في يوم الأربعين..
رسالة «لا» للانحراف و رسالة «نعم» للتحدّي
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2012/12/20
القراءات: 1067

لقد أراد الحزب الأموي بقيادة يزيد لعنه الله أن يعلن للأمة أنّ حكم الإسلام قد انتهى، وأنّ حكم الجاهلية قد تجدَّد، وهكذا طيف برأس سيد الشهداء عليه السلام البلاد، كما طيف بالسبايا من آل الرسول صلى الله عليه وآله من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام. وفي مواجهة إرادة الحزب الجاهلي كانت إرادة الرب تعالى وتدبيره، حيث شاء الله سبحانه أن يجعل من شهادة سبط الرسالة، ومن سبي أهل بيته، وكذلك من التطواف برأسه الشريف في البلاد، يجعل من كل ذلك إيذاناً بمرحلة جديدة في تطبيق رسالات الله في الأرض. واليوم حيث نجد الملايين من المسلمين يُجدِّدون العهد مع الله سبحانه، ويسيرون في طريق قافلة الشهداء، ويتقاطرون على كربلاء المقدسة حيث مرقد سيد الشهداء، وهم ينادون: (لبيك داعي الله) ويقولون: (يا ليتنا كنا معك) اليوم نعرف كيف أنّ مشيئة الله هي الغالبة،وأن الظالمين هم الخاسرون، أولم يقل ربنا سبحانه «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز» .

 أيها الزائر، و مادمت اليوم تنتصر لدين الله، تعال نعمل معاً بالوصايا التالية لنسارع في تحطيم عروش الطغاة والظالمين:

كرامتك مسؤوليتك:

إنّ لكل شخص عند الله كرامة، وإنّ على كل شخص مسؤولية، أو تدري لماذا؟ لأن لكل شخص تأثيراً كبيراً في الحياة الاجتماعية، وهذا هو الدرس العام الذي استفدناه من واقعة الطف، حيث قد علّمنا أبو عبد الله الحسين عليه السلام كيف نحقق مسؤوليتنا، وكيف نصون كرامتنا، وكيف نجعل الحياة رخيصة في أعيننا عند حكم الظالمين، فقال: (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).. وهكذا علمنا إن لم نقدر على الحياة بكرامة فإننا قادرون على الموت الكريم بشرف.

 

العالم الرباني والفئة المؤمنة طريق النجاة:

ثم ابحث عن عالم رباني .. وحذار من إتباع أصحاب الهوى والبدع والذين يدعون إلى أنفسهم وليست دعوتهم لله سبحانه، قال تعالى «مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ». العالِم الذي يدعوك إلى الله وليس إلى نفسه وجماعته هو الذي ينبغي أن يُطاع بإذن الله، إنك حين تبحث عن خبير في شؤون الحياة فلابد أنك تبحث عن العالِم الأمين، بينما الدين أعظم شيء، فلا تستخف به، ولا تتبع في أمره خبيراً إلا بعد بحث طويل عن الأفضل تقوى وكفاءة وعلماً، فإذا وجدته فألزمه واتَّبع نهجه تهتد إن شاء الله.

رسالة النهضة بين لا ونعم :

لقد بَعَثَ سيدنا أبو عبد الله الحسين عليه السلام  إلى العالم برسالتين من وادي الطف: رسالة كلا و رسالة بلى، وإنها حقاً تجسيد لكلمة التوحيد (لا اله إلا الله).. الرسالة الأولى: كلا ليزيد، كلا لابن زياد، كلا لأشياعهما ومن سار على دربهما.. لقد قال الإمام الحسين عليه السلام لوالي يزيد على المدينة «إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله». وقال في وادي الطف «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعي، قد ركز بين اثنتين، بين السِّلّة والذلّة، وهيهات منا اخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله، وجدود طابت، وحجور طهرت».. ونقرأ في زيارته «اللهم العن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد، وآخر تابع له على ذلك، اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين، وشايعت، وبايعت، وتابعت، على قتله».وهذه أعظم رسالة تاريخية انطلقت من كربلاء وتجسدت في رفض الكفر والنفاق والظلم والعدوان، على مدى الدهور وفي كل مكان!.

أما الرسالة الثانية (نعم – بلى) فوجهها أولاً من مكة المكرمة حينما أراد الخروج منها إلى العراق، ودعا المؤمنين إلى الالتحاق به حيث قال: (من كان فينا باذلاً مهجته، موطِّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فاني راحل مصبحاً إن شاء الله). وقد قال ثانياً في وادي كربلاء «أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله»، ونحن اليوم حين ننادي ونقول: لبيك يا حسين، فإنه استجابة لتلك الدعوة وذلك النداء، إنه صرخة حق وبيعة وفاء، وإنه تجديد عهد وميثاق مع مبادئ السبط الشهيد، إنه ليس شعاراً فارغاً، بل إننا نريد أن نكون أبداً دائماً مع نهج الإمام الحسين عليه السلام، ومع من يمثل ذلك النهج عبر التاريخ وإلى ظهور قائم آل محمد صلى الله عليه وآله، ومن ثم مع العلماء الربانيين الذين يمثلون ذلك النهج بصدق.

ساهم في نصرة الدين:

إنك قادر بإذن الله أن تساهم في استقامة الأمة، وإصلاح المجتمع، ونصرة الدين، وإتباع نهج السبط الشهيد، حتى تكون من عباد الله الصالحين، وتُحشر مع أصحاب الإمام الحسين عليه السلام، بلى قادر على ذلك بإتباع العلماء الربانيين إتّباعاً واعياً، والاستقامة على نهجهم، والتعاون معهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. إننا حين نرى في البلاد فساداً أخلاقياً أو إدارياً أو انحرافاً عقائدياً، فعلينا عقد العزم لمواجهة كل ذلك بقوة وسداد، وذلك بان نتذكر عاشوراء الحسين وأصحابه، وصبره واستقامة أهل بيته، وشجاعة العباس، وبطولة زينب، وصبر السبايا، فنصلي عليهم ونسلم، ونبايعهم على الاستقامة في خطهم حتى نحظى بشفاعتهم في الآخرة، وبالعيش الكريم في الدنيا بإذن الله تعالى.

راية وحدة ومسيرة إصلاح:

لقد قام الإمام الحسين عليه السلام بتجديد رسالة جده النبي صلى الله عليه وآله الذي قال فيه «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا»، وقد كادت الأمة الإسلامية تتلاشى بسبب مؤامرات بني أمية وأشياعهم من الجاهليين، فأعطت النهضة الحسينية للأمة روحاً وثــّابة من جديد، ثم تحولت إلى مسيرة إصلاحية دائمة، وهكذا نجدها تمد الأمة الإسلامية بالروح الإصلاحية كل عام، بل في كل حين بإذن ربها، ويستمر هذا الوضع حتى تتكامل النهضة بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، والذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وإذا كنا  نحن اليوم في العراق بحاجة إلى المزيد من القوة لكي نتحدى الصعاب ونحقق التطلعات السامية في بناء وطن قوي ميمون، وطن الحق والعدالة، وطن الكرامة والرفاه، فإننا بحاجة إلى مدرسة الإمام الحسين عليه السلام لِتُخرِّج لنا الأبطال الأشداء، ولتصوغ أمتنا على أساس الجد والجهاد والورع والسداد. بلى، إن أية دولة تحكم العراق، لا تستطيع أن تحقق طموحات شعبنا من دون أن تكون ممثلة حقاً للناس، ومدعومة حقاً من قبلهم، وهنا تكمن المشكلة التأريخية للعراق، حيث كانت الحكومات السابقة تسعى جاهدة للتسلط على الناس والهيمنة على مقدراتها، وذلك بتشريع قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، ومن هنا كانت تعرقل حركة الناس ونموهم، أما اليوم فإنّ المأمول أن يكون هدف الحكومة والبرلمان  العكس تماماً، أي تنمية قدرات الناس، وتخفيف عبءِ القوانين الجائرة عليه.

إن قوة الشعب، وتقدم أبنائه ثقافياً واقتصادياً، ووحدة صفوفهم، إنها جميعاً في مصلحة الدولة، وتسهم في تقدم العراق، لأن الشعب القوي إذا ساند الحكومة والبرلمان وباقي مؤسسة الحكم والدولة  المنبثقة من ارادته واختياره،  فسوف يشجعها في تحقيق أهدافها، أما الحكومة وحدها (وهنا لا اعني حكومة محددة بعينها سواء الحالية او ما سيأتي من حكومات)  فلا تستطيع تحقيق الأهداف، وهكذا فان قوتها لن تكون بديلة عن قوة الشعب، من هنا فإننا نوصي المسؤولين بأن يعيدوا إلى الناس الكثير مما احتكرتها الحكومات السابقة من الإمكانات والفرص، وذلك بتحرير الاقتصاد والتجارة والصناعة والمعادن و التعليم والإعلام،وغيرها من قيود القوانين غير الضرورية.


ارسل لصديق