زينب [عليها السلام].. نموذج الإيمان والتحدّي للمرأة المسلمة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 2701

حينما فجر الامام الحسين عليه السلام، ثورته المقدسة خذله اكثر الناس لان نفوسهم كانت تعاني ضعف الايمان، وينقصها الاستعداد للعطاء والتضحية، اذ يقول تعالى:"انما يستأذنك الذين لايؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون * ولو ارادوا الخروج لاعدوا له عدة" (سورة التوبة /45-46).

ولم يسرفي ركاب ثورته الا من عمر الايمان قلبه، وتوفر الاستعداد في نفسه، اذ يقول تعالى:"لايستاذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ان يجاهدوا باموالهم وانفسهم والله عليم بالمتقين" (سورة التوبة /44).. وقد شكلت النساء نسبة كبيرة ممن عمرت قلوبهم بهذا الايمان، فكنّ السباقات في قافلة الثورة الحسينية. ولاشك في ان ابرز هذه النساء على الاطلاق هي مولاتنا العقيلة زينب عليها السلام.

 

فضلت السبي على البقاء في البيت

كانت سيدتنا زينب عليها السلام، تعلم بنتيجة الخروج مع الامام عليه السلام، وما سيجرى عليها وعلى سائر النساء. ولعله كان بامكانها ان تجعل ارتباطها بزوجها عبد الله بن جعفر الطيار، و الذي كان مكفوفاً ؛ مبرراً لها في التخلّف عن الثورة، الا انها ومن اجل المشاركة في عملية انقاذ هذه الامة المبتلاة بسلطات الجور والانحراف؛ استأذنته لمرافقة امام زمانها عليه السلام في سفر الثورة الى مصير هي تعلمه، ولان عبد الله هو الاخر كان واعياً ومخلصاً؛ فقد أذن لها وشجعها على ذلك.

ويحدثنا التاريخ ان عبد الله بن العباس، عندما جاء يودع الامام عليه السلام، بعد تصميمه على الخروج للثورة، فقال للامام: "جُعلت فداك ياحسين.. ان كان لابد من المسير الى الكوفة فلا تسر باهلك ونسائك.. فاجابه الامام الحسين عليه السلام، وهو يتنبأ بدور هؤلاء النسوة في اكمال ثورته المباركة قائلا: "شاء الله ان يراهن سبايا.." فسمع ابن عباس بكاء، وقائلة تقول: "يابن عباس..! تشير على سيدنا وشيخنا ان يخلفنا هنا ويمضي وحده..؟!لا والله بل نحيا معه ونموت معه..."

 

الوصيّة على الثورة

فقبيل نهاية المعركة، وبعد ان بقي الامام عليه السلام وحيداً يستعد لملاقاة الله ، ويهيئ نفسه للفوز بالشهادة، استدعى اخته العقيلة زينب عليها السلام؛ فهي وحدها المؤهلة لتكون وصية الحسين عليه السلام على قافلة الثورة ، والجديرة بمواصلة النضال لاكمال المسيرة، فحمّلها الامام الحسين عليه السلام مسؤولية حفظ العيال، وتوعية الجماهير باهداف الثورة، والصمود بوجه الطغاة والظلمة ؛ لزرع الثقة، وبث الشجاعة في نفوس الناس.

فكانت العقيلة في مستوى المسؤولية، وقامت بدورها خير قيام والتاريخ الذي سجل لنا مواقفها الثورية بروعة واكبار، خير شاهد على ذلك.

ورغم كل ما اصابها من مصائب واهوال.. ورغم  فقدها رجال بيتها وتخليفهم صرعى على رمال كربلاء، لم تنكسر وما زادها ذلك الا صلابة على الحق حيث ان تحميلها المسؤولية يقتضي منها ان تكون شُجاعة بكل ما للشجاعة من معنى؛ فهل تمعنّا في شجاعتها حينما قال لها اللعين ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم..! فردت عليها السلام: "الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله، وطهّرنا من الرجس تطهيراً، وإنّما يُفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله ..." . وايضا في ردها على ابن مرجانة حينما قال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟! حيث قالت: "ما رأيت إلاّ جميلاً ! هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجّون وتُخاصمون ، فانظر لمَن الفَلَج يومئذٍ ثكلتك أمّك يا بن مرجانة.." !

وكذلك ما ورد من مضامين التحدي والشجاعة الفذّة في خطبتها المعروفة في مجلس يزيد اللعين. فقد دمّرت فيه جبروت الطاغية، وألحقت به الهزيمة والعار، وعرّفته أنّ دعاة الحقّ لا تنحني جباههم أمام الطغاة والظالمين، وهي تخاطبه قائلة: "...أمِنَ العدل يا ابن الطُّلقاء.. تخديرك نساءك وإماءَك وسوقك بنات رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن، مكتئبات تحذي بهنّ الأباعر، ويحدو بهنّ الأعادي من بلدٍ إلى بلد...، والله ، ما فريت إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك...، مع أنّي ـ والله ـ يا عدوّ الله وابن عدوّه أستصغر قَدرك وأستعظم تقريعك..".

 

العرفان والرضا لله

لقد تجلى العرفان والرضا لله تعالى، عند مولاتنا زينب عليها السلام، بأبهى صوره، فأي قربان قدمت..! وفي أي ظرف وحال كان هذا التقديم..؟

اقول: انه الحسين، ويكفي..! فليس لنا الا ان نشير الى شخصه باسمه مُعرِفاً، فلم يكن مقدراً للكلمات ان تعرفه ولعل خير معرف له ان نقول عنه انه الحسين عليه السلام.

وفي يوم عاشوراء، وما ادراك ما عاشوراء؟! وبأي كلمات تُوصَف؟ ولو استطعنا ان نصف ظواهرها، فهل نستطيع ان نعبر عن احاسيس من كانوا فيها؟! كيف لنا ان نصف احساس العقيلة في ظروف فقدت فيها ائمتها وخيرة خلق الله، وهم اهل بيتها ، حتى لم يبق فيه الا العليل والنساء وعدد من الاطفال، بل وحتى الاطفال لم يسلموا فقتل منهم العشرات بالسيف تارة، وتحت اقدام الخيل تارة اخرى، وعطشا تارة ثالثة. ومع كل هذا تخاطب الله ربها مقدمة قربانها فتقول: "اللهم تقبل منا هذا القربان".

كما تجلّى العرفان والرضا لله، في ردّها على ابن زياد حينما قالت: "ما رأيت إلاّ جميلاً "، ولم تقل ما رأيت في كربلاء فقط إلا جميلا.. بل صرحت باطلاق رؤية الجميل أي انها منذ ان رأت لم تر من الله إلا جميلاً ، في كربلاء وقبلها وبعدها. وفي هذا غاية المعرفة والعرفان، وغاية الرضا بقضاء الله ، والاطمئنان بقدره، وغاية الشكر له سبحانه.

 

تدافع عن العقيدة الحقّة

ولكي تقوم المرأة بدورها الرسالي وبمختلف مجالاته، تحتاج الى منظومة معرفية رصينة، ولعل لنا بالعقيلة عليها السلام أسوة حسنة؛ فلقد دافعت بما آتاها الله من العلم عن العقيدة الحقة؛ ففندت الجبرية في مجلس ابن زياد حينما حاول لعنه الله بقوله لزينب عليها السلام: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟! فحاول ان يوهم الناس شبهة، أنّ كلّ ما يجري من وقائع وأحداث من قتل آل النبي صلى الله عليه وآله، وسبي حرمه انما هو ، تجسيد لإرادة الله وتحقيق لأمره ، فلا يحقّ لأحدٍ أن يعترض على إرادة الله ، وبذلك يحجر الأُمويون وكلّ الطغاة على الأُمّة أن تعترض، أو تنهض وتقوم لإزالة الظلم والجور والطغيان؛ ليتمادوا هم في مُمارسة ما يحلو لهم من اجتراح المظالم والمجازر. فردّت زينب عليها السلام بما آتاها الله من العلم على دعوى ابن زياد فقالت: "هؤلاء القوم كتب الله عليهم القتل، أي:على نحو الأمر الشرعي في القيام ضدّ الحكم الأُموي، وإن أدّى هذا القيام إلى استشهادهم ، فبرزوا إلى مضاجعهم امتثالاً للأمر الشرعي...". وهكذا ابطلت عليها السلام هذا المنطق الجبري، واتّضح بطلانه أمام الناس في مجلس ابن زياد .

وهنا ينبغي على المرأة تنمية مواهبها والاهتمام بمنظومتها الثقافية والمعرفية. فعليها ان لاتنتظر احداً ليعظها ويوجّهها، فالانسان يجب ان يكون المربي الاول لنفسه. وها هو ذا القرآن الكريم موجود بين ايديها، وبامكانها ان تربي نفسها في هذه المدرسة العظيمة، بالاضافة الى الاحاديث والادعـية.

 

الاستمرار في الثورة

لقد استمرت السيّدة العقيلة زينب الكبرى سلام الله عليها، بواجبها الرسالي، امتداداً للنهضة الحسينيّة ، وتجسيداً رائعاً لقيمها الراقية وأهدافها السامية .

فكما ساندت  الثورة ودعمتها مع الامام الحسين عليه السلام، عملت على استمرارها وتأجيجها بعد شهادته عليه السلام، دائما وابدأ، بداية من مجلس ابن مرجانة مرورا بمجلس يزيد، وحتى بعد وصولها الى المدينة ونفيها، ففي المدينة المنوّرة ، أخذت بدورها العظيم تجاه هذه الثورة، بحيث إنّها كانت تُحرّض الناس على أخذ ثأر الامام الحسين عليه السلام، وكانت تخطب بالناس لاجل ذلك ، وأثّرت فيهم، بحيث لم تتمكّن السلطة أن تتحمّل وجودها بالمدينة ، فقامت بنفيها عنها. فقد روى صاحب (أخبار الزينبيات) ، بإسناده عن مصعب بن عبد الله ، قال: "كانت زينب بنت عليّ ـ وهي بالمدينة ـ تؤلّب الناس على القيام بأخذ ثأر الحسين ، فلمّا قام عبد الله بن الزبير بمكّة... وخلع يزيد، بلغ ذلك أهل المدينة ، فخطبت فيهم زينب ، وصارت تؤلّبهم على القيام للأخذ بالثأر فبلغ ذلك عمرو بن سعيد ، فكتب إلى يزيد يُعلمه بالخبر ، فكتب إليه أنْ فرّق بينها وبينهم ، فأمر أن يُنادي عليها بالخروج من المدينة والإقامة حيث تشاء..."

وهكذا تثبت العقيلة زينب عليها السلام للتاريخ وللاجيال البشرية، ان المرأة تستطيع ان تعطي الكثير وان تصنع المعجزات في خدمة قضايا الامة والرسالة اذا ارادت ذلك. والسؤال: هل تريد بناتنا ونساؤنا ان يخدمن قضايا الامة والرسالة؟ اذا كنَّ يردن ذلك فلهن في العقيلة زينب عليها السلام،  قدوة و أسوة حسنة ومثل أعلى يحتذى به.


ارسل لصديق