نبكي يوم مولده
كتبه: علي جواد
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 950

ما الذي يدفع الآلاف من الناس لترك بيوتهم، والتخلّي عن راحتهم واستقرارهم، وإطلاق صرخات التنديد والاعتراض في الشوارع والميادين ضد السلطات الحاكمة في هذا البلد الاسلامي وذاك، سوى نار الظلم الذي يكتوون به، وهم اضافة الى ذلك، يندبون سوء عاقبتهم مع حكامهم، عندما ضاعت منهم قيمة «الرحمة» التي بشّر بها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله، فهو منذ أن تحول الى أحد أعضاء المجتمع المكّي، وهو في ريعان شبابه، كان مظهراً للرحمة والفضيلة والخلق الرفيع، حتى جاءت الشهادة من نفس هذا المجتمع الجاهلي العابد للأوثان، واصفاً إياه بـ «الصادق الأمين». وبعد بعثته نبياً ورحمة للعالمين، جسّد هذه القيمة، لتكون ملموسة عند المجتمع، والانسانية على مر الأجيال.. لنا أن نلاحظ هذا المشهد ويكفينا مثلاً ساطعاً؛ نبينا الأكرم يخرج من مكّة ليبتعد عن جهالة وحثالة الجاهليين، الى «الطائف»، بيد أن هناك تتحرك أذرع الشرك والكفر، لتدفع البعض من الناس بإلقاء الحجارة على النبي حتى باتت الدماء تنزف من بدنه الشريف ويسيل الى قدمه الشريفة، فماذا يكون موقف أي انسان إزاء هذا العمل الشنيع والعدواني..؟ لنر نبينا الأكرم ماذا فعل..؟ رفع يديه الى السماء قائلاً: «اللهم أغفر لقومي إنهم لا يعلمون». طلب السماحة والغفران لقومه وأمته، ثم ايجاد التبرير لعملهم.

هذا الدرس كان خاصاً لأولئك الذين لم تصلهم رسالة السماء، لاسيما وأنه تفصلنا عن تلك الحادثة وغيرها كثير، اكثر من أربعة عشر قرناً، أما اليوم، فأينما نجول على البلاد الاسلامية، نسمع بـ «الأمة الاسلامية»، وهي نفسها التي رحمها الرسول الكريم، ولم يعلمها دروس العقاب والانتقام والقسوة والعنف، نجدها اليوم تتخندق ضمن جماعات وأحزاب وتيارات، وهي ترفع شعارات اسلامية، طويلة – عريضة، عن الإصلاح والتغيير والتطوير و... لكنها تخفي مشاهد الدم والدمار، أما التمويل، فهي الكارثة العظمى، حيث توجه ثروات الشعوب المسلمة، وهي بمئات المليارات من الدولارات، الى تلك الجماعات والتيارات، بدلاً من أن تصل الى أفواه الجياع، وتكون لهم سقفاً وعاملاً للاستقرار والأمن.

وما يحزّ في النفس حقاً، أن تشاهد «أمة محمد» الأمة الأخرى الى جانبنا، وهي ترفع شعارات ومفاهيم متخمضة من قيمة «الرحمة» الاسلامية.. لنلاحظ المؤسسات الدولية بأسماء مثل: «منظمة حقوق الانسان»، و «منظمة العفو الدولية»، واسماء كثيرة اخرى، تدافع عن الطفل والمرأة، بل تعدّوا في تبني هذه القيمة المقدسة، الى إنشاء منظمات «رحمة» خاصة بالحيوان..! وإذا ما لاحظوا بلداً يتعامل معهم ويمارس أعمال تنافي «حقوق الانسان»، يسارعون الى فتح «سجل حقوق الانسان» الخاص به، ليروا كم نقطة سوداء فيها، و يوجهوا اليه الادانات والاتهامات، وهذا يتأكد اذا كان الأمر يعنيهم ويمس مصالحهم.

في هذا الحيّز المحدود، من الصعب اختيار مثل عن عدم احترامنا قيمة «الرحمة» في تعاملنا فيما بيننا، افراداً وجماعات ودول، ونحن ندين بدين واحد، ونقرأ كتاباً سماوياً واحداً ونصلي الى قبلة واحدة، ثم لدينا نبي الرحمة الخاتم، وهو أفضل وأعظم شخصية عرفتها البشرية، بإقرار واعتراف المفكرين الغربيين. «لكن ما لا يدرك كله لا يُترك جلّه»، نذكر قصة ذلك العالم الذي قضى في السجون الافغانية طيلة ثلاثين عاماً، إبان الحكم العميل لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، ولم يتحدث أو يسمع عنه أحد، ولم يطالب أحد بإطلاق سراحه.. إنما الصدفة أو المشيئة الإلهية التي جاءت رحمةً له، وتم الافراج عنه، بعد حصول نزاع بين الدولة الافغانية ودولة اخرى، فكان ملف «الشيخ بهلول» وسيلة ضغط وتشهير بالحكومة الافغانية. وربما لولا هذه القضية، لمات هذا الشيخ الطاعن في السن في أقبية السجون المظلمة، دون أن يشعر به أحد.

رب مطالب بأن تكون هذه النصيحة موجهة للحكّام، من وزراء ورؤساء ومدراء و...، لكن هؤلاء الذين نشاهدهم خلف الطاولات الكبيرة وبين السيارات المصفحة والحماية، كانواً يوماً ما افراد عاديين في المجتمع، يمارسون حياتهم وأعمالهم التي جزء منها يصطبغ بصبغة الظلم والجور، وقد حملوا هذه الصبغة مع صفات أخرى الى مناصبهم الحكومية العالية. بمعنى أننا جميعاً مطالبين، بدلاً من أن نشكو ونندب واقعنا السيئ، أن نراجع سلوكنا ومنهجنا، ونحاول جاهدين ان نطابقه مع سلوك ونهج نبي الرحمة صلى الله عليه وآله.


ارسل لصديق