راية الإصلاح .. مسؤولية للمجتمع و شعار للتقدم
كتبه: محمد علي تومان
حرر في: 2014/11/29
القراءات: 1011

ما أن سقط الإمام الحسين عليه السلام من ظهر جواده ظهر العاشر من محرم الحرام، واستشهد على رمضاء كربلاء، بدأت مسيرة جديدة للإصلاح في تاريخ الانسانية. فهو عليه السلام، تحدّى وضحّى وقدم كل ما عنده، حتى لا تتوقف هذه المسيرة الحضارية التي هي امتداد لرسالات الانبياء والاوصياء عبر التاريخ، وهم بدورهم ضحوا من اجلها وقدموا كل شيء.

ربما يتصور البعض أن تطبيق مفهوم "الإصلاح" الذي رفع لواءه الامام الحسين عليه السلام، توقف باستشهاده، وما موجود هو  استذكار تلك الواقعة التاريخية الأليمة. بينما الحقيقة، إن حبات رمال صحراء كربلاء نقلت لنا صرخات الإمام الحسين عليه السلام، وهو يقول: "ألا هل من ناصر ينصرني"..؟ بمعنى ان الرياح ورمال الصحراء كانت أول المستجيبين لذلك النداء الخالد.

ثم إن الامام الحسين عليه السلام، أكد محورية الإصلاح في نهضته وحركته المدويّة، وهو ما جاء في وصيته الى أخيه محمد بن الحنفية لدى خروجه من المدينة الى مكة قاصداً الكوفة: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً.. وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وابي علي بن ابي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم الظالمين، وهو خير الحاكمين".

من هنا نفهم أن الإصلاح، وسيلة للتنمية والتطوير في كل المجالات الثقافية والإجتماعية والسياسية والعلمية وغيرها، وهي رسالة خير وسلامة موجهة الى الجميع، هدفها الإرتقاء بواقع الأمة وتصحيح المسارات الخاطئة في المجتمع والأمة، وهو يمثل عملية تقويم مستمرة ومراجعة للإخفاقات الحاصلة واختياراً للأفضل.

والسؤال الكبير هنا: أين نحن من الإصلاح الذي ضحى من أجله الامام الحسين عليه السلام، في تلك الملحمة التاريخية العظيمة..؟

من أجل ان نعي الدرس الحسيني جيداً، علينا التوقف عند إضاءات في طريق الإصلاح:

 

أولاً: لا خشية من الإصلاح

البعض ربما يخشى الإصلاح ويخافه، ويشعر بهاجس كبير لدى سماع هذه المفردة، والسر في ذلك، هو الاعتقاد بان الإصلاح من شأنه ان يطيح بكل ما انجزه الانسان وشيده في حياته، واذا خاض هذه التجربة عليه أن يتنازل عن تلك المنجزات وبعض الامتيازات التي حصل عليها، بينما الإصلاح لا يخيف إلا الفاسدين.

جربوا مع شخص طاعنٍ في السن يمتلك داراً فيه عبقٌ من التاريخ، واطلبوا منه إصلاحه وترميمه أو تجديده، سيرفض قطعاً، لأنه يتصور أن هذا الاصلاح سيزيل عن داره ذلك العبق التاريخي..  

هذه الخشية موجودة لدى الجميع، بينما الحقيقة، أن رسالة الإصلاح تدعو الى التقدم والخير لكل افراد المجتمع والأمة، ونطمئن الجميع، إن الإصلاح ليس مخيفاً إنما نبغي تحقيق المصلحة العامة، فهو مع الحاكم والمحكوم، و مع الغني والفقير.. لذا ينبغي ان نتمسك بهذا المبدأ ، والتأكيد على أن الإصلاح للجميع.

 

ثانياً: تقويم الإعوجاج ومكافحة الفساد

تارةً يكون الإصلاح من أجل تقويم حالة إعوجاج في الأمة، وتارةً أخرى، من أجل تقوية حالة وتطوير اخرى. فربما تكون الامة بحاجة الى تصويب و تصحيح، فالاعوجاج لابد من إصلاحه، والتغافل عن هذا الاعوجاج يؤدي الى ضياع العدالة وتفشي الظلم والطغيان .. لنلاحظ من جمعوا الثروات لانفسهم فيما سائر افراد الامة يعيشون الحرمان وشظف العيش، وها هي تونس ومصر، مثالٌ حيّ أمامنا.. فلابد من القول يوماً ما: "من أين لك هذا..."؟! إذن؛ هذه الحالة المعوجّة في الحالة الاقتصادية والمعيشية في الامة، لابد من اصلاحها وتقويمها، ليعيش الناس بأجمعهم في هناء واستقرار.

وهنا مسألة لابد من الاشارة اليها، وهي إن حالات الفساد المالي والاداري الذي صدّع رؤوس الحكومات والانظمة السياسية في بلاد العالم، ولاسيما في بلادنا الاسلامية، لا يمكن معالجتها بالاعتماد على لجان مكافحة الفساد أو إصدار قوانين، أو نشر مراقبين ومفتشين وغير ذلك من الاجراءات الحكومية والامنية وحسب، إنما يحتاج الأمر الى تضامن وتفاعل الشعوب مع هذه الحملة، لتكتمل دائرة المكافحة ويضيق الخناق على الفساد والمفسدين، ولن يبقى لهم مجال في الحياة..

لنلاحظ ظاهرة "الرشوة" في العديد من بلادنا.. هل تتمكن دوائر الدولة وقرارات الحكومة لوحدها، أن تقضي عليها ، بينما يواصل الناس إعطاء الرشوة لهذا وذاك..؟!

من هنا ينبغي على جميع أفراد الشعب ان يرفعوا راية الإصلاح أمام أي مسار خاطئ، و أي حالة فساد في الدولة، وينبغي ان لا تأخذنا في الله لومة لائم، وبهذا نكون قد طبقنا إحدى فقرات مشروع الإصلاح.

 

ثالثاً: الحداثة والتطوير

الإصلاح ليس بالضرورة لوجود حالة فساد، إنما هو يساعد على التطوير ومواكبة الزمن.. فاذا توقفنا على أسلوب معين كان سائداً في السابق، فمعنى هذا أننا سنصاب بخلل في عملنا، مثال وسائل الاعلام والاتصال، ففي السابق كان وسائل الاعلام والاتصال محدودة، ولايمكن لنا إيصال الكلمة الصادقة والرأي المسؤول، إلا الى شريحة محدودة من المجتمع في نطاق جغرافي ضيق، بينما اليوم نلاحظ القنوات الفضائية وشبكة الانترنت جعلت من العالم والكرة الارضية بمنزلة القرية الصغيرة. فاذا تمسكنا بأساليبنا القديمة ووسائلنا البدائية، فمعنى هذا أننا سنتخلف عن ركب الحضارة والتقدم، وبالتالي نكون بحاجة الى إصلاح وتطوير.

كذلك الحال، بالنسبة للقوانين والمؤسسات اذا لم تدخلها الحداثة والتطوير، ستصاب بالهشاشة والضعف ثم التراجع، فلابد من الإصلاح من أجل التعزيز والتطوير، فما موجود هو ايجابي ومكسب مهم، لكن بحاجة الى مزيد من التطوير والتحديث والتقوية.

 

رابعاً: الإصلاح على أساس المبادئ والقيم

في عملية الإصلاح علينا الانتباه الى القاعدة التي يقوم عليها هذا الإصلاح، فاذا كان رصيناً وسليماً ومطابقاً للقيم والمبادئ، سيأتي بنتائج ايجابية، وهذه القاعدة تتشكل من التالي:

 

أولاً: سلامة المنطلقات..

البعض يريد تحقيق الاصلاح بطريقته الخاصة، التي ربما لا تتفق مع القيم والمبادئ، وبالنتيجة تكون منطلقاته غريبة. بمعنى انه بدلاً من أن يتكئ على الدين، يتكئ على الاجنبي لتحقيق الاصلاح والتغيير، كما حصل في ليبيا.. انهم أرادوا الإصلاح، لكن المتكئ والمسند لهم لم يكن الدين، إنما "الناتو"! لذا المنطلق يُعد أمراً ضرورياً، فلا يجب أن يكون الاعتماد الى العامل الخارجي، والإذعان لما يريده الغرب والاطراف البعيدة عنّا، إنما ينطلق من داخل الامة وكيانها، بحيث يشعر الجميع إن هذا الإصلاح نابع منهم ومن واقعهم، وهو جاء تلبية لنداءاتهم برفع الظلم والانحراف ، لذا سيشاركون في عملية الإصلاح.

 

ثانياً: سلامة الوسائل..

ربما يروق للبعض اتباع اساليب معينة من دون مراجعة الشارع المقدس، كما يحصل اليوم سوريا، وتحديداً في منطقة السيدة زينب عليها السلام.. فهل من الاصلاح ان يقصف أناس مقام السيدة زينب عليها السلام بالقذائف والحمم..؟ وهل ان الاختطاف والقتل والتمثيل بالجثث من وسائل الاصلاح..؟ لقد رأى بعض الاخوة في منطقة السيدة زينب مجموعة أكياس على قارعة الطريق، فتحوها وإذا بها تحوي أجساداً مقطعة.. فهل هذا أسلوب للإصلاح والتغيير في


ارسل لصديق