[الهدى] تحاور الدكتور راشد الراشد حول ثورة البحرين وحصاد [الربيع العربي] والنهضة الحسينية
الديكتاتورية لا تزيد في ممارساتها القمعية إلا في غياب من يحاسبها
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2012/11/30
القراءات: 1768

الدكتور راشد الراشد، أحد القيادات السياسية - الإسلامية الفاعلة في الساحة البحرينية..

من مواليد البحرين عام 1960، حائز على شهادة دكتوراة فسلفة في الإدارة، وله العديد من الإبحاث والدراسات في ميادين الإدارة وتطوير الأعمال. ويُعد أحد رموز وقيادات الحركة الإٍسلامية في البحرين، وهو قيادي بارز في الحركة الرسالية و"تيار العمل الإسلامي" في البحرين، وقد اهتم بقضايا الفكر والموضوعات المجتمعية سواء على صعيد الفكر او السياسة او الثقافة او الإجتماع .

شارك في العديد من المؤتمرات وقدم العديد من أوراق العمل خلال مسيرة تجاوزت الثلاثين عاما قضاها متفاعلا – وما يزال- مع قضايا الأمة بمنظور يتميز بالصراحة والجرأة والوضوح، وقدم العشرات من المحاضرات الثقافية والتربوية والدينية في محافل محلية ودولية عدة .

بعد هجرته إلى إيران عام 1980 أسهم في تأسيس القسم العربي في إذاعة الجمهورية الاسلامية في طهران، كما كان من المؤسسين لمجلة "الشهيد"، وعلى الساحة البحرينية، رأس تحرير مجلة "الثورة الرسالية" في فترة الثمانينات،  كما كان من المؤسسين ورئيساً لتحرير صحيفة الأحداث اليومية الصادرة في لندن .

وللدكتور الراشد عشرات الأبحاث والدراسات والمقالات التي شارك فيها في المجلات والدوريات ، وقد صدر له عدد من الكتب المطبوعة:

1- حياة امرأة بحرانية: قصة عشرين عاما في المنفى يتناول فيه قصة الصراع السياسي في البحرين خلال الثلاثة عقود الماضية.

2- عاصفة فوق مياه الخليج ويتناول بالتحليل قصة أول محاولة إنقلاب عسكري في البحرين.

3- الائمة الإثنا عشر عليهم السلام: دراسة تحليلية في المنهج، ويتناول فيه الظروف السياسية والإجتماعية المعاصرة لكل إمام وطبيعة الدور الذي تصدى له كل إمام على حدة.

4- المرأة والمجتمع: رؤية في منهجية العلاقة بساحة المجتمع ، وناقش فيه النظريات التي تتعاطى شأن المرأة منتهيا إلى الرؤية الإسلامية في هذا الموضوع.

5- الإسلاميون ما لهم وما عليهم: وفيه تناول بالتقييم والنقد أداء الحركة الإسلامية خلال العقدين المنصرمين من عصر الصحوة الإسلامية.

 

* بوصفكم أحد رموز "التيار الرسالي" وأحد شخصيات المعارضة السياسية في البحرين، لو تحدثوننا باختصار عن رؤيتكم وتطلعاتكم إزاء ما يجري في البحرين ؟

• إن ما يجري في البحرين هو ثورة غضب بكل المقاييس، وهو حصيلة احتقان بل اختناق سياسي دام لأكثر من قرنين من الزمن، وبدأ تحديدا عند استيلاء آل خليفة على الحكم في البحرين في العام 1783م مارس فيه آل خليفة أبشع أنواع البطش والقمع والإضطهاد والقهر السياسي ضد الشعب .

ومنذ ذلك الحين، دخل شعب البحرين في دوامة صراع سياسي ممتد حتى يومنا هذا ولم تشهد البحرين فترة هدوء سياسي حقيقي، وكانت الإنتفاضات تتوالى وحركة الإحتجاجات الشعبية تستمر، قدم خلالها شعب البحرين كوكبة من الشهداء، و رزح الآلاف لفترات متفاوتة داخل السجون، بينما تم تشريد الآلاف إلى المنافي القسرية، وهم منتشرون لحد الآن في مناطق كثيرة من العالم .

ولذلك فإن ما يحدث اليوم هو ليس وليد اللحظة، وإنما هو يأتي في سياق حركة شعبية متواصلة ومستمرة لنيل الحقوق، ولوضع حد لسنوات مديدة من القهر والإضطهاد السياسي .

لقد قام حكم آل خليفة في البحرين بالإستئثار الكامل والمطلق بالحكم وبموارد السلطة، وقام على سياسات البطش والتنكيل، وقمع الأصوات الوطنية المخلصة والصادقة التي كانت تتطلع للعدالة والمساواة وقيام دولة القانون ومؤسساته، كما قام على سياسات التمييز العنصرية على أسس طائفية، وجرى إقصاء الشعب تماما من الحياة السياسية وإبعاده عن الإنتفاع بأي من موارده .

وجاءت سياسات التجنيس السياسي الأخيرة، لتمثل دخول السلطة مرحلة كسر العظم في صراعها مع الشعب، لذا لم يجد خيارا غير الثورة للمطالبة بإسقاط نظام آل خليفة كحالة معبرة عن حجم الغضب الذي كان موجوداً في صدر الشعب إزاء كل تلك الأوضاع المزرية والمأساوية .

وإذن؛ هذه الثورة، هي النتيجة الطبيعية والتي كانت متوقعة أساسا وقد حذر منها العديد من الخبراء الإستراتيجيين والمراقبين المهتمين بالمنطقة .

أما عن تطلعاتنا في التيار الرسالي لما يجري في البحرين، فهو أن ينال شعب البحرين ما يستحقه من نظام سياسي تتوافر فيه أدنى مقومات الشرعية، وتنطلق في سمائه، الحرية والعدالة الإجتماعية، وان تنتهي بذلك سنوات طويلة مريرة من الإضطهاد والقهر السياسي .

 

* ما السبب في عدم وجود البحرين في أضواء الاعلام، والاهتمام السياسي اقليمياً ودولياً؟

• لقد كشفت الثورات الشعبية المعاصرة التي اجتاحت عدداً من البلدان العربية والإسلامية، إزدواجية المعايير في المجتمع الدولي، وأن العالم برمته كان يعيش تحت وطأة استغلال بشع للقيم العامة التي تم استباحتها، كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والتعايش ومايتصل بذلك من مفردات كحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحرية التعبير وغيرها.

والسبب الحقيقي وراء تجاهل الإعلام الغربي والعربي الذي تقوده الولايات المتحدة الإمريكية، أنها لا تريد تغييراً سياسياً قد ترى فيه ما يهدد مصالحها الحيوية والإستراتيجية في المنطقة، ولذلك وقفت واشنطن موقفاً معيباً ومشيناً تجاه ما يجري في البحرين، بل تجاوز ذلك إلى سماحها لقوات الجييش السعودي وقوات درع الجزيرة بإجتياح البحرين وهتك سيادتها الوطنية في سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، لم يتم فيها هذا الإجتياح بدون تفويض من مجلس الأمن الدولي، وهو الآخر لم يتخذ موقفاً إزاء هذه السابقة، مما يدفعنا لطرح تساؤلات عدة حول طبيعة الدور الذي تقوم به مؤسسات المجتمع الدولي حيال قضايا العالم ودور الولايات المتحدة الإمريكية فيه .

 

محاولات بائسة لإطالة عمر الحكم

* صدرت أوامر من السلطات الحاكمة في البحرين بحظر الحديث بسوء على شخص "يزيد بن معاوية" من على المنبر الحسيني، ماذا يعني لكم هذا القرار..؟

• نعم؛ لقد صدر مثل هذا الأمر ضمن مجموعة من الأوامر التي صدرت بغرابة هذا العام من قبيل حظر الحديث عن الظلم والإستبداد والطغيان وأية مفردات متصلة بذلك، وكذلك حظر الإشارة الى الأوضاع الداخلية في البلاد وفي خطوات تصعيدية بائسة قامت باعتقال العديد من خطباء المنبر الحسيني ومجموعة من الرواديد وعدد من رؤساء المآتم وقامت بالتحقيق معهم والزج ببعضهم في السجن وأخذ تعهدات من البعض الآخر، سيما الرواديد و رؤساء المآتم، بعدم ذكر ظلم وفساد يزيد وعدم الحديث عن الظلم وفساد وطغيان الحكام بصورة عامة .

وكان هذا من الإجراءات الغبية للسلطة الفاقدة للشرعية في البحرين، حيث ان مواجهة عقائد المجتمع ومحاربة الطقوس العبادية فيه، هي منطقة من الخطورة بحيث يتجنبها عتاة الطواغيت .

وبالفعل؛ فقد مرّ عاشوراء هذا العام في البحرين بروحية تحدٍ كبيرة وتضخمت المواكب الحسينية بشكل كبير، وصار عندنا اجماع وطني منقطع النظير تجاه صون وحماية عقائد الناس وعدم تدخل الدولة في طقوسهم العبادية .

 

* قرار سحب الجنسية عن عدد من رموز المعارضة في البحرين مثل سماحة آية الله المحقق الشيخ محمد سند وآخرين، هل هو محاولة من النظام لإبعاد المعارضين من الساحة أم ماذا؟ أنتم كيف تقرأون مثل هذه الإجراءات؟

• إن قرار إسقاط الجنسية من عدد من شرفاء الوطن وأعلامه، من الفقهاء الكبار كسماحة آية الله المحقق الشيخ محمد السند وآية الله الشيخ الفقيه حسين النجاتي ومجموعة من النشطاء السياسين ومجموعة من المواطنين المدنيين، يأتي في سياق التخبّط الذي يعيشه النظام، والذي بات يجرب كل الوسائل التي يظن أنها تساعده في إخماد الثورة المطالبة بإسقاطه ومحاكمته على كل الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب والوطن.

كما يأتي هذا الفعل لبثّ حالة الخوف والهلع لدى النشطاء السياسين والحقوقيين والمواطنين من أن مشاركتهم في الثورة وفي حركة الإحتجاجات التي تشهدها طرق وشوارع البحرين بصورة يومية، نتيجته قد تكون إسقاط الجنسية هذا بعد أن عجزت القبضة الأمنية وجرائم البطش والترويع ومداهمة البيوت ومطاردة المدنيين في الشوارع والتنكيل بهم أمام العامة والزج بالآلاف في السجن، من أن تحقق ما كانت تسعى اليه السلطة من إخماد الثورة ورجوع الناس الى منازلهم .

أما قراءتنا لذلك، فإن النظام يحاول إضافة الى ما ذُكر، استرجاع الهيبة التي فقدها بفعل الثورة وترديد الشعب بشكل مستمر و راسخ، المطالبة بإسقاط النظام ومحاكمة رموزه على الجرائم التي اقترفوها بحق الشعب وبحق المدنيين، ولكنها خطوة أضافت إلى سجل جرائمه، جريمة أخرى لا تقل بشيء عن جرائمه الآخرى .

ومن المفارقات بأن الولايات المتحدة الإمريكية وبريطانيا قد كانتا من أوائل الدول التي أدانت اسقاط الجنسية وعدّ ذلك من الممارسات المشينة والمعيبة .

 

* هنالك مقولة: بان التغيير يجب ان يتم من الداخل.. هل ترون من دور معنوي انطلاقاً من  الفكر الرسالي – الحضاري، من شعوب اسلامية لنصرة قضية شعب مسلم،  البحرين مثالاً..؟

• لا شك أن التغيير لابد أن يأتي من الداخل، وحتى لو كانت هناك قوى خيّرة هنا وهناك في العالم، لابد للداخل من أن ينطلق لتحقيق طموحات ابنائه وتطلعاتهم، ولكن لا يعني ذلك مطلقا بأن نصرة الشعوب في قضاياها العادلة ليس مسألة هامة وضرورية .

إن الثورة في البحرين تعرضت الى محنة شديدة بسبب الصمت الدولي وتفرج شعوب العالم على ما يجري عليه من بطش وتنكيل .

ونجزم هنا بأن الأنظمة الديكتاتورية لا تزيد في ممارساتها القمعية واستبدادها، إلا عندما لا تجد أحداً في العالم يحاسبها على ممارساتها وانتهاكاتها .

في فكرنا الرسالي؛ لابد للشعوب من أفراد وجماعات لنصرة القضايا العادلة، ونحن نعتقد بأن "الإنسانية"، هي القاعدة الأسياسية التي يقوم عليها الدين الإسلامي، في ضرورة الدفاع ونصرة القضايا العادلة. وفي هذا نستحضر قول سيد البلغاء الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام: "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" .

              

شروط التغيير

* على صعيد الساحة الاسلامية: ما هي الخطوات الاساس باعتقادكم في طريق الاصلاح والتغيير الاجتماعي والسياسي؟

• نحتاج لأية عملية تغيير في المجتمع، الى تضافر مجموعة من العناصر بصورة تكاملية لا بصورة مجتزأة، فعملية التغيير والإصلاح الإجتماعي، هي عبارة عن شبكة متداخلة وتتقاطع فيها التحديات والمعطيات بشكل لايمكن الفصل بينهما، ولذلك فإن من أهم متطلبات التغيير:

 أولا: الوعي بطبيعة متطلبات التغيير ذاته، من صبر وبصيرة وارادة وتحمل وخطة عمل لا تعرف الكلل والتعب .

ثانياً: كما أن لنجاح عملية التغيير، إضافة الى المعرفة بطبيعة متطلبات التغيير، تحتاج الى وضوح الهدف والرؤية من هذا التغيير، والى المكان الذي يراد أن تصل اليه عملية التغيير والإصلاح. ولكي لا يصبح مطلب التغيير هدفا قائماً بذاته ويصير معه كل العطاء مجرد حركة غوغائية عابثة .

ثالثاً: معرفة طبيعة التحديات والمعوقات التي تقف امام التغيير والإصلاح، فهي من أولى الضرورات والمهمات الأساسية لتعيين القائمين على عملية التغيير، من اختيار الوسائل والطرق الملائمة لتجاوز تلك التحديات وصولا بعملية التغير إلى الهدف المنشود .

 

* في الساحة الاسلامية أزمات ومشاكل ثقافية وفكرية وعقائدية على صعيد المجتمع، كما هنالك التصدعات والاسقاطات السياسية على صعيد الحكم .. أيهما الأولى في عملية التغيير؟

• إن عملية التغييرفي المجتمعات البشرية ليست مسألة سهلة، وإنما هي أمر بالغ التعقيد وقد يستغرق المصلحون طيلة حياتهم بإتجاه التغيير والإصلاح، ولكن دون أن يصلوا إلى تحقيق ما كانوا يصبون إليه وراء نهضتهم وجهادهم وتضحياتهم. وتزداد قضية الإصلاح الإجتماعي تعقيداً مع تطور الحياة المدنية، خاصة عندما توظف القوى المقتدرة، كتلك التي تسيطر على الحكم، كل موارد القدرة لديها من أجل هدف مركزي واحد هو المحافظة على فترة أطول للبقاء في الحكم، فتضرب بذلك أية مقومات حقيقية لأي عملية اصلاح تستهدف المجتمع والتنمية فيه، وغالبا ما يدفع المصلحون في المجتمع ثمناً باهظاً لحركتهم الإصلاحية من قبل أهل السلطة والحكم والذي يصل في أقسى المراحل عندما يحقق برنامجهم الإصلاحي خطوات متقدمة على الارض تهدد وجودهم في السلطة يصل  إلى تصفيتهم جسدياً وإنهاء حياتهم .

إن عملية الإصلاح الإجتماعي لا تصبح ذات قيمة حقيقية وواقعية، عندما تقتصر على بعض الشؤون الفكرية والثقافية وأخذ منظومتها كقشور فارغة ليست متصلة بالحياة وتطويرها وتنميتها وإنما كتراث أو ممارسات كهنوتية تنسلخ من الواقع لتحلّق في فضاءات بعيدة ليست لها أي تأثيرات على تضاريس الواقع المعاش وربما تكون تأثيراتها السلبية بطبيعة الحال اكثر خطراً من أي شيء آخر على تصحيح المسارات الخاطئة في حياة المجتمع وتغيير مواطن الخلل والفساد فيه .

جاء الإسلام، كأطروحة حياة متكاملة وتضخ بالحياة في كل جوانبها النفسية والروحية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية ولايوجد في غير القر


ارسل لصديق