الإمام الحسين [عليه السلام] مشروع ثورة
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2012/12/20
القراءات: 1651

لقد شحنت كربلاء إرادة الأمة بالعزيمة الراسخة، بما بلورت من الأحاسيس الخيرة في الإنسان، ذلك أن لهذا الإنسان مخزوناً كبيراً من العقل والإرادة والعاطفة، وهو غالباً ما يرحل عن هذه الدنيا قبل أن يستنفد هذا المخزون الضخم.

ومن أهم أهداف رسالات السماء ومصلحي البشر، إثارة دفائن العقول، وشحذ الهمم، وتحريك المشاعر النبيلة، واستخراجهما من باطن الإنسان إلى واقعه، وهذا ما فعلته ملحمة كربلاء بالتحديد؛ فقد كانت هي القدوة لجهد الإنسان في تفجير مخزونه العقلي والعاطفي.

فعلى سبيل المثال، حينما نقرأ النصوص التي وردت في زيارة الإمام الحسين عليه السلام نجد عبارات مثل: "السلام عليك يا قتيل العبرات، وأسير الكربات" .

فملحمة كربلاء ما زالت تستدر دموع الناس بصورة عامة والموالين على وجه الخصوص، وذلك بفضل مجالس العزاء التي تقام على مدار أيام السنة، لا سيما في شهر محرم الحرام. ثم اننا نتذكر دائماً الحديث الشريف: "ما ذكرت عند كل مؤمن إلا وبكى...."

ومن هنا يحق أن نتساءل: لماذا كان للإمام الحسين عليه السلام مثل هذا الخلود والحضور؟

لقد قام الامام الحسين بنفسه وبأهل بيته واصحابه عليهم السلام، بثورة عارمة ضد الزيف والانحراف والباطل في كربلاء عام 61 للهجرة. ولم تلبث هذه الثورة أن تحولت الى منطلق للثورات في الضمائر، وعلى الواقع الخارجي ايضاً، فلم يعد عليه السلام ذلك القتيل على رمضاء كربلاء، بل ولم تعد عاشوراء تلك الفترة المحدودة من الزمن؛ بل أصبح رمزاً للثورة، وحينما نذكره، تجري دموعنا، وتلتهب مشاعرنا وعواطفنا من حيث نشعر أو لا نشعر.

وهكذا فقد تحول الإمام الحسين عليه السلام من شخص إلى رمز، ومن رمز إلى مسيرة، ومن مسيرة إلى حقيقة ثورية. وعندما نقول إنه عليه السلام كان ثورة، فهذا يعني أن كل قلب سيتفجر بالثورة عندما يرتبط بينبوع الإمام الحسين عليه السلام، فحينما نتذكره، تتداعى في الذهن فكرة الشهادة والبطولة والفداء وكل معاني العمل من أجل الله تعالى والمستضعفين والمحرومين في الأرض، وكلما تجددت ذكرى عاشوراء، تفتحت أبصارنا، وتفجرت طاقاتنا، إذ إن ملايين البشر على امتداد الأرض يتحولون في يوم عاشوراء تحولاً ثورياً يغذيهم بمعاني الثورة خلال السنة كلها.

ومنذ أربعة عشر قرناً مضت وإلى الآن، نجد الناس يستمدون من ثورة الإمام الحسين عليه السلام معاني الثورة والاندفاع والتضحية، مما يدل على أن هذه الملحمة قد تحولت إلى مسيرة، والإمام عليه السلام إلى ثورة، وهذا حدث هام في حياة الناس.

وقد أحصى التاريخ الكثير من الثورات التي قامت بعد عاشوراء، و استمدت حرارتها من كربلاء، إلا انها تنوعت فكانت بعضها بدافع الندم، وأخرى بدافع اخذ الثأر، حتى تطورت هذه الثورات لتصبح من اجل ذلك المشروع الذي ثار من اجله الإمام عليه السلام في مواجهة الظلم والطغيان والتي توجها الإمام عليه السلام بقوله: "هيهات منّا الذلة".

 

التوبة والتوابون

من المظاهر التي نشأت بعد استشهاد الامام الحسين عليه السلام هو الشعور بالندم لعدم نصرة الإمام عليه السلام، وكانت البداية في شريحة من أهل الكوفة، بعد ذلك انتشرت هذه الظاهرة في أهل العراق بصورة عامة، فقد ترك استشهاد الامام الحسين عليه السلام عندهم موجة من الندم.

وكما اسلفنا فقد قامت عدة ثورات على أثر ذلك؛ وكانت أبرزها ثورة سليمان بن صرد الخزاعي المعروفة بـ "ثورة التوابين" والتي انتهت باستشهاده و أنصاره بصورة اليمة ومفجعة. وقد كانت انطلاقة ثورتهم من عند قبره الطاهر عليه السلام و شعورهم بالندم هو الدافع الى التضحية في سبيل الله.

حينما نقرأ خطبة سليمان بن صرد الخزاعي في أصحابه وكذلك موقفهم عند قبر الإمام عليه السلام في كربلاء، نجد ذلك جلياً. يذكر لنا التاريخ أن جحافل التوابين توجهوا مرقد الإمام الحسين عليه السلام، فما رُئي سليمان أكثر باكياً من ذلك اليوم، فترحموا على الشهداء وتابوا عند الإمام الحسين عليه السلام من خذلانه وترك القتال معه وأقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى اصحابه..

وكان من قولهم عند ضريحه عليه السلام: "اللهم ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصديق ابن الصديق، اللهم إنا نشهدك انا على دينهم وسبيلهم واعداء قاتليهم وأولياء محبيهم، اللهم إنا خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا، وتب علينا وارحم حسيناً واصحابه الشهداء الصديقين، وإنا نشهدك انا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه، وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين".

ثم انطلقوا بعد ان كان الرجل يعود الى ضريحه كالمودع له، فازدحم الناس عليه اكثر من ازدحامهم على الحجر الاسود، ثم اخذوا على الانبار .

من هنا؛ كانت ثورة السبط الشهيد منطلقاً لثورتهم، وكان ذلك حال أغلب الثورات حيث كان الثوار يجتمعون عند قبر الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وبعد أن يستلهموا دروس كربلاء، ويجددوا العهد والولاء لسيد الشهداء، ينطلقون لدك معاقل الظلم والضلال والانحراف.

 

ثورة يحيى بن الحسين

وكشاهد آخر على ما قدمنا، نقرأ في صفحات التاريخ أن يحيى بن عمر بن الحسين ذو الدمعة بن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام، جاء الى الكوفة بعد ان قتل المتوكل، وبدأ يتصل بزوار قبر الامام الحسين عليه السلام، وقد كان أغلبهم من الثوريين، فلم تكن زيارتهم مجرد أداء طقوس، إنما كانوا يزورون كربلاء للاتصال ببعضهم البعض ولتجديد الولاء للامام الحسين عليه السلام ولنهجه في رفض الظلم والانحناء للطغاة. وقد تحولت زيارة المرقد الطاهر الى ملتقى لجمع شمل الثوار والمعارضين للدولة العباسية.

وقد اتصل يحيى بزوار قبر الامام الحسين عليه السلام واستجاب له منهم خلق كثير، ورجع الى الكوفـة ونادى بالشعارات المعروفة: "يا لثارات الحسين" و "يا منصور أمت" و سيطر يحيى بن الحسين ذو الدمعة على الكوفة.

 

ثورة أبي السرايا (السري بن منصور)

ولم تكن ثورة يحيى الوحيدة التي استلهمت دروسها من كربلاء، بل هنالك العديد من الثورات في هذا الطريق، فهذا أبو السرايا جاء الى قبر الامام الحسين عليه السلام ليجمع من يرى من الثوار، كما ينقل التاريخ عن رجل من اهل المدائن انه كان عند قبر الامام الحسين عليه السلام في ليلة ذات رعد ومطر، وإذا بفرسان قد اقبلوا فترجلوا الى القبر فسلموا وأطال رجل منهم الزيارة، ثم جعل يتمثل أبيات منصور بن الزبرقان النمري:

------------

نفســي فـداء الحسين يـوم عـــدا

الى المنــايــا عــدواً ولا قافــل

ذاك يــــــوم أنحــى بشفـــــرتـه

علــى سنــام الاسلام والكاهـل

كـأنــمــــا انــت تعجبــيــن ألا

ينــزل بالقــوم نقمــة العـاجــل

لا يعجــل اللـه إن عجلــت ومـا

ربــك عمــا تــريــن بـالغـافــل

مظلــومـــة والنــبـي والـــدهـــا

يديـر بــالارجــاء مقلــة جافــل

الا مساعــــيــر يغضبــون لــهــا

 بسلــة البيــض والقنــا الذابـــل

------------

ثم وثب فقال: من كان ها هنا من الزيدية فليقم اليَّ، فوثبت إليه جماعات من الناس، فدنوا منه فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها اهل البيت عليهم السلام، وفضلهم وما خصوا به، وذكر فعل الامة بهم وظلمها لهم وذكر الامام الحسيـن بن علـي عليهما السلام.

ثم قال: "أيها الناس هبكم لم تحضروا الحسين لتنصروه، فما يقعدكم عمّن ادركتموه ولحقتموه؟ وهو غدا خارجاً طالباً بثأره وحقه وتراث آبائه واقامة دين الله، وما يمنعكم من نصرته ومؤازرته؟ انني خارج من وجهي هذا الى الكوفة للقيام بامر الله، والذب عن دينه والنصر لاهل بيته، فمن كان له نية في ذلك فليلحق بي"، ثم مضى من فوره عائدا الى الكوفة ومعه اصحابه، وقام بثورته المعروفة والتي أحكم سيطرته فيها على الكوفة.

 

آخر ثورة تنطلق من كربلاء..!

نعم؛ إن جميع الثورات التي أخذت مبادئها من ثورة الإمام الحسين عليه السلام كانت تحمل ذات اهداف ثورة الإمام عليه السلام في كربلاء، والتي بينها في خطبته المعروفة بقوله عليه السلام: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي..".

فمن يرى تضحية الإمام عليه السلام في كربلاء من أجل الدين يسترخص ما عنده لأجله، فهل من دمٍ  أكرم من دماء أبي عبد الله التي أريقت في كربلاء؟ وهل من طفلٍ وولدٍ وخيامٍ أعزُ منها لسيد الشهداء؟ وهل من حريمٍ أعظم عند الله تعالى من حُرَم رسول الله؟

وما عسى من يرى تضحيات الإمام في كربلاء أن يفعل حينما يرى الظلم والإضطهاد في بلاده؟ أن لا يثور من أجل قيمه ومبادئه على يزيد زمانه ؟

فهذه الثورات لم ولن تنتهي ـ بإذن الله تعالى ـ حتى تصل الى ثورة المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف، والذي يملأ الأرض قسطا وعدلاً، ويتحقق الوعد الإلهي على يديه الشريفتين، بنصرة من ينصر دين الله، ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: "ولينصرن الله من ينصره"؟

عن الامام الصادق عليه السلام أنه عجل الله تعالى فرجه الشريف، ينزل الى كربلاء ويأتي الى مرقد الامام الحسين عليه السلام ويستخرج منه طفلاً رضيعاً ويرفعه حتى يراه أصحابه، ويقول: أصحابي.. ما ذنب هذا الطفل الرضيع حتى يذبح من الوريد الى الوريد!؟ فيبكي حتى تبتل لحيته، ويبكي أصحابه وينادون بأصوات عالية وحزينة: "يالثارات الحسين"، فيسيرون ويسير الرعب بين أيديهم مسيرة شهر..

وهكذا تنطلق آخر ثورة اصلاحية تملأ الأرض قسطاً وعدلا بعد ان ملئت ظلما و جورا، من كربلاء و يشع النور منها الى كل بقاع المعمورة.

وهكذا يكون الحسين عليه السلام قد تحول من ثائر في سبيل الله الى مشروع ثورة.

-------------

  1- بحار الأنوار، ج98، ص225.

 2- المرجع المدرسي، محمد تقي، التاريخ الاسلامي دروس وعبر، ص61.


ارسل لصديق