سعياً سريعاً إلى سفينة النجاة
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2012/12/20
القراءات: 968

وبينا ندوّن هذه الكلمات.. انطلقت مجاميع المحبين والموالين من مناطق بعيدة في العراق، معلنةً بدأ مسيرة الأربعين نحو كربلاء الحسين عليه السلام، وعلى مدى هذه الأيام تُنقل الاقدام، وتهفو القلوب وتعبّأ المشاعر، كلٌ يسعى حثيثاً للمشاركة في هذا الزحف المليوني المنقطع النظير.. فمن خيمة تُنصب، أو مائدة طعام وشراب تُمد، أو نار توقد تحت القدور، أو سيارات تُوفر لنقل الزائرين وأدوات المواكب الحسينية، وعديد أنواع الخدمات الصحية والطبية وغيرها كثير، كلها تجسيد لذلك الحب العميق والولاء المتين.. وما يزيدنا فخراً واعتزازاً أمام العالم، أن هذا الزحف بدأ يتوسع لينطلق من خارج العراق، فقد بدأت القوافل بالانطلاق من بلاد الخليج والهند وباكستان شرقاً، ومن لبنان غرباً.. علماً ان جنسيات الزائرين يوم الأربعين يزداد سنة بعد اخرى.

ولنبشر اخوتنا الزائرين للإمام الحسين عليه في أربعينه، أن هذا الزحف، بدأ منذ عقود من الزمن، لكن بشكل آخر، حيث توجهت عقول وأفكار منظرين وقادة معروفين في العالم، ممن لا علاقة لهم بالاسلام ولا حتى بأمر الدين، لكن وجدوا انفسهم منجذبين نحو هذا النور الساطع والمتصاعد الى السماء، فهم بين طموح للتحرر ، او للبناء الاجتماعي والسياسي في بلادهم، وما يجعلهم قاعدة اساس في بناء دولهم و رقماً كبيراً في تاريخ شعوبهم، لكن رؤيتهم المنصفة والعقلانية، أرشدتهم الى القاعدة الأعمق والى النور الأوسع، فلم يجدوا بداً من الاقتراب من الحسين عليه السلام علّهم يكتسبون شيئاً من هذا البحر اللامتناهي من العزّ والكرامة والحياة الانسانية، فقالوا وكتبوا واسترشدوا بالحسين عليه السلام..

أما نحن اتباع أهل البيت عليهم السلام، فنعد أنفسنا قريبين من هذا النور، ونقف على القاعدة الدينية – الحضارية التي ثبّت أساسها الامام الحسين عليه السلام  بدمه ودماء اصحابه واهل بيته، فاذا نتفق جيمعاً على أن الامام الحسين هو الذي حافظ على قدسية وكيان الاسلام، بنهضته ومعارضته لحكم يزيد، وانه امتداد للرسالة المحمدية الصادحة بحقوق الانسان وإقامة نظام العدل والحرية والكرامة، فمعنى هذا أن كل شيء ناجٍ من الغرق، إلا من كرر مقولة ابن نبي الله نوح عليه السلام، عندما آوى الى الجبل ليعصمه من الماء، أو من يريد أن يعتصم ويتشبث بوسائل أخرى، يظنها الأصوب والأصح في الحياة، وإلا ما الذي كان يخافه «الطاغية» البائد من الشعائر الحسينية، غير وجود تلك السفينة الهادية والمرشدة التي من شأنها ضمّ البشرية جمعاء، وليس فقط شعباً صغيراً أو افراداً معدودين..؟ لقد فهم الطاغية البائد، ومن يقف خلفه، ان هذه الشعائر، ومنها توجه الزائرين مشياً على الاقدام، على شكل جحافل هادرة يوم الأربعين، تحمل لواء الثورة والتغيير لكل ما هو فاسد ومنحرف عن قيم الدين والفطرة الانسانية، في نواحي وميادين  الحياة كافة. بينما هو فقد كان يعدّ ومنذ سنوات الى ولاء آخر، وهو «الحزب الحاكم» وحاول ان يزجّ الناس في هذه القوقعة المقيتة، فما كانت النتيجة، إلا دماء وأشلاء ودماراً وضياعاً لانهاية له.

إذن؛ فان جموع الزائرين الزاحفين الى كربلاء المقدسة، وسائر الشعائر الحسينية في محرم وصفر، تعبير صارخ عن الرغبة في الحياة الكريمة، لا خوض الحرب والصراع مع هذا وذاك. ولذا اتفق مع من قال: «إن كل من اصطدم بالشعائر الحسينية، آل مصيره الى الانهيار والسقوط»، بدليل انه يجد نفسه على غير طريق الحسين عليه السلام، وهذا ما تتحسسه الجماهير بسرعة فائقة، بوحي الفطرة السليمة، وبحكم علاقتها الوثيقة مع قيم ومبادئ النهضة الحسينية، منها الإباء والحرية والتحدي، بمعنى انها تعلّم الحاكم وايضاً المحكوم أن الحياة لا تستقيم إلا باحترام الحقوق وصون الكرامة والمقدسات.

وربما تكون هي من بركات الامام الحسين عليه السلام ان يعرف محبوه، من هو على الهدى، ومن هو في ضلال مبين، من خلال طريقة التعامل مع الشعائر الحسينية. لنلاحظ السلطات الحاكمة في البحرين.. انها مشغولة بالهمّ السياسي، وكيفية السيطرة على الاوضاع، من خلال التفاوض والتحاور تارةً، وبالعودة الى الحديد والنار تارة أخرى، ثم نرى كيف تطيح بهيبتها بنفسها، عندما تدافع عن شخص مثل «يزيد» وتحمي اسمه حتى من الانتقاد.

وهكذا يكون الحسين عليه السلام، وتكون شعائره المقدسة، في أيام محرم وصفر الحدّ الفاصل بين الحق والباطل، وبين الغرق والنجاة، ولا يتعب أحدٌ نفسه بوجود طريق ثالث.


ارسل لصديق