مشروع الرحمة الخيري .. مشروع تربوي رسالي
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 1916

لم يُخيّل لي حينما طلب مني رئيس التحرير إجراء تحقيق حول هذا المشروع، أن أجد الاعمال والمشاريع والانجازات، وان هذا المسجد الصغير المشيّد من الكتل الاسمنتية (البلوك)، والذي يفتقر الى الكثير من أعمال الصيانة والترميم والبناء، وما يجب أن يكون عليه بيت من بيوت الله، فقد احتضن هذا المشروع، وصار مركزاً تنطلق منه النشاطات التربوية والثقافية، عن طريق أفراد كوّنوا منظومة عمل متكاملة وسخّروا كل طاقاتهم وامكانياتهم لإنجاحه وجعله بمستوى يستحق أن يُشاد به، وعملوا بكل جهد على تجسيد اسمه على الواقع .

«مشروع الرحمة الخيري».. محاولة لجذب النفوس الى الله، واضاءتها بتعاليم الاسلام في زمن مربك، نزع فيه أغلب الناس نحو كل ما هو مادي في سلوكهم، مبتعدين عن المشهد الانساني في مسرح الحياة المعتم. هذا ما سعى ويسعى اليه القائمون على هذا المشروع.

 ولتسليط الضوء على أهداف المشروع ونشاطاته ونتائجه ومعطياته، التقت «الهدى» بمؤسس  المشروع السيد مهدي الأعرجي، حيث بيّن لنا البدايات والمنطلقات، فقال:

كانت البداية عام 2008 وعلى غرار أي مشروع، كانت البداية بسيطة جداً، حيث تشكلت النواة الأولى للمشروع من عدد من الأخوة المؤمنين، عندما كنا نتذاكر الاحاديث الواردة حول الموت وحاجة الانسان بعد موته الى من يذكره ويترحم عليه، بعد انقطاع عمله في هذه الدنيا، فتعاهدنا ان يصلي كل واحد منّا لصاحبه في حال موته، ثم اتفقنا على ان يدفع كل واحد منّا مبلغ ألف دينار شهرياً لصندوق يتكفل «صلاة ما في الذمة»،  لكلٍ من المشاركين، وليوم واحد. وبعد مدّة من الزمن تطور المشروع وكثر أعضاؤه وتوسع نطاقه ليشمل مختلف اصناف وشرائح المجتمع، ولم يقتصر على اعضاء المشروع، وذلك عن طريق العلاقات والعمل، ومن خلال الاعلان عنه وتناقل اعماله بين الاهل والاصدقاء. يقول الحديث الشريف: «ما كان لله ينمو»، وبما ان عدد المشتركين في المشروع تجاوز عدد الألف مشترك ، فمعنى هذا ان كل واحد من الاعضاء سيحصل على صلاة لمدة حوالي (999) يوماً، أي ما يزيد على السنتين والنصف، أما الاموال التي ترد الى صندوق المشروع فقد فتحت لنا مجالاً للعمل، وقسمناه الى ثلاثة صناديق حيث يختار المشترك الصندوق الذي سيوضع فيه المبلغ المذكور وهذه الصناديق هي:

1 . صندوق المسجد : أي يتم من خلاله صرف مبالغ هذا الصندوق على بناء واحتياجات المسجد . كونه يعد أفضل مكان للتعليم الديني وهو الواسطة لربط المجتمع بالدين وقيمه وأحكامه.

2 . صندوق لمساعدة الأيتام والفقراء والمحتاجين والقروض الحسنة .

3 . صندوق لإحياء شعائر أهل البيت عليهم السلام.

 

المنطلقات و الاهداف 

أما عن الأهداف والطموحات، فقد أوضح لنا السيد الأعرجي، ان المشروع استمد اسمه من الآية الكريمة التي تخاطب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «وما أرسلناك الّا رحمة للعالمين»، إذ ان أفضل ما تُرحم به هذه الأمة، هو تربية الناس على القيم والمبادئ الاسلامية السامية وهو ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله منذ انطلاقة دعوته الشريفة، ووجدنا ان «الرحمة» كمفردة وكمفهوم أكثر ما تتجلى في تربية الافراد وتثقيفهم ثم مساعدتهم على النجاح في الحياة. وبما ان الامكانية المادية كانت محدودة في البداية، فكانت الاولوية لاقامة المحاضرات الدينية والدروس التثقيفية للشباب والايتام، و تقديم هدايا مالية رمزية للايتام لتشجيعهم على حضور الدروس، فهو مشروع تنمية بشرية واعداد جيل اسلامي سليم قائم على أُسس اسلامية وتثقيفه ثقافة اسلامية – انسانية، لكي يكون مثمراً في المستقبل يحمل هوية وأخلاق مدرسة أهل البيت عليهم السلام .

وقد زرعت الدورات التثقيفية الثقة بالنفس والاصرار لدى الشباب، كما استطاع المشروع تنمية أكثر من ثلاثين يتيماً وتربيتهم وتوجيههم وتثقيفهم واعدادهم، إعداداً جيداً يُعوّل عليه في المستقبل أما بالنسبة لباقي الاهداف الأخرى للمشروع والتي ذكرتها فقد استطاع المشروع جذب الكثير من المشاركين ولدينا فروع عديدة  في مدينة كربلاء المقدسة إضافة الى فروعنا في مدينة الناصرية والكاظمية المقدسة عن طريق وكلاء وهم متواصلون معنا دائما وهناك تعاون وثيق بيننا وخاصة في مواسم الزيارات والمناسبات الدينية كما استقطب المشروع الكثير من المشاركين من عدة دول عن طريق شبكة التواصل الاجتماعي «الفيس بوك» .

 

مساعدة الطالب

على تحقيق «الإعفاء العام»

وماذا عن تفاعل ابناء المجتمع القريبين من المسجد، وحتى البعيدين..؟ يوضح لنا السيد الأعرجي: في الحقيقة: لاقت الدورات التي اقمناها تفاعلاً وإقبالاً كبيرين، ولمسنا منها النتائج المثمرة من قبل الشباب الذين انضموا الى هذه الدورات وقد ركزنا جهدنا على إغناء الشباب بالثقافة الدينية وغرسها في نفوسهم، كما حاولنا ان نبين ان الدين ليس نظريات وطقوساً عبادية فقط، بل هو العمل، وان الايمان قرين العمل لا ينفصلان عن بعضهما، وهذا ما سعينا لتجسيده من خلال هذه الدورات، كما حاولنا تجسيد العلاقة الوطيدة بين العلم والعمل فالانسان يجب ان يتعلم ويعمل كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «العلم يهتف بالعمل فان أجابه والا ارتحل». وقد عوّل المشروع كثيراً على الدورات التثقيفية والتي تعد أهم أعمدته، وقد حرصتُ على ان لا أكون المحاضر الوحيد فكان للأساتذة المحاضرين من أمثال السيد صادق المدرسي والسيد صاحب الموسوي والسيد عباس المدرسي والشيخ علاء الكعبي والشيخ فارس وغيرهم من حوزة الامام القائم وحوزة الامام الجواد عليهما السلام، دور كبير في نجاح المشروع وجذب الناس اليه، فأسهموا في إغناء الشباب بالفكر الرسالي الأصيل ونشر الثقافة الدينية .

أما بالنسبة للنتائج والمعطيات بخصوص هذا الشأن فأستطيع أن أقول ان المشروع حقق انجازاً باهراً قياساً الى امكانياته المادية المتواضعة. حيث استطاع تحقيق النجاح للشباب في دراستهم وقد حصل هذا بشكل ملفت للنظر، فهناك شباب كانوا لا يرغبون في الدراسة، بل كانوا يواجهون صعوبة في الفهم والاستيعاب وكانت درجاتهم الامتحانية متدنية، لكنهم عند ترددهم على المسجد وانضمامهم الى الدورات التثقيفية أصبحوا من الطلاب المتفوقين، بل ان البعض منهم حصل في بعض الدروس على الاعفاء العام، والسر وراء هذا النجاح ان المشروع جسد لهم قيمة العلم ومهد لهم سبل النجاح من خلال تنظيم الوقت.

 

الشعائر الحسينية والاعمال الخيرية

مع حلول شهر محرم الحرام وأيام عاشوراء، كان لابد من البحث والسؤال عن نصيب المشروع من المشاركة في هذه المناسبة العظيمة، فقد اضاء لنا السيد الأعرجي بنشاطات وأعمال عديدة في هذا الصدد ، كما اشار الى نشاطات وفعاليات أخرى للمشروع. فقال: سخّر المشروع كل إمكانياته وجنّد كل طاقاته في سبيل إقامة الشعائر الحسينية، حيث يشترك الجميع في استضافة الزائرين في خيام ( جوادر) خلال زيارة الأربعين والشعبانية، كما أولينا اهتماماً بثقافة الزائر من خلال توزيع الكتب والكراسات التي تشتمل على التعاليم الدينية ونشر الثقافة الحسينية وما يجب أن يكون عليه الزائر، وهو يتوجه الى مرقد سيد الشهداء عليه السلام، وكذلك الالتزام بالحجاب وغيرها من الأمور كما ركزنا على إثارة السؤال عن سبب زيارة الامام الحسين عليه السلام ولماذا يأتي الزائر الى كربلاء ..؟ كون هذه الزيارة تترتب عليها معانٍ عظيمة نقلتها روايات أهل البيت عليهم السلام.

وأضاف لنا السيد الأعرجي عن نشاطات أخرى بالقول: هناك ندوات فكرية الهدف منها بيان ان الدين ليس مجرد طقوس وان المسجد ليس للصلاة فقط انما هما يدخلان حياة الانسان في الصميم وهما نظام يضمن له النجاح في حياته فقد كرس المشروع عمله على ترسيخ الثقافة الاسلامية في النفوس من خلال نشاطاته التي تعددت، فهناك إقامة رحلات دينية الهدف منها توثيق العلاقة بالدين ومبادئ أهل البيت عليهم السلام، لما لها من تأثير في شخصية الانسان وإلقاء ظلال روحية ومعنوية على سلوكياته.

ومن مناهج المشروع أيضاً إقامة المجالس الحسينية، ومآتم أهل البيت عليهم السلام في وفياتهم والاحتفال بولاداتهم الميمونة وإقامة المعارض من أجل نشر ثقافة المطالعة والكتاب بين الشباب واليافعين. وقد اقمنا معارض عديدة بدأناها في المسجد ثم انطلقنا في كربلاء المقدسة ومنها الى الكاظمية وقد دأبنا على تقديم الكتب الثقافية والدينية التي تهتم بالجوانب المهمة في حياة الانسان المسلم لا سيما مؤلفات سماحة المرجع السيد المدرسي كونها تحمل الرؤية الحضارية للإسلام والمستمدة من البصائر القرآنية.

ولا يقتصر المشروع على الجانب النظري، فهنالك البرامج والفعاليات التي تمسّ واقع المجتمع، لاسيما شريحة الايتام، فقد لمسنا من خلال الحديث مع السيد الأعرجي حيث قال: كثرت المؤسسات المعنية والمهتمة بهذه الشريحة، ولكن اهتمامها لليتيم أنصبّ على الجانب المادي، وبدورنا ركزنا على الحلقة المفقودة في حياة اليتيم وهي متابعة الجانب المعنوي إضافة الى الجانب المادي. فهنالك «حملات العطاء»، التي يقيمها المشروع ، وهي تُعد من أهم دعائم و ركائز المشروع، حيث تشكل الباب الذي من خلاله يساهم ابناء المجتمع في أعمال البر والاحسان، ومنه تتم كفالة اليتيم و منحه العيدية، وفي شهر رمضان نقيم حملة إفطار للصائمين وغيرها من العطاءات والفعاليات الخيرية.

 

مناهج تربوية - رسالية

الذي يميز مناهج دورات «مؤسسة الرحمة» – يقول السيد الأعرجي- انها تستخرج مواهب وطاقات الشباب، ثم تصقلها وتعدها للعطاء. وفي هذا الاطار دعا السيد الأعرجي من خلالنا الآباء للإلتفات الى هذه الحقيقة بأن المدارس الحكومية لا تصقل وتكتشف مواهب الطلاب بينما نحاول جهد امكاننا في الدورات الثقافية اكتشاف الطاقات المكنونة داخل الانسان، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : «الناس معادن كالذهب والفضة»، فأولينا الاهتمام الاكبر بالقرآن الكريم ليس فقط في اطار أحكام التلاوة والحفظ، بل في التدبر والعودة الى روح القرآن والاستضاءة بنوره، بدلاً من الاعتماد على الافكار الدخيلة، فالقرآن هو السبيل الى الله في الأرض، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «استنصحوه فانه الناصح الذي لا يغش»، فاعتمدنا قواعد التدبر التي حددها السيد المرجع المدرسي.

أما بالنسبة الى المناهج فهي تختلف عن مناهج الدورات الأخرى فهي تبتعد عن اسلوب الطلاسم والتعقيدات، انما تتبع اسلوب الدراسة السريعة، حتى الرسالة العملية ندرسها على شكل سؤال وجواب ففي الدورة ننهي الرسالة العملية من خلال الاسئلة التي تعطى للطالب فيجيب عليها وهذا ما يجعلهم يتجاوزون المراحل الى مراحل متقدمة من الدراسة الفقهية، ولا يتوقفون عند مسائل تفصيلية تأخذ من وقتهم كثيرا.

ولكن ألا يمكن ان تشغل هذه الدروس الطالب عن دراسته المدرسية ؟

أجاب السيد الأعرجي فوراً: بالعكس فان أكثر الذين يرتادون المسجد من الشباب هم من الطلبة المتميزين في مدارسهم وحتى غير المتميز عندما يلتحق بالمسجد يصبح مميزاً وهذه تجربتي لمستها من خلال إشرافي على المشروع منذ أربع سنوات فقد تحول هذا المشروع الى نقطة التقاء العلم بالدين عند الشباب فهناك من أكمل دراسته الاكاديمية كما واصل دراسته في العلوم الدينية.

وكأن هذا السؤال حفز السيد كرار الزاملي مسؤول شؤون الوكلاء على الإدلاء بمداخلة فقال : التوجه الى القرآن الكريم هو الذي يفتح أمام الطالب آفاقاً واسعة في ذهنه ويسهل عليه تعقيدات الدروس العلمية في المدرسة ولن يكون بحاجة الى دروس تقوية أو غير ذلك ونصيحتي ان يعود الطالب الى القرآن الكريم قبل البدء بدروسه المدرسية. ومن الجدير بالذكر؛ أن السيد الزاملي، حقق الإعفاء العام في الصف «الرابع عام»، فيما كان ولايزال يواظب في عمله في المشروع. كما بادر السيد علي الأعرجي ـــ أحد الحاضرين ــــ وهو طالب في الصف السادس العلمي بالقول: ان الارتباط بالمسجد يزيد من ثقة الانسان بنفسه ويدفع الاخرين للتنافس والاقتداء والالتحاق لتكرار التجربة الناجحة، ومن أهم ما وجدنا مفيداً في المسجد هو الاهتمام بالقرآن الكريم وإقامة دروس ثقافية تعلمنا كيفية النجاح في الحياة . ثم واصل السيد مهدي الأعرجي حديثه قائلاً : ولم يقتصر تميزه ــــ أي الطالب ــــ على الدراسة فقط بل انه يصبح مميزا في علاقاته الشخصية وأعطيك دليلاً.. فقد نظمنا درساً للخطابة عصر كل يوم جمعة للأيتام فكان الجميع في البداية يهاب الخطابة والتكلم أمام الناس لكن الدورات التثقيفية التي أقامها المشروع أعطت الثقة العالية لهم، بأن يعتلوا المنصة و المنبر ويتكلموا بكل شجاعة واعتداد بالنفس، وبعضهم لم يتجاوز سنه الخامسة عشرة، بل امتد نشاطهم الى مدارسهم فأصبحوا يكتبون المقالات والنشرات باسم مشروع الرحمة . كما كان للأشخاص الذين يفدون الى المسجد مثل السيد صاحب الموسوي والسيد عباس المدرسي الذي يحاضر في الناس وكذلك يقرأ دعاء الندبة كل يوم جمعة أثر بالغ في شد الناس الى المسجد والمشروع وربطهم بهما أكثر، إضافة الى البرامج المنتظمة والمستمرة، والعلاقة الحسنة للقائمين على المسجد بالناس فهو يصلهم في أفراحهم وأحزانهم وقضاء حوائجهم من عقود شرعية وجعل المسجد حلقة وصل بين المحسنين والمحتاجين وتقديم النصائح لهم في مسائل دينهم مثل إداء صلاة الآيات وصلاة العيدين وغيرها من الامور كل ذلك كان من عوامل نجاح المشروع .


ارسل لصديق