التكامل .. فلسفة الخلق وغاية الوجود
كتبه: الشيخ معتصم السيد احمد
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 4031

الحالة المنهجية، تقتضي البحث عن فلسفة الخلق والإيجاد، قبل البحث عن فلسفة الإسلام والرسالات، ورغم وجود تداخل بين الأمرين؛ لأن فلسفة الإسلام هي الكاشفة والمعبرة عن فلسفة الخلق والإيجاد، إلا أن العقل الإنساني بذاته يؤمن بوجود حِكمة من الخلق، يراها واضحة وبيّنة، حتى لو لم يكن هناك مذكِّر ومنبِّه لتلك الحكمة.

والمتأمّل في حقيقة الخلق، وما أوجده الله في هذا الكون، يجده في حالة من الانسجام والتكامل في ما بينه. وهذه الحقيقة البديهية تكشف عن ضرورة وجود محور يمثل غاية لهذا الانسجام والتكامل الكوني، وما يصطلح عليه القرآن من تسخير الكون للإنسان، هو تعبير دقيق عن محورية الإنسان لهذا الكون.

وتسخير الوجود، أو محورية الإنسان للكون، تعني أن فلسفة الخلق تتحقق بوجود الإنسان، فلا يكون لهذا الكون معنىً بدونه ، فهو الموجود الوحيد الذي يعي وجوده، كما أنه يجد معنىً لوجود بقية الأشياء، فالفهم الذي يحققه الإنسان العاقل، هو ذاته الفهم الذي يعي حقائق الوجود، ويجعل من وجودها محوراً لذاته؛ فمجرد الحديث عن حِكمة الوجود، هو حديث عن الإنسان، لأنه الموجود الوحيد الذي يجد للحكمة معنىً ويجد لوجوده حكمة.

  فالشمس والقمر وبقية النجوم والكواكب والأرض والهواء والماء.. كلها وُجدت وسُخّرت للإنسان، ما يجعل وجوده بذاته يمثل حكمة وغاية لبقية الموجودات.

ونضرب بعض الأمثلة لمزيد من التوضيح:

1- لو كانت الكرة الأرضية أصغر حجماً مما عليه، لضعفت جاذبيتها، ولقلَّ الهواء في الفضاء، ولتبخر كل ما عليها من الماء، وبالتالي تستحيل فيها حياة الإنسان.

2- أما لو كانت أكبر حجماً مما هي عليه، لازدادت الجاذبية، و لتعثرت الحركة واستحالت معها الحياة.

3-  لو دارت الأرض حول نفسها بسرعة أقل كالقمر – مثلاً- لأصبح النهار 14 يوماً و336 ساعة، وأصبح النهار حَرّاً لا يطاق، والليل برداً لا يطاق.

4- لو أن الأرض اقتربت من الشمس مثل الزهرة، لأهلكتنا الحرارة، ولو أنها ابتعدت، مثل زحل     لأهلكنا البرد.

5- لو كانت قشرة الأرض أكثر سمكاً لامتصت الأوكسجين، ولما وجد الإنسان ما يسدُّ حاجته إلى التنفس.

6-  لو كانت البحار أعمق مما هي عليه، لامتصت المياه الزائدة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ولما وجدت النباتات كفايتها للحياة، ولهلك النبات والإنسان.

7- لو كان الغلاف الجوي أقل كثافة، لأحرقتنا النيازك والشهب، المتساقطة بمعدل أكثر من 150 ألف شهاب ونيزك، في اليوم الواحد.

8- لو زادت نسبة الأوكسجين في الجو، لازدادت قابلية الاحتراق في الأشياء، بحيث تتحول الحرائق البسيطة إلى انفجارات هائلة، ولو قلت نسبة الأكسجين فيه، لاستحال نشاطنا إلى خمول،» الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا « (الفرقان / 2) .

وتسخير الكون هو عنوان آخر لحقيقة التكامل عند الإنسان ؛ فلو لم يكن مسخّراً لكان معوّقاَ لحركة الإنسان وتقدمه ، إذ كيف يتكامل وكل شيء ممتنع أمامه ؟ وبهذا نقترب من فلسفة الخلق الذي وجد لكي يفسح الطريق لانطلاقة الإنسان وتكامله بحيث لا يكون لتكامله حد محدود .

هذه الحقيقة هي الدافع لحركة الإنسان وتقدمه، فالإنسان بما هو إنسان، وبعيداً عن كل اعتبار، نجده ومنذ أن خطت قدماه في هذا الوجود، وهو في حالة من الكدح الدائم لتطوير نفسه ومقدراته، وبناء حضارته، مستفيداً مما جُعل تحت تصرفه، وما تشهده البشرية من تقدم في شتى العلوم والمعارف، لخير دليل على إمكانية تكامل الإنسان وتطوره.

فالجمود والاستسلام والانطواء، مفاهيم تمثل الرؤية المعاكسة لفلسفة الخلق والوجود، ووقوف الإنسان ساكناً أمام ما هو متاح له من إمكانات، يمثل انحرافاً في طبيعة الإنسان الطامحة لكل كمال.

وبناءً على هذه الحقيقة الواضحة، فإنه لا يمكننا أن نجد تصوراً لفلسفة الرسالة، بعيداً عن واقع الإنسان الذي جُعل محوراً وهدفاً للخلق، وإلا يكون الخطاب- حينئذ- أجنبياً عن طبيعة الإنسان وفطرته.

فلو تصورنا أن الإسلام جاء ليمنع الإنسان من التقدم والتكامل، حينئذ لا يكون الدين مجرد دعوة لتخلف الإنسان فقط، وإنما دعوة لموته والقضاء عليه، لأن الحياة لا تعني أقل من القدرة على الاستمرار في المسير.

من هنا، جاز لنا أن نلخص حِكمة الرسالة الإسلامية بقوله عزّ وجلّ: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ « (الأنفال/8) ، ففلسفة الرسالة هي الدعوة لحياة الإنسان، أي الدعوة التي تفتح الطريق أمام مسيرة الإنسان وتكامله.


ارسل لصديق