(المُحكم والمُتشابه) و إحكام جسور العلاقة مع القرآن الكريم
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 1808

لا يتساوى الناس في مستوياتهم العلمية والمعرفية، وكذا في مستوى ايمانهم وعقيدتهم، وبالتالي لا يستوون في فهمهم للنصوص، الشرعية منها والعلمية.

وانطلاقاً من هذا الاختلاف ترى ان كل علم من العلوم يبتدئ طرح الافكار والموضوعات بصورة تدريجية ومختصرة تتناسب ومستويات المتلقين، ومن ثم تتصاعد المستويات حتى تصل لمخاطبة المتعمّقين في المنهج.

والقرآن الكريم، وهو منبع العلوم والمعارف، وملهَم الإنسان في رؤاه ومسيرته في الحياة، يُعدّ بياناً للناس وبلاغاً لهم، فهو للجميع، كما في قوله تعالى: "هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقين‏" (سورة آل عمران/138)، وقوله تعالى: "هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْباب‏" (سورة إبراهيم/52)، وكذلك مخاطبته لهم بقوله المتكرر: ( يا أيها الناس)، بمعنى أن هنالك تنوعاً في لغة الخطاب، تبعاً لتنوع مستويات المتلقين، في المعرفة والعلم والايمان، لذا نجد في آيات القرآن الكريم درجات مختلفة باختلاف درجات استيعاب المخاطبين، وهذا يدعونا الى التوقف كثيراً عند تعاملنا مع هذا الكتاب الكريم، بهدف الاستنارة به واتخاذه قائداً ومنهجاً للحياة.

لكن، في كثير من الاحيان يحصل إشكال في التعامل غير المدروس، من قبل عامة الناس مع آيات الكتاب المجيد، في محاولة منهم لفهمها والاستفادة منها، فتكون النتيجة غير صحيحة، ولكن القرآن يحل هذه الاشكالية من خلال قاعدة "المحكم والمتشابه"، التي تجعل الانسان بصيراً وعارفاً بمستواه العلمي، قبل التعامل مع الآيات المباركة، فيأخذ بالمحكم، ويترك المتشابه وغير المفهوم للراسخين في العلم، حتى لا يشمله قوله تعالى: "هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ اُخر مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْباب‏" (سورة آل عمران/7)، فتقسيم الكتاب الى المحكم والمتشابه وسيلة لمنع الخوض في تأويل الآيات التي لا يرقى البعض الى فهمها. فيكون القرآن الكريم، سالماً من الاستنتاجات الخاطئة والاستفادات المغلوطة، وفي نفس الوقت يكون مناراً وشمساً مضيئة للجميع.

 

معنى المُحكم والمُتشابه

من خلال الآية يتبين معنى لفظة (المحكم)، بأنه الآية المفهومة، بينما الآية التي تكون أعلى من مستوى فهم القارئ بـ (المتشابه)، وبعبارة آخرى: ربما تكون آية واضحة الالفاظ و بيّنة المعنى لدى الانسان، ولا تحتاج الى تفسير او تأويل، فتكون محكمة، بينما تكون آيات آخرى بحاجة الى توضيح او تأويل فتكون تلك متشابهة لا يجوز لكل من هبّ ودبّ الخوض فيها، فعن الامام الصادقِ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام، فِي حَدِيثٍ قَال: "و الْمُحْكم من القرآن مِمَّا تأوِيلهُ في تنزِيله مِثلُ قَوله تَعَالَى‏ "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏"، و هذا مِن المُحكم الَّذي تأويلُهُ في تنزيله لا يحتاج تَأويله إِلى أكثر من التنزيل...) (1).

وفي حديث آخر يفصّل الامام امير المؤمنين في توضيح المحكم مع بيان الشواهد القرآنية حين يقول: (وَ أَمَّا ما في القُرْآنِ تأوِيلهُ‏ في‏ تنزِيلِهِ‏ فَهو كُلُّ آيةٍ مُحكمَةٍ نَزَلَتْ في تحرِيمِ‏ شي‏ءٍ من الْأُمور المتعارفَة التي كانَتْ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ تَأْوِيلُهَا فِي تَنْزِيلِهَا فَلَيْسَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى تَفْسِيرٍ أَكْثَرَ مِنْ تَأْوِيلِهَا وَ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّحْرِيمِ‏ "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ" (سورةالنساء/23)‏ إِلَى آخر الآية وَ قَوْلِهِ‏ "إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ" (سورة البقرة/173- (وسورة النحل/115)....(2) وهكذا يستمر الامام في بيان الشواهد القرآنية، مما لا مجال لذكر الحديث كاملاً في هذا المختصر. اما المتشابه فعلى عكس المحكم فهو بحاجة الى تبيين وتوضيح من خلال تأويل الآية وتفسيرها، وهذا الامر من شأن الراسخين في العلم.

وبالرغم من ذلك، فان المفروض قبول كل الآيات محكمها ومتشابهها والايمان بها. غاية الامر ان يحيل فهم المتشابه الى من هو أفقه. يقول الامام الصادق عليه السلام: "إن القرآن فيه محكم و متشابه، فأما المحكم فنؤمن به و نعمل به و ندين به، و أما المتشابه فنؤمن به و لا نعمل به"‏.

 

بين المُحكم والمُتشابه

ورب سائل يسأل عن نسبة الآيات المحكمة في القرآن ونسبة المتشابهات فيه!

قبل الإجابة على هذا التساؤل، لابد من بيان ان هناك معاني آخرى للمحكم والمتشابه لا نقصدها بهذا السؤال وهي التالية: القرآن الكريم كله محكم: بمعنى إحكام ألفاظه وعدم وجود خلل فيه، والمراد بإحكامه أيضاً: إتقانه، وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه. قال تعالى: "ألر * كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياتهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (سورة هود/1).

القرآن الكريم كله متشابه: بمعنى أن آياته متشابهة في الحق والصدق، والإعجاز، والهداية إلى الخير. قال تعالى: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ" (سورة الزمر/23).

والآن، وقد اتضح المعنى المراد من المحكم والمتشابه الذي فصلنا الحديث عنه سابقاً، نسأل ثانية؛ عن نسبة الآيات المحكمة ونسبة المتشابهات في القرآن الكريم؟

ذهب البعض الى ان تقسيم القرآن الكريم، الى آيات محكمة وآخرى متشابهة، من خلال وضع بضع مئة من الآيات في خانة المحكمات وترك الباقي في خانة المتشابهات، في حين ان الصحيح هو ما بينه الائمة الاطهار عليهم السلام، بأن المحكم والمتشابه أمرٌ نسبي بين العالم والجاهل، فالآية الواحدة قد تكون محكمة عند البعض ومتشابهة عند آخرين، وهذا معنى قول صادقهم عليه السلام: "المتشابه ما اشتبه على جاهله"، فالجاهل بالآية تكون الآية متشابهةً بالنسبة اليه. ومن هنا فان القرآن الكريم كله محكم عند الامام المعصوم، بينما تكون الآيات متشابهة لدى غيرهم بنسبة فهمهم ومعرفتهم وكذا بنسبة ايمانهم.

يقول سماحة المرجع المدرسي: "والقرآن الحكيم يُسمي الآية المفهومـة بـ (المُحكم) بينما يدعـو الآية التي هــي أعلى من مستوى فهـم القـارئ بـ (المُتشابـه)، ويأمر الناس باتباع المحكم وترك المتشابه.

من هنا نعرف ان الناس ليسوا سواءً في المُحكم والمُتشابه، إذ ان المُحكم الذي يبدو واضحاً عند فردٍ - لانه في مستوى فهمه- يكون مُتشابهاً عند فردٍ آخر، لأنه أعلى من مستواه" (3).

 

مسؤوليات المتدبّر

على المتدبر في القرآن الكريم مسؤوليات تجاه الآيات المتشابهة، تأتي بعد الايمان بالقرآن كله، والعمل بالآيات المحكمة والواضحة منه وهذه الواجبات هي:

أولاً: معرفة حدود العلم، والمعرفة الشخصية بالوقوف عند الآية، وعدم الاستعجال في الخوض في لججها، وان لا يصاب بالغرور فيزعم انه قادر على فهم الآية، الامر الذي سيوقعه في محذور التفسير بالرأي، فيضلّ ويُضلّ الآخرين معه - والعياذ بالله-، ويكون ممن أخبر عنه القرآن بقوله "فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْويلِهِ"، قال الامام الصادق عليه السلام لجابر بن عبد الله الانصاري: ".. يَا جَابِرُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَبْعَدَ مِنْ عُقُولِ‏ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآن‏..) (4).

ثانياً: ان يلتمس من هو أعلى درجة منه لعله يتعلم منه معنى الآية. ولذلك أُمر الناس بالرجوع الى الائمة الاطهار عليهم السلام، والعلماء في فهم الآيات المباركات، ففي الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، في قوله تعالى: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم"، قال: نحن نعلمه ..(5) وقد يصدف ان لا يفهم الانسان معنى الآية – حتى مع التعليم - فعليه ان يدع علمه الى اهله، عسى ان يفتح الله له باب الفهم في المستقبل.

----------------

(1) وسائل الشيعة: ج1، ص399

(2) بحار الأنوار: ج62، ص138

(3) بحوث في القرآن الحكيم: ص27

(4) المحاسن: ج2، ص300

(5) بحار الانوار: ج92/ ص 89


ارسل لصديق