الرسالية .. هداية الانسان أم تجسيره نحو السلطة؟
كتبه: عبد الحسين جمعة
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 1299

من المعلوم ان الهدف الاول والاسمى من بعث الرسالات الالهية، هو هداية الانسان، واخراجه من ظلمات الجهل والهوى الى نور العلم والتقوى، بالرغم من وجود هدف آخر لها يتمثل في تحكيم سلطان الله تعالى في الارض، وهو الهدف الذي اشار اليه ربنا عز وجل في قوله: «وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله» (سورة النساء /64).

ومع ذلك فان هذا الهدف يأتي في الدرجة الثانية، ذلك أن الهدف الاول و الاعظم هو هداية الانسان، واعداده للدخول في جنات عدن، وبتحقيق هذا الهدف تتحقق سائر الاهداف والغايات. فبعد ان يهتدي الناس الى رسالات الله، ويخرجون من سجون الهوى والجهل الى رحاب العلم، تبدأ المساعي لاقامة حكم الله في الارض.

وحسب هذا الترتيب المتقدم ينبغي دراسة الرسالات الالهية جميعا وخصوصاً تأريخ رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.

وعلى هذا الاساس فقد تجاوب النبي صلى الله عليه وآله، بادئ ذي بدء مع بني أمية، واقطاب المعارضة من قريش، لكي يهيئ الشروط الموضوعية التي تمهد لنشر رسالة الله عز وجل، ولكي تخضع كافة القوى السياسية الحاكمة في الجزيرة العربية بصورة مؤقتة، ولا تقف هذه القوى حجر عثرة امام انتشار نور الاسلام وهداية البشر، ثم أوكل هذه المسؤولية الى أهل البيت عليهم السلام، من خلال التأكيد على دورهم في احاديث جمّة.

وفي طليعة هذه الاحاديث؛ حديث الغدير، الذي يعدّ اطاراً عاماً لكل الاحاديث، وفي هذا الصدد حيث قال صلى الله عليه وآله: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، مما يدل على ان مسؤولية الائمة المعصومين عليهم السلام هي ترسيخ دعائم الاسلام في المجتمع، وبعد ان كانت مسؤولية النبي الاعظم صلى الله عليه وآله، نشر الاسلام وترسيخ قواعده، وإقامة حكم الله تبدأ بعد ذلك مسيرة التربية والتعليم والتزكية من قبل الأئمة عليهم السلام، من خلال محاربة النفاق، ومقارعة الشجرة الملعونة التي يذكرها الله  في القرآن، ومواجهة الشبكة المترامية الاطراف المتجذرة في ارض الجزيرة العربية والتي كونتها القوى المختلفة من مثل بني أمية ومن يتحالف معهم.

 

السلطة في خدمة القيم والمبادئ

لقد واجه أئمة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله كل هذه الانشدادات الجاهلية بأدوار مختلفة، فلم يكن من العبث ان تنزل آية «إكمال الدين» بعد غدير خم، بل جاءت تأكيدا لهذه الفكرة حيث قال عز وجل «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا» (سورة المائدة /3).

وبناء على ذلك فان من يعتقد بفشل حكم الامام علي عليه السلام بعد ان استغرق خمس سنوات، عليه ان يتذكر ان هذا الامام المظلوم ، كان يؤدي دوراً رسالياً هاماً خارج نطاق المكان والزمان، بمعنى ان القضية لم تكن خاصة بأهل الكوفة او العراق، او حتى البلاد التي حكمها، فقد اختزل عليه السلام رسالات الله جميعا، حيث جاءت رسالة الاسلام مهيمنة ومكملة لسائر رسالات الله في الارض.

لقد قام الامام علي عليه السلام بدوره كاملة، والقضية الرئيسية التي ينبغي ان نأخذها بنظر الاعتبار هنا، ان دوره عليه السلام لكم يكن دائما يتمثل في الجلوس على كرسي الحكم، لان الدور الذي يؤديه كمبلّغ رسالة يختلف عن دور الحاكم؛ فالدور الاول والأهم لكل الرسل والانبياء والصالحين هو تبليغ رسالات الله عز وجل، وعدم الخلط بين انفسهم وبين هذه الرسالات رغم انهم جسدوها.

وعندما وجد امير المؤمنين مصلحة الرسالات الالهية والامة الاسلامية في تنحيه عن الحكم فعل ذلك، ولو انه تشبث بالكرسي، وحمل الناس على طاعته بالسيف بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عبر المطالبة بالحكم من خلال استخدام العنف والقوة، لاقتنع الناس بفكرة مفادها ان الإمام علي عليه السلام ما هو إلا طالب حكم وسلطان، ولذلك رأى عليه السلام ان يتنحى عن الحكم لان الأمة لم تكن قد نضجت بعد، فاختار ان يؤدي دوره الرسالي وهو خارج الحكم.

وقد بقي الامام عليهم السلام على هذه الحالة حتى تكاثف طلب الجماهير لنمط الحكم الذي كان يؤمن به عليهم السلام، وقد جاء هذا الطلب من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله انفسهم من الذين كانوا يرون انفسهم اندادا للامام بل و أحق منه بالخلافة.

ومع ذلك فعندما عصفت رياح الفتن بالمسلمين بعد مقتل الخليفة الثالث، وكادت سفينة الامة ان تغرق في بحر الفتن، أدرك جلّ اصحاب النبي صلى الله عليه وآله ان ربان هذه السفينة الذي يستطيع انقاذها هو الامام علي عليه السلام، ولذأ وجدنا ان اكثر من ألفي صحابي انضووا تحت لواء الامام علي عليه السلام يدافعون عن رسالات الله ضد بني امية، وكان من بينهم تسعة وسبعون صحابياً اشتركوا في معركة بدر، وسبعمائة حضروا بيعة الشجرة.

وهكذا فان اكثر اصحاب النبي صلى الله عليه وآله بادروا الى الدفاع عن أمير المؤمنين عليه السلام عندما احسوا ان الشجرة الملعونة في القرآن والتي قاومت الرسالة منذ اول يوم، قد انبعثت لتقاوم الرسالة من جديد، وهم لم يفعلوا ذلك دفاعا عن شخص الامام بل عن حرمة الاسلام، فانبروا للدفاع بكل قوة عندما أكتشفوا ان الامام لا يعمل لطلب الحكم، بل انه هو الذي قدّم أجلّ خدمة للمسلمين عندما فضح الشجرة الملعونة.

ونفس هذا النهج الذي اعتمده امير المؤمنين عليهم السلام، طبقه الامام الحسن عليهم السلام؛ حيث نرى انه عليهم السلام هادن معاوية بشرط اعادة الحكم مستقبلا الى الخلفاء الشرعيين، رغم انه عليهم السلام، يعلم بحقيقة معاوية، وانه خالٍ من أي ضمير وذمة وقيم، ولكنه كان يريد أن يكشف للمسلمين حقيقة ان جهازا كجهاز معاوية، لايمكن ان يحكم باسم الاسلام، ولو حارب الامام الحسن عليه السلام معاوية، في ظل خذلان معسكره، بحيث يكون الإمام في حالة استماتة كاملة، لتصور الجاهلون ان الإمام عليهم السلام  طالب سلطان كما هو حال معاوية، وبتعبير آخر؛ يحارب من اجل الحكم لا من اجل الرسالة في حين ان الحكم ليس الا وسيلة لتحقيق هدف أسمى.

 

عاشوراء .. حياة وليس موت

اما الإمام الحسين عليهم السلام فقد مكث في مكة المكرمة عدة أشهر، لا يتوجه الى العراق حتى وصلته اثنا عشر ألف رسالة، و اكثر هذه الرسائل كانت من زعماء و وجهاء الكوفة، وقد كانت الكوفة تمثل حامية عسكرية للجيش الاسلامي، وكانت تشكل أحد ركني هذا الجيش، والجيش الكوفي كان احد جيشين في البلاد الاسلامية، كما كان اكثر جنود هذا الجيش من اليمن والجزيرة العربية بالاضافة الى عدد قليل من اهل العراق.

وقد انتظر الامام الحسين عليه السلام فترة من الزمن، حتى نضجت فكرة الدفاع عن رسالة الاسلام، وحينئذ قدم عليه السلام الى العراق وهو يعلم ان مصيره هو الشهادة، وقد صرح بذلك في اول خطبة له في مكة المكرمة عندما قال: «خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء».

وهكذا توجه عليه السلام الى العراق لانه صاحب رسالة. وهذه الرسالة لن تتحقق الا بإراقة دمه، وشهادة إخوته وابنائه وخيرة اصحابه ممن بقي من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله بالأضافة الى سبي نسائه.

ومن هنا فقد اختلفت معالم الحركة الرسالية عن الحركة السياسية، فمن غير المعقول ان يؤسس طالب السياسة ستراتيجيته على اساس الشهادة، في حين نجد صاحب الرسالة يمشي الى الموت بخطى ثابتة، ويجعل الشهادة غاية مسيرته.

وهكذا فقد ظل الامام الحسين عليهم السلام مصباحاً للهدى وسفينة للنجاة، ومن هنا كان من الواجب علينا ان نخلد ذكرى أبي عبد الله الحسين عليهم السلام لانه صاحب رسالة لا صاحب طموح سياسي، و لأنه انسان ثائر استشهد وتحول الى مسيرة رسالية، ومن اهم مسؤولياتنا تجاهه عليه السلام، تعميق الولاء لنهجه وخطه، وعندما نقرأ زيارة عاشوراء نجدها منهجا للحياة، ومما جاء في هذه الزيارة، الدعاء الجدير بالقراءة:

«اللهم اجعل محياي محيا محمد وآل محمد، ومماتي ممات محمد وآل محمد». فنحن نطلب بهذا الدعاء من الله تعالى حياة على نهج حياة الرسول وآله، كما نطلب ان نموت كما ماتوا، فهذه الحياة والممات منهجان للانسان المسلم يركزهما في نفسه عند قراءة زيارة عاشوراء.

 

منطق الحق ينير القلوب

و ربّ سائل عن المسافة بين الحياة والموت، في ظل أهل بيت الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهل تغطيها الدماء والقتل فقط أم ثمة منجزات وثمار ملموسة من شأنها ضمان الحياة الكريمة للإنسان؟ وعندما قتل ابو عبد الله الحسين عليهم السلام في كربلاء ارتفعت الغشاوة عن قلوب المسلمين واخذوا يلومون انفسهم قائلين: نحن الذين دعوناه لننصره، ثم اذا بنا نقتله ظمآن على ضفاف شط الفرات!

 ونحن نجد تجسد هذا الندم بعد دخول زينب الكوفة، حيث راح الكوفيون يبكون وينتحبون، وبعد ان رأت زينب منهم ذلك اخذت تقرعهم، قائلة: أتبكون وتنتحبون وانتم الذين قتلتم ابا عبد الله بضعفكم وخيانتكم وعدم شعوركم بالمسؤولية في الحياة!

ان شهادة الحسين عليهم السلام في كربلاء هي وسيلة لهداية الناس ووفقا لما قاله النبي صلى الله عليه وآله: «ان الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة»، فهو عليهم السلام يمثل انعطافة تاريخية في الطريق الصحيح الى رسالة الاسلام، ومن مواقفه المبدئية نستشف الفرق الهائل بين صاحب الرسالة الذي يتنازل عن كرسي الحكم، ويعرض نفسه للشهادة مضحيا بها في سبيل بقاء الرسالة، وبين صاحب السلطان وفي الحقيقة فان هذا هو الفارق الرئيسي بين الحركات الاسلامية والحركات السياسية غير الدينية، فالمنتمي الى الحركة الاسلامية الرسالية يبحث دوماً عن الرسالة ويدور معها حيثما دارت، ولا يفكر مطلقا في ان يحصل على مناصب لنفسه، ولذلك نجد ان ابناء الحركة الاسلامية قد يدخلون في احزاب او تنظيمات اسلامية مختلفة ولكنهم يرفضون التحزّب على حساب قيمهم ودينهم ورسالتهم فلا يكونون كما قال عنهم تعالى: «من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون» (سورة الروم /32). بل يكونون: «منيبين اليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولاتكونوا من المشركين»، (سورة الروم /31)، أي ان المحور هو العودة الى الله، فكلما ابعدتهم الاهواء عن محور التوحيد جذبتهم المعرفة اليه مرة اخرى، فيعودون اليه وينطلقون منه.

 

السياسي و درجة التقوى

لكن ماذا عن الفتوحات الاسلامية لمختلف البلدان في العالم وما هو وجه العلامة الحقيقية بين الرسالة والفتوحات كطموح حضاري ـ اسلامي؟ ونتساءل أيضاً: ترى هل كانت فتوحات المسلمين للعالم غزوا أم استعماراً أم احتلالاً عسكرياً؟

حقائق التاريخ تؤكد أن تلك الفتوحات كانت رحمة للناس، لان المسلمين اذا دخلوا بلدا ساووا بين انفسهم وبين اهل ذلك البلد، ولم يجبروهم على الدخول في الدين الاسلامي وكانوا يهتمون بتطبيق مبدأ المساواة بين الناس اذا اسلموا، اما اذا لم ينتم اهل البلاد المفتوحة الى الاسلام، فقد كانوا يحصلون على حقوق متساوية تقريبا مع حقوق المسلمين وبسبب هذه المعاملة السمحاء الحسنة، لم يجد الناس في الفتوحات الاسلامية احتلالاً او استعمارا، بل كانوا يدخلون طواعية، حتى ان البعض منهم كانوا ينضمون الى الجيش الاسلامي.

ولولا قانون المساواة الذي شرّعه الاسلام لما دخل الناس في دين الله أفواجاً، ولما دافعوا عنه، أما لو ابتع المسلمون اسلوب القوة والتهديد والسيف ، لاشتدت الحروب بينهم وبين القبائل والبلدان الاخرى ولصعب انتشار الاسلام في تلك البلاد. 

وهكذا لابد ان نكون حملة رسالة ندور معها حيثما دارت ونفصلها عن انفسنا، ونجعل المقياس حسب العطاء للقضية واننا مسؤولون عن كل قطرة دم تراق في ساحات المواجهة، وسوف يحاسبنا الله حسابا عسيرا ان لم نكن في اشد حالات الوعي والتقوى وهذه التقوى لابد ان تكون في اعلى درجاتها عند من يعمل في مضمار السياسة، كما يؤكد على ذلك قول الامام الحسن العسكري عليهم السلام: «من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه محالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فعلى العوام ان يقلدوه».

وعلى هذا فان درجة التقوى عند السياسي يجب ان تكون عظيمة وقريبة من تقوى الصديقين لانه سيتحمل أمانة الامة الاسلامية برمتها، ولنقتد في هذا المجال بالإمام الحسين عليهم السلام الذي ضحى بكل غال ونفيس في كربلاء.


ارسل لصديق