العنف الأسري و البحث عن طوق نجاة
كتبه: المحامي : حيدر عبد الرضا الظالمي
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 1709

إن بناء العلاقة الأسرية على الأسس الصحيحة، التي رفعها الشارع المقدس،هي لضمان ديمومة الأسرة ، ولتحقيق النتائج التي من أجلها حلل الله تعالى ارتباط المرأة بالرجل برابطة الزوجية، بعد أن كانت هذه المرأة أجنبية عليه.

فالإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في الكثير من الاحكام التي تعد مشتركة بينهم، فهي تشاركه في الأحكام العبادية والحقوق الاجتماعية، فلها أن تستقل فيما يستقل به الرجل من غير فرق في إرث و كسب و معاملة و تعليم و اقتناء حق و دفاع عن حق وغير ذلك، الإ في بعض الموارد التي تقتضي طباعها ذلك.

وما يقتضيه العدل الاجتماعي ويفسّر به معنى التسوية ان يعطى كل ذي حق حقه، وينزل منزلته فالتساوي بين الافراد والطبقات انما هو نيل كل ذي حق حقه، وهو ما يشير اليه قوله تعالى:   "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (سورة البقرة/228)

وكذلك توجد الى جانب علاقة الزوج بالزوجة في داخل الأسرة الواحدة، علاقات أخرى أيضا مبنية على أساس الاحترام المتبادل، وعلى أساس الحقوق المتبادلة، والمتمثلة بعلاقة الأخ بالأخت، وعلاقة الأخت مع أختها، والأخ مع أخيه وعلاقة هؤلاء مع الأم والأب.

وغالبا ما نجد اليوم وفي الكثير من المجتمعات ولاسيما العربية، وقوع الكثير من حالات التفكك الاسري والتنافر في ما بين أعضاء الأسرة نتيجة استقواء الرجال على المرأة، وبما لديه من إمكانية جسدية قد أعطاه الله له بالخلقة فيستخدمها  ضد زوجته أو أخته أو أمه.

ولو لاحظنا الحقوق التي أوردها الإمام زين العابدين عليه السلام، في رسالة الحقوق، وما للفرد من حق له على الآخر سواء كان رجلاً أم امرأة تشمل جميع الصور والروابط الاسرية والاجتماعية التي تنتج عنها حقوق و التزامات, لوجدنا أن الإسلام لا يعطي الحق لأي شخص بالاعتداء أو استعمال العنف، أو الإيذاء الجسدي أو النفسي على من هو تحت رعايته أو من تجمعه رابطة الاجتماع الأسري.

وحتى الزوج لا يحق له ضرب زوجته أو إيذاؤها، وحتى الآية القرآنية التي تقول "فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"(سورة النساء/34) فقد جاء في تفسير "مجمع البيان" عن أبي جعفر الباقرعليه السلام، قال: يحول ظهره إليها، وفي معنى الضرب، عنه عليه السلام "انه الضرب بالسواك".

وكذلك الحال بالنسبة لعلاقة الأب مع ابنائه، وما يجب عليه من تقديم واعطاء حقوقهم التي فرضها الله تعالى عليه، بوصفه رب الأسرة والقيام بواجبه الرئيسي وهو  إختيار الاسم الحسن له وتربيته على ضوء القرآن وسيرة أهل البيت عليهم السلام، وتكريس القيم الأخلاقية في نفسه؛ لانه هو المسؤول الأول عن أي انحراف يصيب احد أعضاء الأسرة سواء أكان زوجته أم أبناءه.

ومن المفترض أن لا يتعرض افراد الأسرة في المجتمع الإسلامي، الى التفكك والانحلال، وممارسة طرق العنف في علاقاتهم مع بعضهم البعض؛ لوجود نماذج عظيمة وكبيرة في تراثنا الإسلامي والتي تعد قدوة لكل أسرة، فتجد أسرة الرسول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي كانت تضم العديد من الزوجات، وخاصة أسرته التي ضمت زوجته خديجة وابنته فاطمة الزهراء عليهم السلام، كل ذلك يمثل واحة خضراء من الود والاحترام المتبادل.

وكذلك بيت الامام علي عليه السلام، وكيف تعامل مع سيدة نساء العالمين عليها السلام، وأولاده الحسن والحسين (عليهم السلام) وما وصلت إليه من أعلى درجات الإيثار والاحترام والتقدير، والحقيقة إنّا نعد محظوظين جداً لوجود نموذج متكامل ونابض بالحياة، بامكان أي أسرة مسلمة أن تقتدي به لتجد نفسها قد ابتعدت مسافات عن الازمات والمنغّصات وحتى مخاطر التمزق والانهيار. إنه بيت الصديقة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، فقد اجتمعت فيه شروط التماسك وأجواء الدفء والمحبة وتحكيم القيم الاخلاقية السامية.

ففي رواية عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاءت في مصادر العامة، إنه عندما نزلت هذه الآية الكريمة: "في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويُذكر فيها إسمه"، قام رجل وقال: أيّ بيوت هذه فقال النبي: (صلى الله عليه وآله): إنها بيوت الأنبياء، فقام رجلٌ آخر وأشار إلى بيت علي وفاطمة (صلوات الله عليهما) وقال: أهذه منها ؟ قال النبي: (صلى الله عليه وآله): نعم؛ ومن أفضلها.

أليس من المفترض أن نجعل هاتين الأسرتين وغيرهما من الأسر الإسلامية التي تميزت بأنواع التفاني والإخلاص والحب، قدوة لنا في الحياة، بدلاً أن تصبح أسرنا اليوم يغمرها حالة من حالات التناحر والعداوة والقسوة في المعاملة ؟.

كما أن كثيراً من دول العالم التي تعاني من مشاكل العنف الأسري أصبحت تبحث عن الحلول، لإعطاء الحقوق للمرأة الطفل، وهناك عدة اتفاقيات دولية عقدت بين الدول في هذا المضمار منها اتفاقية حقوق الطفل متكونة من (54) مادة تمنع انتهاك حقوق الاطفال وممارسة العنف ضدهم.

وكذلك (إعلان جنيف لحقوق الطفل) في عام 1924، وكذلك إعلان حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني 1959.

وكذلك الاتفاقية المتعلقة بالاختصاص والقانون المطبق والاعتراف والتنفيذ والتعاون في مجال مسؤولية الأبوين وإجراءات حماية الأطفال الموقعة في لاهاي في 19 أكتوبر 1996. وفي العراق بادر إقليم كردستان  بإصدار القانون رقم (8) لسنة 2011 خاص بمناهضة العنف الأسري، حيث عرفت المادة الثالثة العنف الأسري بـ (كل فعل أو قول أو التهديد بهما على أساس النوع الاجتماعي من شأنه أن يلحق ضرراً من الناحية الجسدية والجنسية والنفسية وسلباً لحقوقه وحرياته، وذلك في إطار العلاقات الأسرية المبنية على أساس الزواج والقرابة الى الدرجة الرابعة، ومن ثم تبنيه قانوناً)

اما المادة الثانية من القانون فقد أعطت بعض الأمثلة على العنف الأسري وهي: (الإكراه في الزواج ، زواج الشغار، وتزويج الصغير، التزويج بدلا عن الديّة، الطلاق بالاكراه، قطع صلة الأرحام، إجبار أفراد الأسرة على ترك الوظيفة أو العمل رغماً عنهم، إجبار الأطفال على العمل والتسوّل وترك الدراسة، الانتحار اثر العنف الاسري، الاجهاض اثر العنف الأسري، ضرب أفراد الأسرة والأطفال والإهانة بأي حجة.

وقد شُكّلت محكمة خاصة بالنظر في قضايا العنف الأسري، والعقوبات التي تصدرها هي غالبا عقوبات مالية، وكذلك الحبس وتتراوح الغرامات المالية من ثلاثة ملايين الى عشرة ملايين دينار عراقي، بحسب الجريمة والفعل المرتكب. كذلك هناك العديد من النصوص المتناثرة في القوانين العراقية، تنصب على بعض الأمور والتي تعّد من أفعال العنف الأسري وردت في قانون الاحوال الشخصية وقانون رعاية الأحداث وقانون العقوبات. ولكن المشرّع مطالب بسنّ قانون مستقل خاص بالعنف الأسري، على غرار ما سنّ في إقليم كردستان، لأنه في الحقيقة ازدادت أعمال العنف الأسري في الفترات الأخيرة ما يؤثر سلباً على واقع المجتمع وبنيته الأسرية، وحماية الأسرة من التفكك والحرص على سلامتها واستقرارها، والبحث عن حلول وعلاجات وقائية قبل وقوع الجريمة.


ارسل لصديق