من وحي رسالة المنقذ الخاتم صلى الله عليه وآله..
الحوزات العلمية و وحدة خطاب الأمة
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/11/29
القراءات: 973

أين كانت البشرية اليوم لو لم يبعث الله فيهم رسلاً من انفسهم يتلون عليهم آياته ويزكونهم ويعلمونهم.. أو لم يكونوا في ضلالٍ مبين؟

أنّى لهم الهدى وقد قادتهم أهواؤهم الى ذلك التيه البعيد، بالرغم من كل الرسل وأوصيائهم والربانيين والشهداء من تابعيهم، وما قدموا من عطاء وما تحملوا في الله ومن أجل إنقاذ البشرية من أذى.. حقاً تلك كانت نعمة كبرى منّ الله بها علينا، فقال سبحانه: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (سورة آل عمران/ 164)، واكتملت مسيرة الرسالات الالهية بنبوة خاتم الأنبياء وسيدهم محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

إن كل من وقف أمام الشخصية الفذّة للرسول المنقذ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كأفخر وأروع شخصية في الحياة، ثم تأمل في سيرة هذه الشخصية، انبهر بها أيما انبهار.

إن العالم بين القرن الرابع والخامس بعد ميلاد المسيح عليه السلام، كان أحوج ما يكون الى رسالة.. والى رسول، فقد كان عرب الجاهلية يئدون البنات ويقولون: (نعم الصهر القبر). ويكثرون الحرب، ويحسبونها مفخرة للإنسان، ويؤمنون بالخرافات والكهّان والعرافين، ويعبدون الأصنام، واستساغة الظلم والتجاوز على الحقوق، فهناك طائفة من المستغلين الذين لا يعرفون للطمع حدوداً، ولا للاستغلال قيوداً، وهناك طا mئفة من الكادحين الذين تستنزف جهودهم، وتستثمر قواهم بأبشع ما يكون، وهذه سائر مناطق الارض في مملكة الروم، وفي إمبراطورية الفرس، شاع فيها الفساد والعدوان، وكثرت فيها الفواحش والموبقات.

وهؤلاء حكماء العرب الذين يطلعون على الكتب السماوية مثل، ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث، وغيرهم، يبشرون بنبي يبعث، وينقذ الانسانية من هذه الهاوية السحيقة.

وهؤلاء يهود يثرب يتطاولون على العرب بنبي يبعث فيهم ويأتي بكتاب عظيم، ويخضع لدعوته العالم، فيصبحون أعزاء في الحياة.

وهؤلاء الكهنة والعرافون ينتظرون النبي الذي يكون خاتم النبيين وسيدهم.. فمن هذا النبي – يا ترى – ومتى يبعث؟!

هنالك، وفي بيت خديجة – بمكة وفي ارض الحجاز – عرف رجل لم يشترك في باطل قط، ولم يعزف عن حق قط ولم يعرف الإثم جنابه، ولا غاب الخير والصلاح عن رحابه.(1)

إن هذا الرجل تجتمع فيه جميع مؤهلات الرسالة.. وكل ما ذكر في الكتب من علائمها، فهو من أعرف العرب فخراً ومجداً، ومن أسمى أسر العرب شرفاً وكرماً.. وهو أحسن الناس خلقاً، وأفضلهم عملاً، وأقربهم الى الحق وأبعدهم عن الباطل.

وهكذا بُعث النبي بالرسالة.. وابتدأت مرحلة جديدة من حياته الكريمة، حيث لم يعد الانسان الطيب الذي يعمل المعروف فقط، ويؤدي الأمانة ويصدق الحديث، ويعيل الأقرباء، بل أصبح الآن البشير النذير الذي يحمل على كتفه مسؤولية قيادة الإنسان الى كل خير، وصيانته من كل شر، وبناء «أمة» موحدة ومتماسكة، قال عنها الباري عز وجل: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (سورة آل عمران/آية 110)

عن فلسفة البعثة وخطابها ومسؤوليتها يقول مولى الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «وأصطفى سبحانه من ولد (آدم) أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءهُ ليستأدوهم ميثاق فطرته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم آيات المقدرة من سقفٍ فوقهم مرفوع ومهادٍ تحتهم موضوع ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم وأوصاب تهرمهم وأحداث تتابع عليهم ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسلٍ أو كتاب منزل أو حجة لازمة أو محجة قائمة، رسل لا تقصّر بهم قلّة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم من سابق سمّي له من بعده أو غابر عرفه من قبله على ذلك نسلت القرون ومضت الدهور وسلفت الآباء وخلفت الأبناء، الى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله، لإنجاز عدته وإتمام نبوته مأخوذا على النبيين ميثاقه %


ارسل لصديق