الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، في ذكرى مولده الميمون
أخلاق كريمة لحياة الإنسان
كتبه: ناصر محمد باقر
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 2236

إذا كانت صفة القيادة تشكل الطابع الغالب على شخصية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما دعا الباحثين والمؤرخين لسبر غور هذه الشخصية العظيمة وتحليل هذه الصفة على أكثر من صعيد مثل السياسة والمجتمع، فان صفة الأخلاق الكريمة التي كانت تتجلى بأروع صورها في شخصيته صلى الله عليه وآله وسلم، لهي بحق تشكل القاعدة والمنطلق الذي جعل هذه الشخصية ذات جاذبية خاصة يتعذر على أحد تجاوزها دون أن تترك عليه آثاراً من الإيمان تارة أو الرهبة والإكبار تارة أخرى.

وفي ذكرى مولده الشريف الذي يشكل حدثاً نوعياً ونقلة فريدة في تاريخ البشرية، لا يسعنا المقال أن نعدد ونأتي على تأثيرها على الجانب الهام في شخصيته صلى الله عليه وآله وسلم، على الرسالة ومديات انتشارها وأيضا انتصارها وبالتالي تجذرها في العديد من الأمصار والبلاد، حتى اضطرت رموز سياسية واجتماعية في الغرب المسيحي اليوم للإقرار بقوة الدين الإسلامي وسرعة انتشاره بالرغم من الهزائم السياسية والإخفاقات الثقافية وحتى التراجعات الحضارية؛ كل ذلك لم يمنع من أن يكون الدين الإسلامي الأجدر والأفضل بين الأديان والمعتقدات في العالم -وما أكثرها- في الاعتناق والتبني، وذلك بفضل الجوانب الأخلاقية المضيئة فيه والتي تحرك وتوقظ المشاعر الإنسانية.

هناك مصاديق وشواهد عديدة من أخلاق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وطريقة تعاطيه مع مجتمع الجزيرة العربية في بدايات الدعوة، وهو في ذلك يقدم لنا صلى الله عليه وآله وسلم، دروسا للأجيال والحضارة، وسنأتي على بعض الشواهد على شكل عناوين بما يسعنا المقال عسى أن يوفقنا الله لتطبيق تلك الشواهد والمواقف على واقعنا الحاضر..

 

* الرفق

عن زيد بن ثابت قال: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كنا إذا جلسنا إليه، إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وان أخذنا في الدنيا أخذ معنا، وان أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا».

وفي أدبه مع قومه كذلك ما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) في حديث له: «وما صافح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أحداً قط، فنزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث، فانصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف، وما نازعه أحد الحديث فيسكت، حتى يكون هو الذي يسكت وما رؤي مقدما رجله بين يدي جليس له قط».

ومن مصاديق رفقه بالأمة ومعاملته لها بالحسنى ما رواه يونس الشيباني قال: «قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف مداعبة بعضكم بعضا؟ قلت: قليل، قال (عليه السلام): فلتفعلوا، فان المداعبة من حسن الخلق، وانك لتدخل بها السرور على أخيك، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يداعب الرجل يريد أن يسره».

وكان صلى الله عليه وآله وسلم، يفشي السلام بين الناس، فيسلم حتى على الصغير والمرأة منهم، عن أنس بن مالك قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مر على صبيان فسلم عليهم»، وعن أسماء بنت زيد قالت: «إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مر بنسوة فسلم عليهن».

 

* التواضع

صفة التواضع بقدر ما هي قاعدة لتطبيق أحكام عبادية كذلك هي تعبير عن أحدى صيغ التعامل الفاضلة بين الناس لتوحيد الكلمة وجمع الصفوف وإشاعة الود والوفاق بين أبناء الأمة وإشعارهم بالكرامة وإلغاء أي تعالٍ ولأي سبب من الأسباب من واقعهم.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بقدر ما يحث على التزام فضيلة التواضع في التعامل والعلاقات الاجتماعية، فانه من ناحية عملية كان المتواضع الأول في دنيا المسلمين، تجسد هذه الحقيقة سيرته العظيمة مع الناس.

عن الإمام الحسن (عليه السلام) في حديث له حول أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «لا والله ما كان تُغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان ولا يراح عليه بها..

ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى نبي الله لقيه، كان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف بعده، ويلعق والله يده صلى الله عليه وآله وسلم،».

 

* الحلم

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في فضيلة الحلم والعفو عن المسيء نموذجاً رائعاً كسائر صفاته الأخلاقية الأخرى، فهو لا يعرف الغضب الا حين تنتهك للحق حرمته، فحينها لا يقوم لغضبه شيء حتى يهدم الباطل ويزهقه، أما سوى ذلك فانه أنأى الناس عن الغضب، أحلم إنسان عن جاهل لا يعرف أدب الخطاب، أو مسيء الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ذاته أو منافق يتظاهر بغير ما يبطن ونحو ذلك.

وحلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعفوه لا تتكشف عظمتهما الا إذا تذكرنا من أنه إنما يعفو مع القدرة على العقاب بما يملك من قدرة على ذلك، فهو في وضع يمكنه من أن يقتص من كل مسيء، إذ هو رئيس الدولة وهو المطاع في قومه الى حد لا يوصف، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حليماً في كل المواقف، والأحوال الا موقفا ينتهك فيه الحق، فإنما هو القصاص والرد العادل على المعتدي.

ولعظمة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، في حلمه وعفوه عمن أساء إليه، تراه وكأنه الحلم قد تجسد بشرا سويا وهذه بعض الشواهد من حلمه صلى الله عليه وآله وسلم:

عن جابر بن عبد الله (ره) قال: «ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جعل يقبض للناس يوم حنين من فضة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا نبي الله اعدل!، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم،: ويحك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ فقد خبت إذن وخسرت إن كنت لا أعدل!، فقام عمر فقال: الا اضرب عنقه فإنه منافق؟، فقال صلى الله عليه وآله وسلم،: معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي».

 

* الصبر

عند دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في مرحلة الدعوة يعيش طرفا من قوة صبره وعظيم تحمله وهو يواجه الاضطهاد والتعذيب والإيذاء والتجويع والسخرية والردود القبيحة والتهم والافتراءات، إذ تحمل كل ذلك وسواه بصبر وإباء وهمة عالية تتصاغر عندها همم الرجال.

وبمقدور المرء أن يقدر مدى صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا أخذ بنظر الاعتبار ان معاناته لأذى قومه دامت ثلاث عشرة سنة دون توقف، بل كانت تزداد طرديا مع نمو امتداد الرسالة المباركة داخل المجتمع وتزايد قواعدها فيه.

ولم يكن الأذى مقصوراً على شخص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يومها، بل إن الذي ناله من الاضطهاد والعذاب تعرض له أصحابه كذلك بيد انه كان يثبتهم على الحق ويدعوهم الى الصبر والثبات ويشحذ هممهم لمواجهة المحنة حتى تمر؛ فهو يمر على آل ياسر في ساحة التعذيب ويثير فيهم روح الصمود «صبراً آل ياسر، فان موعدكم الجنة».

ويحرض الدعاة السابقين على المواجهة والتزام الحق فيقول: «قد كان من قبلكم لتمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت ما يخاف الا الله عز وجل ولا يخاف الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».

 

* الرحمة

لقد ألف الانسان عبر تاريخه ان ساسة الأمم وقادة الحروب تغلب على نفوسهم القسوة وجفاء الطبع – غالباً- بيد أن رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، كان بعيدا عما اتسم به هذا الفريق من البشر، فان كان صلى الله عليه وآله وسلم، شديداً الى أقصى حدود الشدة، وقويا الى أبعد مدى للقوة، وحازماً الى أبعد حدود الحزم، كل ذلك حيث يتطلب الموقف شدة وقوة وحزما، وهو في الصبر، كذلك، كان قمة في الشجاعة، يطأطئ الأبطال رؤوسهم بين يديه إكبارا لشجاعته، غير أنه مع هذا وذاك يحتل القمة في رحمته كما في سائر أخلاقه.

ومن هنا فانه لأمر عادي أن تجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعيناه تفيضان دمعا، وهو يبكي رحمة لمريض يعاني من علته، أو فقيد افتقد أو يتيم فقد أباه.. بل ان نفسه العظيمة تتفجر رحمة حتى للحيوان إذا نزل به ظلم، وهذه بعض مصاديق رحمته صلى الله عليه وآله وسلم،:ـ

عن معاذ بن جبل قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الى اليمن، فقال: يا معاذ إذا كان في الشتاء فغلس بالفجر، واطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تمهلهم، فإذا كان الصيف، فأسفر بالفجر، فان الليل قصير والناس ينامون فأمهلهم حتى يداركوا».

وفي الختام لا يسعنا الا القول بان الصفات الأخلاقية التي كان يتحلى بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في حياته وفي وسط ذلك المجتمع إنما هي دروس لنا يمكن اختصارها بكلمة واحدة هي: إن الأخلاق الكريمة والفاضلة ضمانة لحياة الانسان الطامح للحياة الكريمة والناجحة، وقد أرسى صلى الله عليه وآله وسلم، هذه المعادلة في الحياة إذ من دون الأخلاق لن تقوم لمجتمع قائمة.


ارسل لصديق