سورة الفلق
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 1981

"بسم الله الرحمن الرحيم"

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

 

• أين نزلت سورة الفلق المباركة؟ و متى؟ و ماهو ترتيبها النزولي و ترتيبها في القرآن الكريم؟

- نزلت هذه السورة المباركة في مكة المكرمة بعد سورة الفيل . ترتيبها النزولي 19، و ترتيبها في القرآن الكريم 113 .

 

فضل السورة

• ما هو  فضل هذه السورة المباركة؟

- هناك روايات كثيرة في فضل هذه السورة المباركة؛نذكر– في ما يلي – إحداها.

فقد روي عن الامام  محمد الباقر، عليه السلام،انه قال:

"من أوتر بالمعوذتين و قل هو الله أحد، قيل له: يا عبد الله  ؛ أبشر، فقد قَبِلَ الله  وِترك"(1)

 

   لماذا الاستعاذة؟

• الكلمات إشارات الى الحقائق، و كلمة الاستعاذة  -التي بدأت هذه السورة المباركة بها -واحدة منها، فماذا تعني الاستعاذه؟ ومتى يستعيذ الانسان بشيء؟ و بمن؟

- يستعيذ الإنسان بشيء عندما يفقد ثقته بنفسه في مواجهة خطر داهم و يظن ان ما يستعيذ به قادر على أن ينجيه مما هو فيه ؛ فيلجأ إليه كما يلجأ الذي يطارده الوحش إلى كهف أو حصن  منيع .

و الإستعاذة حالة نفسية ؛ قوامها الخشية من الخطر  و الثقة بمن يستعاذ به، و هي  – الى ذلك  – ممارسة عملية بابتغاء مرضاة الله  الذي نستعيذ به، و هي – فوق ذلك – الثقة بأنه وحده القادر على درء الخطر  و إنقاذ الانسان.

و قد تكون الأخطار التي يخشى منها الناس مجرد أوهام و ظنون و وساوس شيطانية  . وقد دفعت الحاجةُ البشَر الى التعوذ بالجن و السحر و الأصنام، في حين كان عليهم الإستعاذة بالله الخالق كل شيء.

وهكذا أمر الله بأن نستعيذ به وحده، نرفض الإلتجاء بالأنداد و الشركاء،و نعلن ذلك صراحة، و قال:"قُلْ"يا محمد،صلى الله عليه و آله: إذا كنتم  – أيها الكافرون – تستعيذون بالناس و بالأنداد، بالسحرة و الكهنة و الجن وما أشبه ؛ فانني"قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ".

 

هذا هو معنى الفلق

• الله تعالى رب الفلق، كما صرحت الآية المباركة، و الرب من أسمائه تعالى؛ فما هو الفلق؟

- إختلفوا في تعريف الفلق إختلافاً كبيراً؛ فمن قائل: أنه بئر في جهنم تحترق جهنم بناره – نعوذ بالله منه – الى قائل: بأنه الصبح أو الفجر، أو ما اطمأن من الأرض، أو الجبال و الصخور؛ و لكن القول الأمثل هو القول الأشمل الذي يقول: إن الفلق هو كل ما خلق الله، لأن الله يقول:"أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا"(2)

و رب الفلق: هو الذي فَلَقَ الحبة، و فَلَقَ الصباح، و فَلَقَ الجبال بأنهر، و فَلَقَ السماوات و الأرض، و فلَقَ كل شيء .

 

الخير يغلب الشر

• تأمرنا الآية الثانية من هذه السورة المباركة  بأن نستعيذ بالله تعالى"مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ" ؛فهل يخلق الله –  سبحانه –  شراً و هو الخير المطلق؟! وبعبارة اخرى:هل ماخلق الله خير مطلق ، أم شر مطلق، أم في كل شيء نسبة من هذا و ذاك؟

- صحيح أن الله سبحانه خلق الكائنات برحمته و خلق البشر ليرحمه، و لكن المخلوق يبقى ذاته عدما و عجزاً و نقصاً، و من ذلك العجز تعزيز السلبيات ؛ و لكن يبقى جانب الخير - حيث تتعلق به تجليات الرب و عطاؤه - غالبا جانب الشر، لأن رحمة الله أوسع من غضبه،و فضله أعظم من عدله سبحانه

و قد زود الله كل حي بما يجعله يختار جانب الخير، و يحاذر جانب الشر من نفسه و من الخلق المحيط به. والانسان– بدوره –  مزود بالوحي و العقل و الغريزة لكي يتجنب الشر، و الإستعاذة بالله صورة من صور الحذر من الشرور .

ولا ريب ان تنفيذ واجبات الشريعة المقدسة أحد أهم و أبرز صور الفرار من الشر ؛لأنها تهدينا الى سبل السلام و وسائل النجاة .

 

أخطار الليل

• تأمرنا الآية  الثالثة من هذه السورة المباركة بأن نستعيذ بالله"مِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ"؛  فما هو الغاسق، و ما هو شره؟

- قالوا: الغسق: شدة الظلام، و الغاسق: هو الليل او من يتحرك في جوفه، و الوقب: الدخول؛ فيكون المراد:  من شر الليل إذا دخل .

و الليل يهبط بظلامه و وساوسه و طوارقه، و يتحرك في جنحه الهوام و بعض الوحوش، و ينشط المجرمـــون و الكائدون، و يستولي المرض و الهم على البعض، و تشتد الغرائز و الشهوات في غيبة من الرقابة الاجتماعية، و يحتاج الانسان الى مضاء عزيمة و ثقة، حتى يتغلب على الليل وعلى أخطاره و شروره؛ و هكذا يستعيذ بالله منه.

و قال بعضهم: الليل غاسق لأَنه أبرد من النهار، و لأَن في الليل تخرج السباع من آجامها، و الهوام من أماكنها، و ينبعث أهل الشر على العبث و الفساد.

 

الخشية من السحر

• تأمرنا الآية  الرابعة من هذه السورة المباركة بأن نستعيذ بالله"مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ"؛ فما المراد  بالنفاثات ؟ و ما هو شرها؟

- قديما كانت بعض النساء العجائز يمتهنَّ السحر، و يخدعن الناس و بالذات النساء، و كانت هذه الحالة تبعث الخشية في نفوس الكثير مما اقتضى الإستعاذة بالله منهن.

والنفث هو النفخ، و قيل هو النفخ من ريق، و قيل هو الشر الدائم الشديد.

و قد قال بعض المفسرين: ان المراد بالنفاثات في العقد: النساء اللاتي ينفثن بأفكارهن السلبية في عقد العزيمة للرجال؛  إلا أن أكثر المفسرين رأوا ان المراد بها الساحرات، و هذا قريب من سبب النزول المذكور لهذه السورة المباركة.

 

تحدي السحر

• هل للسحر حقيقة؟ و إذا كان الأمر كذلك ؛ فما هي حقيقته؟

- يبدو أن للسحر حقيقة، و أن حقيقته غير معروفة تماما بالرغم من أن  عوامل مختلفة تتداخل  فيه . مثلا؛ بعض القوانين الطبيعية غير المعروفة للناس قد تكون وسيلة السحر؛ تماما كالزئبق الذي وضعه سَحَرَة فرعون فيما يشبه الحبال فتحركت بحرارة الشمس.  و قد تكون حقيقة السحر  قوة الروح عند الساحر، او استخدامه للأرواح الشريرة.

و أنّى كان؛ فمن غير الجائز الاستسلام للسحر و لتأثيراته، بل ينبغي تحديه بالتوكل على الله و الإستعاذة منه.

 

افتراء اليهود

• و لكن بعض الروايات تذكر بأن أحد اليهود قد سَحَر الرسول الأعظم، صلى الله عليه و آله، فعلاً، و دفع السحر في بئر ؛ فما المخرج من ذلك؟

- هذه الروايات ليست صحيحة لأنها تخالف نزول السورة في مكة، كما أنها تخالف عصمة الرسول الأَعظم،صلى الله عليه و آله، وأنه بريء من السحر.

 

الحاسد ظالم و مظلوم

• و أخيراً ؛ تأمرنا السورة المباركة بأن نستعيذ بالله"مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ"؛ فما هو الحسد؟ و من هو الحاسد؟ و ما هو شره؟

- الحسد هو تمني زوال نعمة الغير  و عدم الرضا ببقائها له، و هو أمر قبيح و خُلُقٌ ذميم؛ لأنه يتعارض مع قضاء الله تعالى و قسمته في عباده .

وقد تكون للأخطار التي تتوجه الى الانسان أسباب معقولة؛ لو تنبه لها استطاع ان يتجنبها إلا الحسد فإن سببه حالة في نفس صاحبه، و من الصعب تجنبه في الوقت الذي يشكل سببا رئيسيا لمشاكل الانسان و للأخطار التي تحدق به . ولكن: هل يعني ذلك التراجع عن العمل وعن الانتفاع بنعم الله، و التقدم، و الرقي لمجرد أن هناك من يحسد ؟ كلا؛ بل ينبغـي الإستعاذة بالله سبحانه و تعالى من الحاسد و بالذات عندما يحسد.

فقد يصرف الله الحاسد عن تحويل حسده الى عمل عدائي تفضلاً منه، لأن الحسد مرفوع عن الانسان إن لم يُظهره بقول او بفعل. ولا يخلو الانسان من حسد؛  إلا أن أغلب الناس ينصرفون عن الحسد الى الغبطة والتنافس لما يعلمونه من ضرر الحسد على أنفسهم قبل ضرره على مَنْ يحسدون؛ فقد روي عن الرسول الأعظم،  صلى الله عليه وآله،  انه قال:

"إذا حسدت ؛فلا تبغ" (3)

و روي عن الإمام الحسن، عليه السلام، أنه قال:

"ما رأيت ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد"(4)

و الحسد كان سبب رفض إبليس السجود لآدم، عليه السلام، كما أنه كان سبب أول جريمة وقعت على الأرض إذ قتل قابيلُ أخاه هابيلَ حسدا.

بين الحسد و الغِبطة

• هل هناك روايات تذم الحسد، وتذكر الفرق بينه و بين الغِبطة؟

- نعم ؛ فقد ورد عن الرسول الأعظم، صلى الله عليه و آله، أنه قال:

"قال الله عز و جل لموسى بن عمران: يا ابن عمران؛ لا تحسدنّ الناس على ما آتيتهم من فضله، و لا تمدّنّ عينيك إلى ذلك، ولا تَتْبَعُهُ  نفسُك ؛ فإن الحاسد ساخط لنعمي، و صادّ لقَسْمي الذي قسمتُ بين عبادي . و مَن يَكُ كذلك ؛ فلستُ منه و ليس مني"  (5)

و ورد عن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، أنه قال:

"إن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب"(6)

و ورد عنه، عليه السلام، انه قال:

"إن المؤمن يغبط ولا يحسد، و المنافق يحسد ولا يغبط"(7)

--------------------

(1) تفسير نور الثقلين، ج 5 , ص 724

(2) سورة الأنبياء، الآية 30 .

(3) تفسير القرطبي، ج 20، ص 259

(4) مطالب السؤول لأبي سالم النصيبي: ص69.

 (5) الكافي للكليني، ج 2، ص 307 .

(6)  تفسير البرهان، ج 4، ص 528 .

(7)  تفسير البرهان، ج 4، ص 528.


ارسل لصديق