سورة الناس
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 2602

بسم الله الرحمن الرحيم

[قل اعوذ برب الناس، ملك الناس، اله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يسوس في صدور الناس، من الجنة والناس]

 * أين نزلت سورة الناس؟ ومتى؟ وكم عدد آياتها؟ وماهو ترتيبها النزولي وترتيبها في المصحف؟

- اختلفوا في مكان نزول هذه السورة المباركة؛ فقال البعض انها نزلت في مكة المكرمة، وقال البعض الآخر انها نزلت في المدينة المنورة ؛ نزلت بعد سورة الفلق، وقيل نزلت معها. عدد آياتها (6)، وترتيبها النزولي (21)، وترتيبها في المصحف (114).

 

فضل السورة

* مافضل هذه السورة المباركة؟

- وردت في فضل هذه السورة المباركة روايات كثيرة، نثبت ـ هنا ـ احداها:

فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله- انه قال:

«من قرأ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، فكأنما قرأ جميع الكتب التي انزلها الله على الانبياء»

 

الشر المعنوي

* تذكرنا هذه السورة المباركة ـ التي يُختم بها القرآن الكريم ـ كيف نستعيذ بالله من الشر؛ فهل الشر، هنا، مادي ام معنوي؟

- الشر في هذه السورة المباركة معنوي؛ يؤدي الى الوان من الشر في الدنيا والآخرة، ويتمثل ذلك الشر في الوسواس الخنّاس، الذي يُفقد الانسان عزيمته وحكمته، والذي قد يكون نابعاً من الجن والشيطان، او من الناس الذين يتأثرون بالقاءات الشيطان.

 

حالة نفسية

* يبدو ان الاستعاذة حالة نفسية، أليس كذلك؟

ـ هذا صحيح؛ فالاستعاذة حالة نفسية تنبعث من الاحساس بالحاجة من جهة، والثقة بمن يُستعاذ به من جهة ثانية.

 

المُستعاذ به والمُستعاذ منه

* حينما تكون الاستعاذة بالله ، فماذا تعني ذلك؟

- حينما تكون الاستعاذة بالله ـ الذي خلق الناس طوراً بعد طور ، وشملهم برعايته، وربّاهم، فان ذلك يعني امرين:

أولا: لان الله ربي، وأنا الذي استعيذ به؛ فهو أولى بالتوكل عليه والثقة به.

ثانياً: إن الله ربي الذي استعيذ منه، مهيمن عليه وعلى افعاله ؛ فهو قادر على درء شره عني.

 

الرب والملك والإله

* لماذا ركزت الآيات الثلاث الاولى من هذه السورة المباركة على ثلاث من صفات الله تعالى وهي «الربوبية» في قوله تعالى: (بِرَبِّ النَّاسِ)، و «المالكية» في قوله تعالى (مَلِكِ النَّاسِ) و «الالوهية» في قوله تعالى: (إله الناس)، دون غيرها من صفات الله تعالى؟

- ان الآيات المباركات الثلاث في هذه السورة المباركة ركزت على صفات «الربوبية، والمالكية، والالوهية»، دون غيرها من صفات الله تعالى؛ لان هذه الصفات ترتبط ارتباطاً مباشراً بتربية الانسان ونجاته من ضلالة المضلّين الموسوسين.

ويبدو من الآيات المباركات، أن ثمة ثلاثة مسارات لمصادر الخطر التي تضغط على الانسان، وتكون منفذاً للوسوسة : الاولى تتعلق بشؤون حياته ومعاشه؛ والثانية تتعلق بالقوى المهيمنة والمستكبرين؛ والثالثة تتعلق بالافكار والثقافات التي تكتشفه؛ ومربط الفرس في مواجهة مصادر الخطر هذه، هو الاستعاذة بالله (الرب، والملك، والاله) بالثقة به تعالى والخشية منه، اذ ان كوّة الوسوسة هي القلب، فاذا تم احصانها بالاستعاذة، فانه لا سبيل لشيطان الإنس او الجن ؛ بتوفيق الله تعالى.

 

دائم الوسوسة والتردد

* واضح ان المستعاذ منه هو الشيطان، ولكن لماذا لم يرد اسمه الصريح في قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ)؟

- «الوسوسة»، حديث النفس، وأصله الهمس؛ و يُقال لالقاءات الشيطان في النفس وايحاءاته: «وسوسة»، لانها تشبه حديث النفس.

و «الخنوس» يعني الاختفاء، ومن معانيه ايضا: التردد بين الظهور والاختفاء، او بين التقدم والتأخر.

وعلى هذا، تكون تسمية الشيطان بـ «الوسواس» لانه دائم الوسوسة، و بـ «الخناس» لانه دائم التردد ؛ كلما طردته عاد اليك؛ فاذا ذكرت الله، اختفى، واذا غفلت عن ذكر الله، عاد.

وقد ذكرت الآية المباركة صفة الشيطان (الوسواس الخناس)، دون ذكر اسمه الصريح وهو الشيطان، لتثير في حسّ الانسان اليقظة والانتباه الى حقيقته، ليكون دائما متيقظاً لمراقبته ومتأهباً لدفعه.

* ولماذا لم يرد اسم الشيطان بـ «الموسوس»، و ورد «الوسواس»؟

- سُمي الشيطان بـ «الوسواس» لانه صاحب الوسوسة و «الوسواس» مصدر، وياتي بمعنى اسم الفاعل اي : الموسوس ؛ و «الوسواس» بمعنى الموسوس، وقد ورد بهذا المعنى في الآية الكريمة.

 

الوسوسة في القلب

* قوله تعالى : (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) حدد عمل الشيطان بعد ان وردت صفته اولا في قوله تعالى: (الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) فما المراد بالوسوسة في صدور الناس؟

- يقوم الشيطان بالقاءاته الضالة في القلب، وهو كناية عن مركز العزم واتخاذ القرارات، ومكان القلب في الصدر ؛ كما هو معروف.

ولا يترك الشيطان احدا إلا وألقى في صدره وساوسه، لولا اعتصامه بالله دوماً.

وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وآله- انه قال:

«ما من مؤمن الا ولقلبه في صدره أذنان: أذن ينفث فيها المَلَك، وأذن ينفث فيها الوسواس الخناس؛ فيؤيد الله المؤمن بالملك؛ فهو قوله : (وايدهم بروح منه)» (2)

و روي عن الامام الصادق عليه السلام، انه قال: «ما من قلب الا وله أذنان؛ على احدهما مَلك مرشد، وعلى الاخرى شيطان مفتن. هذا يأمره، وهذا يزجره. الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها ؛ وهو قول الله عز وجل : (عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد)». (3)

 

لا للغفلة

* وكيف يعيث الشيطان في القلب فساداً؟

- قلب الانسان بيت مظلم متهاوٍ؛ سراجه العقل ؛ وعماده الايمان. نور العقل من نور الله، كما ان روح الايمان من ذكر الله. واذا غفل القلب عن الله، عاث الشيطان فيه فساداً.

 

أشد من الشيطان

* قوله تعالى : (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)، حدد ماهية الشيطان بعد ان حدد عمله وصفته في الآيتين السابقتين ؛ فمن هم شياطين الجن؟ ومن هم شياطين الانس؟

- الوسواس من الجن، وذرية ابليس الذي لعنه الله وابعده عن رحمته. وقد آلى ابليس على نفسه اغواء بني آدم وتضليلهم.

وقد يكون الوسواس من الناس الذين أضلهم ابليس ؛ فاصبحوا ضالّين ومضلين لغيرهم، وهم - بعملهم هذا- يقومون بدور ابليس. ومن الناس من تكون وسوسته أشد من وسوسة الشياطين.

 

الملائكة مع المؤمنين

* قد يضعف الانسان امام وساوس الشيطان، و وساوس الموسوسين، بل قد ييأس ؛ فما هو السبيل لمواجهة هذا الضعف واليأس؟

- لا ينبغي للانسان ان يضعف امام وساوس الشيطان، فضلا عن أن عليه ان لا ييأس ؛ فالمؤمن ليس وحيدا في صراعه مع الشيطان في ساحة الحق، فملائكة الله تنزل عليه باستمرار لتأخذ بناصيته، ولتبعد عنه شر الشيطان الرجيم، يقول تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ). (سورة فصلت /30).

 

منع التفسير حسب الهوى

* واخيراً ؛ ما هي الحكمة في الاستعاذة التي أمرنا الله بها عند تلاوة الكتاب في قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، (سورة النحل /98) والاستعاذة الواردة في سورة الناس، وهي ختام القرآن الكريم؟

- ان تذكّر الله وسلطانه، وقوته، ورحمته، والتوكل عليه، والاستعاذة بقوته، وبتأييده لعباده، ووعي اسمائه الحسنى، كل ذلك يقطع سياق الاسترسال مع وساوس النفس وهمزات الشياطين ؛ فتكون قرارات الانسان خاضعة لمحاكمة عقله ومقاييس فطرته ؛ دون اهوائه وتمنياته.

ان اغلب الناس يتخذون قراراتهم بلا وعي منهم لاسبابها، ثم يبررونها لانفسهم بشتى التبريرات ؛ بينما المؤمن يمرر قراراته على منظار عقله، فيمحصها تمحيصا دقيقا، كل ذلك بفضل ذكر الله الذي يزيد من يقظة الذات، وتوهج العقل، واستنارة الفطرة ؛ ولا يكون ذلك الا بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

وربما امرنا الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم قبل تلاوة الذكر ؛ وجاءت السورة الاخيرة من القران الكريم تأمرنا بالاستعاذة منه لكي لا نفسر كتاب الله ونصوص الشريعة المقدسة حسب الهوى والرأي مما يسبب في تبديل كلمات الله عن مواضعها، ولا نؤوّلها تأويلا خاطئاً، ولا نترك ما تشابه منها ابتغاء الفتنة ونترك المحكمات.

-----------------

1ـ مستدرك الوسائل، ج4، ص370.

2ـ بحار الانوار، ج70، ص 47.

3ـ الكافي، ج2، ص266.


ارسل لصديق