مجتمعنا.. و دروس من ملحمة عاشوراء الخالدة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2012/11/27
القراءات: 1862

مع اطلالة هلال محرم الحرام، تهب نسائم الهدى من ضمير قبرٍ بكربلاء، ضمّ الفضائل والقيم، في طليعتها الايمان والطهر والحرية. هناك في أرض البطولات التي لا تنتهي. وفي يوم الذكريات الحزينة، ألف ألف عبرة، وألف ألف حكمة. بلى؛ هناك روضة تمتد مع امتداد الافق، ثمراتها؛ العقل الطاهر من دنس الشك والشرك، والعاطفة الطاهرة من رين الذاتية والحمية. وقد أبى الله سبحانه إلا ان يُربي الصدقات، و أية صدقة أزكى من السخاء بالنفس والاهل، كما هو عطاء السبط الشهيد عليه السلام..! وهكذا أجرى ربنا من قطرات دم الامام الحسين عليه السلام التي تناثرت فوق بقعة محدودة من كربلاء؛ نهراً عظيماً من العاطفة الطاهرة، ومن الحكمة النافذة، حتى جعل الامام الحسين عليه السلام - كما كتب على ساق عرشه- «مصباح هدى وسفينة نجاة».

وكلما جرى هذا النهر الميمون على بقعة من الارض، اخرج الله فيها ما يناسبها من الثمرات والرياحين.. وهكذا هي مسيرة عاشوراء في جنوب لبنان وارض فلسطين، مقاومة مستمرة حتى النصر باذن الله تعالى.

وفي العراق وقوداً واستقامة عظيمة ضد أعتى طغاة العصر، وعطاء سخياً وتضحية بكل غال ونفيس.

وفي ايران ثورة جماهيرية عارمة، ونهضة حضارية في البناء والتطوير. وفي الخليج حراك جماهيري ضد الطغاة، وطموح للتغيير.

أمتنا ما تزال عطشى والنهر يتدفق، وما حصلنا عليه الى الان لا يروي غليلنا، لذا نحتاج الى المزيد. فلماذا الكسل؟! ان مجتمعنا اليوم بحاجة الى ان يتعلم دروس عاشوراء في الآفاق التالية:

 

أولاً: المسؤولية

لعل فكرة المسؤولية، هي الفكرة الاولى التي زرعها الامام الحسين عليه السلام في كيان المجتمع الاسلامي، عندما قام بنهضته العظيمة. فهناك الكثير ممن جاء الى الامام عليه السلام و أوصاه بان لا يحمل معه عياله وأطفاله، اذا كان متيقناً من انه سيقتل في سبيل الله في صحراء كربلاء. ولكنه عليه السلام اراد ان يعلمنا درس المسؤولية، وان على كل واحد منّا ان يتحمل قدرا منها، كما كان على كل واحد من اهل بيته عليه السلام ان يتحملوا قدراً منها.

ان الاوضاع المتردية التي نجدها اليوم في امتنا، من الفساد العريض، والتشتت والتناحر، وغيرها من الحالات السلبية، تستوجب العمل لرفعها وازالتها، وهذا رهن بالمسؤولية التي تقع على عاتق مختلف شرائح المجتمع، فالعلماء بعلمهم وعملهم، والخطباء بالسنتهم، والكتاب باقلامهم، والتجار بأموالهم، وكل فرد في المجتمع بحسب قدرته وطاقاته.

ان أهم نقطة يجب ان يعرفها افراد المجتمع اليوم، أنهم مسؤولون عن واقعهم المتردّي، وانهم لا، ولن يتجاوزوا هذا الواقع، إلا بتحمل كل فرد في المجتمع مسؤولية التغيير والإصلاح، واللامسؤولية والانزواء والتخاذل والكسل.. وغيرها من مفردات الانهزامية، انما هي ثقافة تبريرية يبحث عنها الحكام المستبدون والظلمة، ليكرسوها في مجتمعنا، وهي ذاتها المسؤولة عن كل المآسي والمعاناة التي نعيشها؛ لانها تخدر الناس وتبرر لهم سكوتهم وتقاعسهم وعدم اهتمامهم باوضاعهم.

ان نهضة عاشوراء زرعت في اللأمة ثقافة تحمل المسؤولية، ووضعت لنا مقياس تلك الثقافة. فنحن اليوم نعرف الثقافة الصحيحة بمدى بعثها للهمم، وشحذها للعزائم، وقدرتها على توعية الناس بمسؤولياتهم الحياتية. أما الثقافة الجبانة التي تجهّز المعاذير للناس، وتخدرهم وتمنّيهم بالغرور، وتزين لهم الحياة الدنيا.. انها ثقافة يزيدية لا تمت الى روح عاشوراء بأية صلة.

 

ثانياً: القيادة الربانية

أما الدرس والعبرة الثانية التي لابد وان نستقبل بها شهر محرم، وأيام عاشوراء، فهو درس قيادة المجتمع التي يجب ان تكون شرعية - ربانية. فعندما حمل الامام الحسين عليه السلام الراية قال: «إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحق بالبيعة والخلافة...». (بحار الانوار/ ج44- ص325).

بمعنى أن القيادة الصحيحة تتمثل في قيادة ربانية الهية تتصف بصفة النبوة والرسالة، وان تحمل الحقائق الالهية الى الناس. وأن القائد الشرعي هو الذي يحمل في داخله حقائق التوحيد ليحملها الى المجتمع، وهذا معنى القيادة الربانية. فعندما تريد ان تعرف قائدك فانظر اليه هل يدافع عن قيم الوحي؟ وهل يدعو الى قيم الرسالة؟ وهل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أم يداهن السلاطين ويسكت عنهم؟

والامام الحسين عليه السلام اركز بنهضته راية الاسلام على ارض صلبة، وبين للناس من هو القائد الحق، ومن هو المدعي للقيادة بالباطل. واليوم حيث تتعدد المذاهب وتتشتت القوى لابد ان نبحث عن تلك القيادة الربانية التي لا تأخذها في الله لومة لائم، وان نختار لمسيرتنا القادة الاكفاء الامناء على دين الله. وهذا واجب لا يجب التهاون فيه، فقد أخفى الله اولياؤه بين عباده، لذا يكون اختيارها وفق هدى الله وبصائر السنة الشريفة، والتي تتلخص في القيام لله ، والشهادة بالقسط، وعدم خشية غير الله ولا مهادنة الطغاة.

ثم ان التسليم للحق وللقيادة الربانية، تسليماً نابعاً من القناعة والايمان؛ تسليما خالصا لوجه الله؛ تسليماً لاينطق عن الهوى والعصبية والروح الحزبية والاقليمية والحميات الجاهلية، هو الذي يجعل المجتمع في مستوى أصحاب الانبياء والاوصياء، الذين وصفهم القرآن الحكيم بقوله: [محَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الإْنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً] (سورة الفتح/29). ولايضل الله سعي أمة سلّمت امرها لقيادة الهية تسليما خالصا لوجه ربها. فلو كانت الامة سلمت أمرها للقيادة الالهية بعد رسول الله، لما وصل حال الامة الى ما وصل اليه من انحراف لمسيرها عن النهج الاصيل للرسالة المحمدية والذي ادى بالنتيجة بان يتولى امرها مثل معاوية ويزيد لعنهما الله. ولو ان الامة سلّمت زمام امرها لسيد الشهداء عليه السلام، عندما انتفض على الطاغوت لما كان حال المسلمين على ماهو عليه اليوم  من التردي والانكسار والتشتت.

ومن هنا فان المجتمع الاسلامي لايمكن ان يسوده الصلاح الا بالتفافه حول القيادة الربانية، و الانتصار للقيادة الشرعية والولاية الالهية لهو الخطوة الاولى في مسيرة النهضة، وكل من يضم صوته الى صوت الحق يضيف قوة الى بنيان الحق.

ومن المهم جداً هنا، الاشارة الى ان عاشوراء قد فجرت في وعي أمتنا، ثم في ضمير الانسانية، ينابيع العطاء، واستخرجت معادن الصبر، و أصول النصر، وقيم النهضة. ولكنها بحاجة الى رجال مجتهدين مخلصين شجعان وأكفاء لقيادتها. فقد اثبتت حوادث تاريخنا الحديث، انه كلما اتيحت للامة طليعة رسالية في هذا المستوى؛ استجابت لهم، والقت اليهم أزمة امورها، و أي خلل في طبيعة هذه الطليعة يورث كارثة على مستوى الامة وثقتها وعطاءها. ومن هنا كان بناء الطليعة ، وتنمية كفائتها ورعايتها ، من ابرز فرائض المجتمع الاسلامي. ولايخفى ان الطليعة المؤمنة والواعية، هي التي تجسد مشاهد ملحمة عاشوراء الخالدة، وتعيد بطولاتها التي تعود أصولها الى تربية أئمة الهدى ونهجهم عليه السلام.

 

ثالثاً: المنهج الواضح

ولعل الدرس الثالث الذي نستلهمه من نهضة الامام الحسين عليه السلام، هو الطريق الواضح ، والمنهج السليم ، فلقد اختار عليه السلام طريقاً ومنهجاً محددين، فلو كان قد قتل وهو متعلق باستار الكعبة لما أصبحت ثورته عظيمة، ولكنه أعلن أولاً البراءة من المشركين، وعبأ الأمة الإسلامية بالوعي ثم قدم إلى كربلاء. صحيح انه قد استشهد في أرض بعيدة عن موطنه، ولكن ارض العراق كانت مأهولة بالقرى والمدن. وهو عندما قتل فيها صبغ أرضها بدمه الشريف، وكانت رايته هي المنتصرة رغم سقوطها على أرض المعركة، ولذا اصبحت الكوفة بعد ذلك بفترة قصيرة منطلقاً للثورات ومعقلاً للثوار الطالبين بثأره والساعين الى الاصلاح والثورة على الطغاة والظالمين.

ففي سنة 65 للهجرة انفجرت حركة التوابين، ثم حركة المختار، واذا ما سمعنا عن كل الحركات الكبرى في التاريخ فان منشأها الكوفة، وذلك بفضل دماء سيد الشهداء عليه السلام. وعندما قتل الامام الحسين عليه السلام في كربلاء فان اهل بيته الذين أسروا، حملوا رسالته الى الكوفة ومنها الى الشام ثم المدينة وقد كان حملهم هذا، جزءاً من الإستراتيجية السليمة التي اعتمدها عليه السلام. وهكذا كانت رايته تدور في الآفاق حتى أسقطت أنظمة ظالمة وطغاة متجبرين.

فاذا ما عرف الناس انهم هم المسؤولون عن واقعهم، ثم عرفوا القيادة الربانية واتبعوها كان وضع المنهج الواضح والستراتيجية السليمة هي الخطوة التالية، والاستراتيجية بغياب المعصوم - وطبعا وفق مستوياتها المختلفة- تمثل الآلية المُثلى في تحديد المنهج السليم الذي يتوجب على المجتمع السير وفقه. فقد وصف الله تعالى عباده بصفات فاضلة أبرزها ان امرهم شورى بينهم، فقال سبحانه: [وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ]. (الشورى/38). فان من الضروري لاهل الحل والعقد والسابقين من المجاهدين والعلماء والصالحين ان يتشاوروا فيما بينهم ليضعوا الخطة الصحيحة والمنهج الواضح للعمل في سبيل الاصلاح. فاذا اجمعوا امرهم على شيء اندفعوا نحو تحقيقه بيد واحدة، وكانت يد الله سبحانه مع جماعتهم.ان اتفاق الامة على المنهج الواضح للعمل هو أعظم ركيزة لوحدة جهودهم ونجاح مساعيهم وتحقيق أمانيهم. والمنهج الواضح هو ميراث هدى الله، وإنما توالت على امتنا الهزائم بسبب الضلالة عن هدى الوحي، واتباع الهوى والشهوات، والابتعاد عن نور العقل، وعدم الاهتمام بعلمية القرار التي يمثل الشورى حجر الزاوية فيها.

 

رابعاً: الاستقامة حتى النصر او الشهادة

وبعد تبيان المنهج ووضوح الاستراتيجية، فنحن بحاجة الى الاستقامة التي نستلهمها من واقعة الطف ومن كلمات السبط الشهيد الذي اطلقها صاعقة في كربلاء، فقال عليه السلام : «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك، هيهات مني الذلة ؟ أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طهرت، وحجور طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام...» ( بحار الانوار/ ج45: ص83).

وقد شرع الامام عليه السلام في نهضته الالهية بكلمته المعروفة: «...خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء...» (بحار الانوار/ ج44: ص 366/367). ثم قال عليه السلام: «...من كان فينا باذلاً مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فاني راحل مصبحاً ان شاء الله...» (بحار الانوار/ ج44- ص367).

وانما كان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، لان الايمان الذي ينهار من اول مشكلة ليس بايمان، انما فائدة الايمان الاستقامة ومقاومة الصعاب، ومناهضة العقبات.

والذين يستسلمون للطغاة، او ينهارون امام مشاكل الهجرة في سبيل الله ، او يحسبون عطاءهم في سبيل الله مغرماً، وايام جهادهم ضياعا، فمثل هؤلاء لا يمكنهم تجسيد الايمان، لانه لديهم أشبه بالأمر المؤقت، او مخصوصا بظرف، او كان معنى الايمان لديهم مكاسب ومناصب، او رفاه ورخاء ، او وظائف و رواتب؟! وهكذا سلوك ومنهج يتعارض ويتقاطع مع منهج التضحية التي سطرها سيد الشهداء عليه السلام، بكل ما كان لديه، حتى الرضيع قدمه فداءً للاسلام. حيث قال ودم ابنه الرضيع يملء كفه: «صبرا على قضائك يا رب لا إله سواك... صبرا على حكمك يا غياث من لا غياث له...» (مقتل المقرم/ ص357).ان هؤلاء هم اظهر مصداق لقوله سبحانه: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ» (سورة العنكبوت/10). ان مصداق الايمان يتجلى عندما يفترق الحق عن المصلحة، والهدى عن الهوى، والرسالة عن السياسة، والجهاد في سبيل الله عن الدعة والراحة. وكل هذا لايتحقق الا بالصبر والاستقامة.

وهكذا فان المنهج السليم الذي يفترض بنا اليوم ان نسير وفقه الى الاهداف المرسومة ، انما يكمن في تحمل المسؤولية ، واتباع القيادة الربانية ، وتعيين الاستراتيجية الواضحة ، ومن ثم الصبر والاستقامة والثبات في طريق تحقيقها. وبذلك ستنتصر الامة على اعدائها وتتغلب على مشاكلها ، وتحقق اهدافها باذن الله تعالى.


ارسل لصديق