في ذكرى رحيل نبي الرحمة [ص] ..
الأمة بين الإنقلاب على الأعقاب وجزاء الشاكرين
كتبه: السيد صادق المُدرّسي
حرر في: 2012/12/22
القراءات: 892

تمَسح عَرَق  جبين والدها بل كادت تشاركه وهو منهمك في حفر قبر لم تعلم انه قد جعله قريناً، وحين انتهى من الحفر القاها في القبر ليئدها ووجهه مسود وهو كظيم.. ولم تطفئ صرخاتها جام غضبه بل لم توقد دموعها ضميره، حتّى عاد الى بيته كأنّ شيئاً لم يكن، هذه صورة مظلمة بين عشرات الصور التي صُوّرت بها تلك الحقبة البائدة في الجاهلية حيث الناس راكبون للفواحش آكلون للخبائث متخذون الأخدان عابدون للأصنام، حتی أرسل الله سبحانه و تعالى إلى الانسان و الإنسانية رسولا من أنفسهم بشيرا و نذيرا و داعيا إلى الله تعالى و سراجا منيرا، يدعوهم إلى ربهم بالحكمة و الموعظة الحسنة، عزيز عليه ما عنتوا حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم(1)،فأنقذهم الله مما كانوا فيه، من العبودية للحجر الى الحيّ الذي لا يموت، ومن قوة وسطوة السيف الى قوة الاخلاق والايمان، فحصل ذلك الانقلاب العظيم في النفوس وفي قيم المجتمع المكّي خصوصاً، والعربي في الجزيرة العربية عموماً..

ومذ ذاك، بدأ الانسان يغمره شعور بان نسمة عجيبة تداعب فطرته و أعماق ضميره، كأن شيئاً يزيل الرين من على القلوب، ليكتشف الكوامن ويبين الحقائق التي غيبتها ظلام الجاهلية، وليعرف الانسان إن اعتماد المال والسيف والجاه والسلطة لن يبني المجتمع ولا يحقق السعادة، إنما يؤدي الى الدمار والخراب، بينما الاخلاق والفضيلة والايمان بالله وبكتابه ورسله وسننه، هو الذي يصنع الحضارة المتقدمة والسعيدة. وهذا ما حصل فعلاً على الارض. ولمسه المسلمون بانفسهم، كما لمسه العالم بأجمعه.

وانه ليُدهش كل لبيب، كيف تغير أناس كانوا بالامس يئدون البنات ظلماً و يأكلون الاموال زورا و يعملون الفواحش جهراً، الى أناس يعبدون الله و يقاتلون في سبيله ولا يخافون فيه لومة لائم، وذلك خلال فترة قصيرة –بعمر التاريخ- فحوّلهم نبيهم من الانحطاط الى التحضّر، ومن ثقافة الاستئثار الى الايثار ومن الأخذ الى العطاء و التضحية. فـ "يثرب" أصبحت "طيبة"، وطابت بها قلوب الكثير ممن قطنوها لوجود الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله..؟

ربما يمكن الاستفادة من السؤال نفسه في الإجابة عليه.. إذ إن النبي الأكرم صلى  الله عليه وآله، رغم قوة شخصيته وعظمة رسالته الخاتمة ومنزلته، لم يحدث تغييراً إعجازياً في أهل مدينته ومجتمعه، وهذه هي السنّة الإلهية في الحياة، إنما هو شأنه، شأن المُزن الذي يهبط من السماء، فتستقبله الأرض الطيبة فتنبت نباتاً طيباً، بينما تستقبله الأرض السبخة، فتنبت الأشواك، أو ربما لا تثمر وكأن شيئاً لم يكن..

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله، كقائد متصل بالسماء وبمعجزته الخالدة، أي القرآن الكريم، هو الذي يحدد بوصلة المسيرة الرسالية، ولعل ما يميز ديننا الحنيف عن سائر الأديان، أنه مكرّم بكتاب مجيد، هو كلام الله تعالى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا خلفه، ثم نقل تعالى هذه العصمة، الى نبيه المكرم صلى الله عليه وآله، وقال: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيُ يوحى".. بمعنى ان كلام النبي وسيرته وسلوكه ومجمل حياته، امتداد لكتاب الله ، أو ترجمان أو النموذج الحيّ والناطق للقرآن الكريم. لذا كان الاسلام ينفذ الى القلوب ويتسع في الآفاق يوماً بعد آخر. فكانت لآيات القرآن وقع في القلوب، كما هو حال كلمات الرسول التي كانت تسمو بالمؤمنين الى الخُلق الفاضل وتعرج بهم في رحاب الايمان، فضلاً عن ان وجود القائد الرباني في أي زمان هو ضمان لتقدم الأمة شريطة إتباعه فكان وجود الرسول صلى الله عليه وآله بينهم بذاته رحمة مهداة لو عرفوا منـزلته واتبعوه، فهو سيد المرسلين وخاتم النبيين و لأجله خلقت السموات و الارضون و هو الشافع يوم الدين و به رُحمت أمته بل و الناس أجمعون، فهذان الركنان كانا محور التغيير الاساس في المجتمع آنذاك.

لكن بقيت مشكلة تعدد الفهم والاستيعاب، مما انعكس سلباً وبشكل خطير على مستوى الايمان وحتى الجانب الاخلاقي والسلوكي، إذ أن الاسلام نظام متكامل للانسان والحياة، فأي خلل في الاستيعاب والايمان يترك أثره في مجمل حياة الانسان وشخصيته. من هنا كانت الإرادة الإلهية للإبقاء على وهج الرسالة السماوية أمام الأجيال على مر السنين، وتم هذا في "غدير خمّ"، عندما رفع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، يد علي بن أبي طالب عليه السلام، عالياً وهتف أمام جموع المسلمين بأن "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، ليكون إكمال الدين واتمام النعمة على المؤمنين، وليكون مع القرآن ضمان استقامة الامة و انتهاجها للصراط القويم، لكن أبت الأمور أن تجري على مجاريها وغابت شمس النبوة ليبدأ ليل الظلام الذي لما يزل مهيمناً على العالمين.

  

وحدث الانقلاب..

 أذن الله لرسوله بالارتحال عن الدنيا سنة 11هـ ليدخل الحُزن على قلوب المسلمين، ولينقطع وحي السماء، وليرتحل آخر النبيين.

أذن له بالرحيل تاركاً اهل بيت لم يهنأوا بعده بل تحملوا من الأذى ما لو صُبّت على ايام الدهر لصرن ليالي حالكة. وليكون بعده الانقلاب على القيم و على القيادة الربانية المنصّبة من قبل السماء يقول ربنا تعالى: "وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرينَ" (144آل عمران). وقد جاء في حديث شريف عن الإمام الباقر عليه السلام، في قوله عزّ وجل "سيجزي اللّه الشّاكرين"، ألا و إنّ عليّا هو الموصوف بالصّبر و الشّكر.(2)

ما كان الانقلاب على النبي وتراثه ورسالته، ليحدث لولا الحنين الى الجاهلية وقيمها وتراثها.. فاستحب أناسٌ العمى على الهدى، وطغت المصلحية والنظرة الضيقة مرة أخرى، على مصلحة الأمة والرؤية الحضارية، ففي الساعات الأخيرة من العمر الشريف لنبينا الكريم، تجرأ أحدهم أن يسميه بـ "الرجل"...! وهذه الكلمة الخبيثة، محفورة في جبين التاريخ، لا ينكرها أحد. وهنا نورد شواهد ومعالم من ذلك الانقلاب الذي ما نزال ندفع ضريبته:

1- ما اصطلح عليه بـ "رزية يوم الخميس"، وهي العبارة التي أطلقها أول مرة الصحابي عبد الله بن عباس، التي آلمت قلب كل مسلم يحمل في قلبه ولو ذرة من حب النبي صلى الله عليه وآله، حين حان من النبي صلى الله عليه وآله الخفوق و الأفول، واشتكى شكواه التي توفي فيها و اجتمع عنده المهاجرون و الأنصار، و هو في أخريات أيام حياته، نظر الى أصحابه وأهله نظرة رحيمة، يشاهد في رؤيا الغيب، ما سوف يقع من سماسرة الأهواء و مزلات الأقدام و زلل الآراء، و يرى ما يصيب الامة الاسلامية من مضلات الفتن كقطع الليل المظلم، و من الانحراف الفكري الذي سيقع في الاسلام، و الفرق التي تمزق المسلمين، فأراد أن يكتب لهم كتابا يحفظهم من العثرات، و يعصمهم من الفتن، و يقيهم عن ظلمات الهرج و المرج، فقال: ائتوني بدواة و بيضاء أكتب لكم ما لن تضلوا بعدي أبدا..

فعندئذ أطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفاً أشياعه، فألفاهم لدعوته مستجيبين، و لهتافه ملبين، فوسوس في صدورهم و نطق بألسنتهم، فأخرجهم عن الطريق القويم و الصراط المستقيم، فقال قائلهم: "إنه يهجر..."!! - و العياذ بالله- حسبنا كتاب الله، فكثر اللغط و طال الحوار في البيت، و اختلفوا فيما بينهم فريق يقول: القول ما قال عمر، و فريق آخر يقول: ائتوا بالدواة و البيضاء، فعند ذلك أعرض النبي صلى الله عليه و آله عنهم بوجهه الكريم قائلاً "قوموا عني و إلى الله المشتكى .."(3)

و دلائل تلك الرزية واضحة أن القوم قد حاكوا مؤامرة حتى قبل إرتحال النبي صلى الله عليه وآله، و صمموا على صرف الخلافة عن محلّها الالهي و هو يعني إنقلاباً بكل ما تعنيه الكلمة من معاني.

2- ما جرى في سقيفة بني ساعدة من استدلالات على أحقية الخلافة، كانت تُبرز قيم الجاهلية من الاحساب و الانساب فقال بعضهم مستدلين بأحقيتهم بالخلافة: ان لكم  فضيلة في الاسلام ليست لقبيلة من العرب ... حتى أنجز اللّه لنبيكم الوعد، و دانت لاسيافكم العرب، ثم توفّاه اللّه تعالى، و هو عنكم راض، و بكم قرير عين، فشدّوا يديكم بهذا الأمر، فانكم أحق الناس و أولاهم به‏، فأجابهم آخرون: و نحن عشيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أوسط العرب أنسابا، ليس من قبائل العرب الا و لقريش فيها ولادة.(4)

غافلين أو متغافلين على أن الإسلام قد جعل الفضيلة للتقوى و لا فرق بين أعجمي و لا عربي و لا زنجي ولا ذي عشيرة أو مكانة إلا بالتقوى، فقام رجل من الانصار فقال: يا معشر الأنصار: املكوا عليكم أيديكم، انما الناس في فيئكم و ظلكم.‏(5)

فالمعايير لم تعد إيمانية إنما عادت كما كانت في الجاهلية وقد أباح عن ذلك بكل وضوح "أبو سفيان" حينما بويع الثالث حيث قال: كان هذا الأمر في تيم و انّى لتيم هذا الأمر ثم صار الى عدي فأبعد و ابعد، ثم رجعت الى منازلها و استقر الأمر قراره، فتلقفوها تلقف الكرة ..(6)

3- ما بينته سيدتنا الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الخالدة حينما قالت فلما اختار اللّه لنبيه صلى الله عليه وآله دار أنبيائه و أتم عليه ما وعده، ظهرت حسيكة النفاق -العداوة والضغن- و سمل –خلق- جلباب الاسلام‏ فنطق كاظم، و نبغ خامل، و هدر فينق الكفر، يخطر في عرصاتكم، فاطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين، و للغرة فيه ملاحظين، و استنهضكم فوجدكم خفافا، و احمشكم فوجدكم غضابا، هذا و العهد قريب، و الكلم رحيب، و الجرح لما يندمل‏ فوسمتم غير أبلكم، و أوردتموها شربا ليس لكم، و الرسول لما يقبر بدار، ازعمتم خوف الفتنة أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ‏.(7)

فبين ارتحال النبي صلى الله عليه وآله وحدوث السقيفة و غصب فدك لم يكن الّا اياماً معدودات، لكن أنّى لقلوب استحوذ عليها الشيطان ان تستجيب لنداء الحق وذلك دليل واضح على الانقلاب الذي حدث حين ارتحال الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله.

 

القائد وحيداً

وبالمقابل فإن أمير المؤمنين عليه السلام و هو القائد الرباني و الخليفة بالحق بدأ بمواجهة هذا الارتداد لكنّه بقي وحيداً مع نفر قليل من أصحابه، وفي تلك الفترة الحرجة قام عليه السلام، بجمع القرآن و لا يخفى أهمية ذلك لحفظ الدين و من جهة أخرى قام باستنهاض الناس عبر كلماته التي قالها بمسمع من الناس حيث ذكرهم بمكانته من رسول الله فقال عليه السلام: أنا أحَقّ بهذا الأمر منه ، وانتم أولى بالبَيعة لي وقال  أنا أولى برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيّاً وميّتاً (8).

وأنا وصيُّه ووزيره ، ومستودَع سِرِّه وعِلمِه ، وأنا الصِّدِّيق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، أول من آمن به وصدَّقه ، وأحسنُكُم بلاءً في جهاد المشركين ، وأعْرَفُكُم بالكتاب والسنة ، وأفقهُكُم في الدِّين، وأعلمُكُم بعواقب الأمور، وأذربكم لِساناً، وأثبَتُكم جناناً. فعلامَ تُنازِعونا هذا الأمر؟ اِنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار ، وإلاَّ فَبوءوا بالظُّلم والعدوان وأنتم تعلمون (9).

 من هنا يتضح لنا أن أمير المؤمنين ومعه الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليهما السلام، بيّنوا لنا وللأجيال والتاريخ، المسار الصحيح للرسالة، وأنها يجب أن تصب في جانب الحق والفضيلة والقيم السماوية، لا الاستئثار بالسلطة والتشبث بالدنيا، وهذا بالحقيقة يُعد درساً من دروس أمير المؤمنين عليه السلام، منذ انقطاع الوحي عن الأمة برحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهو أن يختار الانسان طريقه، "إما شاكراً وإما كفوراً". وهذه هي رسالة الإسلام الحضارية الى الانسان والبشرية، لا رسالة العنف والدموية والإكراه. وهذا النهج القويم هو الذي أبقى راية الإسلام خفّاقة في العالم، رغم كل التحديات الكبيرة.

-------------------

1- احمدى ميانجى،على،مكاتيب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم،ج 3، دار الحديث، ايران،قم،الطبعة الأولى1419هـ.

2- تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب، ج‏3، ص: 239

3- مكاتيب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ؛ ج‏3 ؛ ص692

4- السقيفة وفدك، ص56

5- جوهرى بصرى، احمد بن عبد العزيز، السقيفة و فدك، ج1، مكتبة نينوى الحديثة

6- المصدرالسابق،

7- السقيفة و فدك، ص141

8- السقيفة وفدك، ص60

9- مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج26، ص341


ارسل لصديق