في ذكرى مولد الهادي البشير
رسالة الخاتم.. ضمانة لمسيرة التقدم البشري
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 1566

كان الظلام مخيماً على العالم، وكانت الأصنام تعبد جهراً بفعل الانحرافات الجاهلية، وكانت البشرية غارقة في الضلالة، وقوى الاستكبار هي سيدة الموقف في كافة أنحاء الأرض، و المستضعفـون يرزحون تحت نير السلطات الطاغية، و الأقوياء والأغنيـاء يفرضـون منطـق القـوة، وشريعـة الغاب في كل مكـان.

وفي الجزيرة العربية كان شعار الناس الخوف، ودثارهم السيف، وحياتهم مليئة بالتعاسة والمآسي. فقد كان وأد البنات أحد ملامح الحياة الاجتماعية في الجزيرة العربية آنذاك. وكانت القبائل تهاجم بعضها البعض، و كان الهجوم يتم عادة بالمكر والخداع، حيث يباغتون الناس وهم نائمون من دون سابق إنذار، وربما من دون أي سبب، فيحتلون موقعهم، ويأخذونهم أسرى. وهكذا كانت البشرية غارقة فـي مستنقع الجهل والضلالة، والأجواء مشحونة بالفرقة والعداء.. حقاً إنه لواقع مهول وبشع.

 

تباشير الهداية والخلاص

إزاء هذه الأوضاع أبت رحمة اللـه -عزوجل- إلا أن تبعث للبشرية منقذاً وهادياً، وبشيراً، وسراجاً منيراً؛ فكان زواج عبد الله بن عبد المطلب بآمنة بنت وهب والدّي رسول الله صلى الله عليه وآله، فأرسلت السماء ومضات لبشارة الهداية والخلاص، فتباشر الكون به، وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه، فقد جاء في كتاب فضائل المعصومين عليهم السلام، قال «الواقدي»: فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله، شهر واحد في بطن أمه و نادت الجبال بعضها بعضاً و الأشجار بعضها بعضاً و السماوات بعضها بعضاً، يستبشرون و يقولون: ألا إن محمداً قد وقع في رحم أمه آمنة، و قد أتى عليه شهر واحد، ففرحت بذلك الجبال و البحار و السماوات و الأرضون، فلما أتى على رسول الله في بطن أمه شهران أمر الله تعالى مناديا في سماواته و أرضه ينادي في السماوات و الأرض و الملائكة أن استغفروا لمحمد صلى الله عليه وآله، و أمته، كل هذا ببركة النبي صلى الله عليه وآله، فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله، في بطن أمه ثلاثة أشهر، كان أبو قحافة راجعا من الشام، فلما بلغ قريباً من مكة وضعت ناقته جمجمتها على الأرض ساجدة، و كان بيد أبي قحافة قضيب فضربها بأوجع ضرب، فلم ترفع رأسها و إذا بهاتف يهتف: لا تضرب يا أبا قحافة من لا يُطيعك.. ألا ترى أن الجبال و البحار و الأشجار سوى الآدميين سجدوا لله فقال: أبو قحافة يا هاتف..! و ما السبب في ذلك؟ قال اعلم أن النبي الأمي قد أتى عليه في بطن أمه ثلاثة أشهر...فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله، أربعة أشهر كان زاهد على الطريق من الطائف، و كان له صومعة بمكة على مرحلة، فخرج الزاهد و كان اسمه حبيباً فجاء إلى بعض أصدقائه بمكة فلما بلغ أرض الموقف و إذا بصبي قد وضع جبينه على الأرض و قد سجد على جبهته قال حبيب فدنوت منه فأخذته و إذا بهاتف يهتف و يقول خلّ عنه يا حبيب.. ألا ترى إلى الخلائق من البر و البحر و السهل و الجبل قد سجدوا لله شكرا لما أتى على النبي الزكي الرضي المرضي في بطن أمه خمسة أشهر و هذا الصبي قد سجد لله شكرا؟ فلما أتى على رسول الله في بطن أمه ستة أشهر خرج أهل المدينة و اليمن إلى العيد، و كانوا يذهبون عند شجرة عظيمة يقال لها ذات أنواط و هي التي سماها الله في كتابه «وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى»، فذهبوا في ذلك العيد و أكلوا و شربوا و فرحوا و تقاربوا من الشجرة و إذا بصيحة عظيمة من وسط الشجرة و هو هاتف يقول: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (سورة الحديد /28)، و قال يا أهل اليمن و يا أهل اليمامة و يا أهل البحرين و يا من عبد الأصنام و يا من سجد للأوثان جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا... ففزعوا من ذلك و انهزموا راجعين إلى منازلهم متحيرين متعجبين من ذلك... فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله، في بطن أمه سبعة أشهر جاء سواد بن قارب إلى عبد المطلب فقال له اعلم يا أبا الحارث أني كنت البارحة بين النوم و اليقظة فرأيت أبواب السماء مفتحة و رأيت الملائكة ينزلون إلى الأرض ومعهم ألوان الثياب، يقولون زينوا الأرض فقد قرب خروج من اسمه «محمد»، فقلت لبعض الملائكة من هذا الذي تزعمون فقال ويحك هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فهذا ما رأيت فقال له عبد المطلب اكتم الرؤيا و لا تخبر بها أحدا لننظر ما يكون. فلما أتى على النبي صلى الله عليه وآله، في بطن أمه ثمانية أشهر كان في بحر الهوى حوت يقال لها طينوساً وهي سيدة الحيتان فتحركت الحيتان و تحركت الحوت و استوت على ذنبها و ارتفعت و ارتفع الموج عنها، فقالت الملائكة إلهنا و سيدنا ترى ما تفعل طينوسا و لا تطيعنا و ليس لنا بها قوة؟ فصاح إستحيائيل الملك، صيحة عظيمة و قال لها: قرّي يا طينوسا..! ألا تعرفين من تحتك فقالت طينوسا: يا إستحيائيل أمر ربي يوم خلقني أن إذا ولد محمد بن عبد الله استغفري له و لأمته، و الآن سمعت الملائكة يبشر بعضهم بعضا فلذلك قمت و تحركت فناداها إستحيائيل قري و استغفري فإن محمدا قد ولد.. فلذلك انبطحت في البحر و أخذت في التسبيح و التهليل و التكبير و الثناء على رب العالمين. فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله، في بطن أمه تسعة أشهر، أوحى الله إلى الملائكة في كل سماء أن اهبطوا إلى الأرض فهبط عشرة آلاف ملك بيد كل ملك قنديل يشتعل بالنور بلا دهن مكتوب على كل قنديل «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، يقرؤه كل عربي كاتب و وقفوا حول مكة في المفاوز و إذا بهاتف يهتف و يقول نور محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كملت تسعة أشهر لرسول الله صلى الله عليه وآله، صار لا يستقر كوكب في السماء إلا ينتقل من موضع إلى موضع يبشرون بعضهم بعضاً، و الناس ينظرون إلى الكواكب في السماء سائرات لا يستقرن.. (فضائل المعصومين عليهم السلام) :14-17. فهذا بعض ما حدث استبشارا بالجنين الهادي، ورحمة العالمين المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله.

 

الولادة الميمونة:

بعد خمسة وخمسين يوماً من واقعة الفيل الشهيرة، تم لرسول الله صلى الله عليه وآله، تسعة أشهر، فنظرت آمنة، أم رسول الله صلى الله عليه وآله، إلى أمها «برّة» و قالت: يا أماه، إني أحب أن أدخل البيت فأبكي على زوجي ساعة، و أقطر دمعي على شبابه و حسن وجهه، فإذا دخلت البيت وحدي فلا يدخل عليّ أحد.. فقالت لها: ادخلي يا آمنة و ابكي فحق لك البكاء، فدخلت آمنة البيت وحدها و قعدت و بكت فإذا بها أوجعت من طلقها، فوثبت إلى الباب لتفتحه فلم ينفتح، فرجعت إلى مكانها و قالت: وا وحدتاه.. و أخذها الطلق فانشق السقف، و نزلت من الأعلى أربع حوريات، و أضاء البيت لنور وجوههن، و قلن لآمنة: لا بأس عليك، جئنا لخدمتك، فجلسن عندها فغفت غفوة. قال ابن عباس: «ما كان من أمر أم النبي إلا أنها كانت نائمة عند خروج ولدها من بطنها، فانتبهت أم النبي صلى الله عليه وآله، فإذا النبي قد وضع جبينه على الأرض ساجدا لله، و رفع سبابتيه مشيرا بهما «لا إله إلا الله». و نظرت أمه الى وجهه صلى الله عليه وآله، فإذا بوجنتي النبي تشرق نوراً ساطعاً في ظلمة الليل، و مر في سقف البيت، و شق السقف، ورأت آمنة من نور وجهه صلى الله عليه وآله، كل منظر حسن .وعند ذلك أخذت الحوريات المولود، و لففنه في منديل رومي، و وضعنه بين يدي آمنة ، و رجعن إلى الجنة يبشرن الملائكة في السماوات: ولد النبي صلى الله عليه وآله، و نزل جبرئيل و ميكائيل عليهما السلام، و دخلا البيت على صورة آدميين و هما شابان ، و مع جبرئيل طشت من ذهب، و مع ميكائيل إبريق من عقيق أحمر، فأخذ جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله، و غسله، و ميكائيل يصب الماء عليه فغسلاه و آمنة في زاوية البيت قاعدة فزعة مبهوتة ؛ فقال لها جبرئيل: يا آمنة لا تغسليه من النجاسة فإنه لم يكن نجسا و لكن غسلناه من ظلمات بطنك..» [الفضائل:18].

و بعد أن مر هذا وغيره الكثير من الظواهر العجيبة والغريبة على أم النبي قامت و فتحت الباب و صاحت صيحة و غشي عليها، ثم دعت بأمها برة و أبيها وهب و قالت: ويحكما أين أنتما..؟! أما رأيتما ما جرى علي.. إني وضعت ولدي و كان كذا و كذا... تصف لهما ما رأته.

و سقط في تلك الليلة أربع و عشرون شرفة من إيوان كسرى، و أخمدت في تلك الليلة نيران فارس، وغاضت بحيرة ساوة، وفاضت بحيرة السماوة، و أبرق في تلك الليلة برق ساطع في كل بيت و غرفة في الدنيا مما قد علم الله تعالى و سبق في علمه أنهم يؤمنون بالله و رسوله محمد صلى الله عليه وآله، و ما بقي في تلك الليلة دير و لا صومعة إلا و كتب على محاريبها اسم محمد صلى الله عليه وآله، فبقيت الكتابة إلى الصباح حتى قرأها الرهبانية و الديرانية و علموا أن النبي الأمي قد ولد، وما بقي في مشارق الأرض ومغاربها صنم  ولا وثن إلا و خرت على وجوهها ساقطة على جباهها؛ خاشعة و ذلك كله إجلالا للنبي صلى الله عليه وآله، وغيرها الكثير.

 

إرادة السماء تتدخل لبداية عصر جديد

لقد كانت هذه التحولات الكبيـرة إشارة واضحة الى تدخل إرادة السماء في ساحة الصراع بين الخير والشر، والنور والظلام، والحب والكراهية، بعد أن لف ظلام الجهل نور الحقيقة، وسيطر الطغاة على مقاليد الأرض حتى لم يعد الدعاة الى الله تعالى، قادرين على  الصمود أمام هجمات الجاهليين، وحينئذ قررت الإرادة الإلهية، والمشيئة العليا أن ينتصر النور على الظلام، والعلم على الجهـل، بولادة سيد البشر محمد صلى الله عليه وآله.

وهذه الولادة المباركة كانت بمنزلة انطلاقة حضارة السماء التي ستعم الأرض، وهي آخذة بالتقدم والتكامل حتى يظهر ولي الله الأعظم فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

ونحن لو قرأنا التاريخ، ودرسنا فصول الحضارات على وجه الخصوص لرأينا أن الخط البياني لتقدم البشرية قد بدأ لحظة ميلاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وبعثته، صحيح أن كل رسالات السماء كانت تحمل معها وقود الحضارة لتدفع بالبشرية الى الأمام ، الا أن رسالة النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله، كانت تمثل الحلقة الأخيرة في مسيرة الحضارة البشرية.

واليوم  وبالرغم من مضي أكثر من أربعة عشر قرنا على فقدان الأمة الإسلامية نبيها الأكرم صلى الله عليه وآله، الا أنه مازال الشاهد الحاضر في ضمائر المؤمنين. وبالرغم من أن صورته المباركة غابت عن الأنظار هذه الفترة الطويلة، إلا أن وجهه الشريف مازال يتلألأ إشراقا أمام أنظار المسلمين. وبالرغم من أن نبرات صوته قد فارقت مسامع الناس منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، إلا أن كلماته مازالت تدخل القلوب دون استئذان، وتعيها كل أذن واعية. ولا نبالغ ان قلنا؛ ان كل من يريد ان يعرج في سماء الإيمان، ويسمو في رحاب الفضيلة، ويعلو في مدارج الكمال؛ لامناص له من أن يدنو من شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يتتلمذ على سيرته، وينهل من ينابيع توجيهاته، ويستلهم من رؤاه وبصائره، وأن يتعلم منه الخير؛ وذلك لان رسول الله  صلى الله عليه وآله، إنما هو قمة الكمال الإنساني، ورمز كل فضيلة، وآية كل حسنة، وتجلٍّ لكل خير إذ يقول تعالى: «وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (سورة القلم/4) .. إنه حقا هدية الرب للبشرية جمعاء.. من هنا صارت كل حركاته وسكناته حجة على البشر، لأنها تعبير صريح عن تفاصيل الشريعة الربانية، وتبيان واضح لسنن الدين، ومرآة صافية للحكمة البالغة.. و قد اختاره الله جل جلاله قدوة وأسوة للبشرية، لما امتاز به صلى الله عليه وآله، من سمات وشمائل، إذ قال: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً". (سورة الأحزاب / 21 ).


ارسل لصديق