر للاعصاب، وليس الخروج عن حاضر الزمان بحرارته ونشاطه وامكاناته والعيش في مستقبل الآمال ببروده وخموله وضعفه. ان هذا هو انتظار العاجزين والكسالى والمخدوعين، اما الانتظار الحق الذي يسري في عروق الشيعي مجرى الدم. فهو الامل والاستعداد. ذلك الامل الذي يعطيه في كل ظروف الهزيمة، هدىً وضياءً يقاوم بهما اليأس، ثم يدفعه الى الاستعداد للعمل.(8)

 

من مقومات الخطيب

هناك ابعاد مختلفة لشخصية الخطيب والتي لابد من توفرها عنده، ففضلاً عن معرفة منطلقات الخطابة الحسينية الفكرية، والثقافية - والتي اشرنا اليها- هناك ابعاد اخرى نذكرها بايجاز:

1- ضرورة الخلوص في النية عند اعتلاء المنبر، مستذكراً الخطيب الرسالي ما قاله الامام زين العابدين عليه السلام أمام الطاغية يزيد بقوله عليه السلام: «هل تأذن لي أن ارتقي هذه الاعواد، واتحدث للناس ما فيه لله رضاً وللناس أجر وثواب؟

هنا يبين الامام عليه السلام بعدين: الأول: يتوخى المنبر الحسيني رضا الله سبحانه وحسب، دون ارضاء الحكام او العشيرة او اهالي منطقة قد دعي اليها للخطابة. والثاني: يهدف المنبر الحسيني ربط الحضور بالله سبحانه عبر طرحه للافكار والمواضيع، بحيث عند كل كلمة تخرج من فم الخطيب، تدخل قلب المستمعين ويحصلون بذلك الاجر والثواب، وبعبارة: ان الآخرة هي الهدف، وليست المكاسب الدنيوية.

2- ضرورة الاستجابة والحضور عند مناطق جغرافية هي أحوج ما تكون للتوجيه، ولا يزاحم الخطباء الآخرين على منابرهم لاداء رسالتهم التبليغية، ويفضل الحضور والقاء الخطابة في المناطق الفقيرة والمستضعفة مادياً وثقافياً.

3- مراعاة الاسلوب الهادئ والعلمي والابتعاد عن طرح الاثارة، تجنب إذكاء الفتنة الطائفية، بدعوى الدفاع عند العقيدة، ذلك أن الاصلاح والتغيير لا يتم بعصف عقائدي وطرح متشنج، إنما عبر خطوات ومراحل.

4- ضرورة اطلاع الخطيب على وقائع الساعة، واهمية ربط احداث الساحة بموضوع البحث لكي يتفاعل الحضور اكثر، فضلاً عن انها من ضروريات الخطابة واصولها، يقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله: «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».

5- الجلوس مع الجمهور بعد انتهاء المنبر الحسيني، ذلك أن هذه الفرصة مناسبة               لتقويم الخطابة عبر الاستماع الى آراء الناس تعقيباً او مداخلة على الموضوع المطروح.

6- التفاعل مع أهالي المنطقة التي دعي اليها الخطيب ايجابيا عبر حضور المناسبات الاجتماعية المهمة لديهم، مثل مجالس الفاتحة، أو المساهمة في حلّ مشاكلهم ونقلها الى المسؤولين، والتدخل لحل النزاعات العالقة بين الاهالي، وتعزيز أواصر المحبة والأخوة بين الناس. ليحقق الخطيب أهم شروط نجاحه على طريق أداء رسالته الحسينية والاسلامية.

----------------

1/ الثقافة الرسالية/ احمد ناصر/ ص19.

2/ بحار الانوار/ ج39/ ص18.

3/ المصدر السابق / ج28/ ص368.

4/ المصدر السابق/ ج22/ ص326.

5/ المصدر/ ج22/ ص427.

6/ المصدر/ ج 97/ ص366.

7/ المصدر/ ج2/ ص88.

8/ الثقافة الرسالية/ ص28.


ارسل لصديق