الشروط الموضوعية للمتدبر في القرآن الكريم
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 1190

اذا اردت فهم المتكلم بصورة جيدة، عليك ان تفهم اتجاه حديثه ومنحاه ، فالالفاظ دلالات على معان مختلفة وربما تتفق الالفاظ وتختلف المعاني المراد منها، ومعرفة منحى الحديث ومقصود المتكلم ترسم لنا ملامح الالفاظ بشكل أفضل، و توضحها بصورة أجلى.

فلو اراد المتكلم ان يدفعك نحو عمل ما، فانه سيصيغ جملته بصورة  أمر وطلب ، او يتمنى حصول الامر المطلوب ليبعثك للقيام به وهكذا..

والقرآن الكريم ليس بمنأىً عن هذه القاعدة، فاذا اردنا فهم القرآن الكريم بصورة صحيحة، علينا ان نعرف نوعية الحديث فيها، كما ان العمل بالآية يعتمد على فهمها.

والسؤال المطروح : كيف نعرف نوع الحديث في الآية الكريمة؟

ان روايات اهل البيت عليهم السلام تبين لنا جهات نزول القرآن الكريم ، ليتسنى للقارئ التدبر في القرآن بصورة أسهل، وقد اطلقت الروايات تسمية (الأحرف) لهذا الامر، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «نزل القرآن على سبعة أحرف:  أمر، و زجر، و ترغيب، و ترهيب، و جدل، و قصص، و مثل»1 .

و عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصادق عليه السلام، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏:  «أُنْزِلَ القرآن عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ‏ كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ أَمْرٍ وَ زَجْرٍ وَ تَرْغِيبٍ وَ تَرْهِيبٍ وَ جَدَلٍ وَ قِصَصٍ وَ مَثَلٍ. 2

وكذلك روي عن ُ أَبَي عَبْدِ اللَّهِ ج الصَّادِقَ عليه السلام: ‏»... وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً فَخَتَمَ بِهِ الْكُتُبَ فَلَا كِتَابَ بَعْدَهُ أَحَلَّ فِيهِ حَلَالًا وَ حَرَّمَ حَرَاماً فَحَلَالُهُ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامُهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِيهِ شَرْعُكُمْ وَ خَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَ بَعْدَكُمْ».

وقد اختلط امر هذه الروايات وغيرها، لدى الكثير من جمهور المسلمين، فمنهم من اشتبه لديه الامر فقال ان الأحرف السبعة هي نفسها القراءات السبع لوجود تشابه في العدد، ومنهم من حمل ذلك على تعدد نزول القرآن. و.. يقول المرجع المدرسي:

 «..  وذهب فريق من المسلمين الى تفاسير بعيدة لهذه الكلمة، فقد قال بعضهم: ان الله أوحى سبع مرات، سبع كتب كلها قرآن.  بيد ان الجانب التربوي الذي يهدفه سياق ظاهر القرآن بحاجة الى هذه الاحرف السبعة..»3 ، فلا تخلو الآية الواحدة  إلا وهي تشمل حرفاً من هذه الاحرف.

 

الاحرف السبعة:

الأمر والزجر: ففي القرآن الكريم، شرع الله للناس، وللشريعة احكامها الخاصة بها، المختلفة عن سلوكيات البشر الخاطئة، ومن هنا كان من الضروري ان يكون في القرآن الكريم أمر بكل خير و فرض، وزجر ونهي عن كل شر وقبيح ، يقول تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَميعاً بَصيرا» (سورة النساء /58)، ويقول تعالى ناهياً عن ظن السوء والتجسس : (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحيم‏» (سورة الحجرات /12).

الترغيب والترهيب: لتطبيق افضل للاوامر والنواهي ، وتربية مثلى للنفس، يحتاج الانسان الى البشارة بالمكافأة من جهة والانذار من العقوبة ، وهذا من الامور التي جبل عليها الانسان، و آيات القرآن الكريم مليئة بالبشارة للمحسنين والانذار من عذاب الله للمسيئين ، يقول تعالى: «وَ بَشِّرِ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فيها خالِدُون‏» (سورة البقرة /25). وقال تعالى: «وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمينَ ما لِلظَّالِمينَ مِنْ حَميمٍ وَ لا شَفيعٍ يُطاع‏» (سورة غافر /18).

الجدل: النقاش الهادف مع الخصم، من الاساليب الاساسية في الدعوة الى الحق، والقرآن الكريم هداية للناس ولذلك فهو يجادل الكافرين لرد دعاواهم من جهة وبيان الحق من جهة اخرى. يقول المرجع المدرسي: «يبقى الجدل، وهو ضروري في كتاب يحمل سمة العقيدة، لأن هناك شبهات راسخة في قلوب البسطاء يجب تصفيتها قبل البدء بتزكية النفس، وطريق التصفية هو الجدل والمناقشة الهادفة» .   يقول تعالى: «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَني‏ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون‏» (سورة الزمر /38)، فهذه الآية من سورة الزمر تقرع مسامع قلوب الكافرين ، وتهزهم من الاعماق ليتنازلوا عن كفرهم وشركهم ويؤمنوا بالله وحده.

القصص: القرآن الكريم مليء بالقصص الواقعية، كونه نابضاً بالحياة اساساً، وترتسم القيم من خلال شخصيات كانوا في السابق او سيأتون في المستقبل ، وتتجلى المثل والعبر  من خلال بيان سيرتهم وقصصهم، يقول تعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا القرآن وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلين‏» (سورة يوسف /3) ، ويقول ايضاً: «لَقَدْ كانَ في‏ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَديثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْديقَ الَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون» (‏سورة يوسف /111) ، ففي القصص هذه، عبرة لأولى الالباب و هداية لمن يصغي اليها بقلوب واعية. المثل: وكما القصص فان الامثال ايضاً تجعل الافكار واقعاً يتحرك امام الانسان، والفارق بينهما هو ان القصص انما هي قصص حقيقية بينما الامثلة فلا حقيقة خارجية لها، يقول تعالى: «مَثَلُ الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في‏ سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في‏ كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَليم» (سورة البقرة /261)، ويقول تعالى مبيناً أحد مساوئ أكل الربا من خلال مثل: «الَّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى‏ فَلَهُ ما سَلَفَ وَ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فيها خالِدُون‏». (سورة البقرة /275).

وفي الختام لابد من بيان ملاحظتين: الأولى: ليس بالضرورة ان تأتي الاحرف السبعة التي ذكرناها، عبر ذكر الفاظ الامر والنهي و المثل والقصص و غيرها ، بل السياق في الآية هو الذي يدل على القسم المعين، بل ربما يكون لفظ البشارة وارد في معنى الترهيب مثل قوله تعالى: «بَشِّرِ الْمُنافِقينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَليما» (سورة النساء /138)، فعلى المتدبر الانتباه الى نمط الحديث في الآية و السياق فيها، مثل قوله تعالى: «إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ‏ رُؤُسُ‏ الشَّياطِين‏» (سورة الصافات / 64-65).

الثانية: ان معرفة الاحرف السبعة تعد الانطلاقة الاولية لفهم آيات القرآن الحكيم، اذ ان هناك الكثير الكثير الذي يحتاجه المتدبر في سبيل فهم القرآن، كمعرفته بالمحكم عن المتشابه ، والتمييز بين الناسخ والمنسوخ ، والعام والخاص و..  التي سنتطرق الى الحديث عن بعضها في الاعداد القادمة بإذن الله تعالى.

--------------

1- عن تفسير الصافي : ج1 ، ص 39.

2- بحار الانوار: ج 90، ص 97.

3-بحوث في القرآن  الحكيم : 28

4-بحوث في القرآن الحكيم: 29


ارسل لصديق