سورة [المسد]
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 2036

بينات من السورة

• ما هي أبرز بينات هذه السورة المباركة؟

كان أبو لهب من أشراف قريش، انتقلت اليه زعامة بني هاشم بعد أخيه الراحل أبي طالب عليه السلام، و كان عليه أن يجسد قيم آبائه و عشيرته الذين ورثوا حنيفية إبراهيم الخليل، عليه السلام، و ان يدافع عن ابن أخيه حسب أعراف العرب العشائرية.

ولكنه – في ما يبدو – تحالف مع العشيرة المناوئة من بني أمية، و ربما بسبب زوجته (أم جميل) أخت أبي سفيان بن حرب، او لأنه كان ذا ثروة طائلة؛ فمال الى الطبقة الأثرى في قريش، أو لأي سبب آخر؛ فقطع رحمه، و انسلخ عن حسبه، و عادى النبي، صلى الله عليه وآله، بأشد ما تكون العداوة.

كان يمشي في طرقات مكة وراء النبي صلى الله عليه وآله، و يحذر الناس منه وكان مما يزعم: انه ساحر! و كان الناس يعلمون انه كبير بني هاشم و انه يصدق في أمرهم؛ فيرجعون اليه، و لكنه كان يخون موقعه، و يتهم النبي صلى الله عليه وآله، بالكذب حينا و بالسحر حينا آخر، وقد يفحش له في القول و يقول: تباً له .

وفي يوم الدار، حيث جمع النبي صلى الله عليه وآله، عشيرته الأقربين لينذرهم حسب أمر الله له، فلما طعموا و شربوا، قال أبو لهب: سحركم محمد صلى الله عليه وآله. إن أحدنا ليأكل الجذعة (ولد الشاة فــي السنة الثانيـة) و يشرب العس (القدح الكبير) من اللبن فلا يشبع، وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ شاة و أرواكم من عس لبن .

 

العم.. العدو اللدود

• لماذا نزلت سورة كاملة في ذم أبي لهب وهو عم الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله،؟

لقد أصبح أبو لهب - وهو عم النبي صلى الله عليه وآله، - من أشد الناس عداوة له، و أكثرهم إيذاءً. أَوَليس الناس يزعمون أنه أعرف بالنبي، صلى الله عليه وآله، من غيره باعتباره عم النبي وسيد عشيرته ؟

و هكذا نزلت هذه السورة المباركة في ذمه؛ أولاً: ليفصح للناس مدى عداوته للنبي، صلى الله عليه وآله، فلا يعتبرونه خبيرا بشأنــه، بل حسودا كنودا و عدوا لدودا، و لا يأبهون بكلامه في حق النبي، صلى الله عليه وآله، و ثانيا: لكي لا يزعم أحد ان قرابته للنبي، صلى الله عليه وآله، تمنحه البراءة من النار، و التحلل عن مسؤوليات الشريعــة، فهذا عم النبي صلى الله عليه وآله، يختص بالتقريع، و تنزل في ذمه سورة كاملة باسمه مما لا نجده في حق أي من أعداء النبي صلى الله عليه وآله، المعاصرين له.

 

لقد هلك فعلاً

• في قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)، ما معنى تبت؟ ولماذا اشير الى اليد؟ ولماذا تكرر الفعل تبّ في نهاية الآية المباركة؟

قالوا : (تَبَّتْ): أي هلكت، أو خسرت، أو خابت، أو صغرت، أو قطعت، ولا بأس بتصور معنى جامع للكلمة تشتمل كل هذه المعاني.

وذكر اليد إشارة الى الشخص ذاته؛ وهكذا تكني العرب عن الشيء بجزء منه؛ فيقولون: يد الرزايا ويقصدون الرزايا، ويقولون يد الدهر ويقصدون الدهر؛ وما أشبه. أما الفعل (وَتَبَّ) فهو خبر؛ أي أن أبا لهب قد هلك فعلاً؛ وبذلك وقعت اللعنة المتوقعة عليه؛ فيكون المراد: هلك الرجل وخاب وخسر.

 

كنيته ذم

• من هو أبو لهب؟ ومااسمه؟ ولماذا اصبحت كنيته بديلة عن اسمه؟

قالوا في كنية الرجل أنها كانت بديلة عن اسمه، فلم يكن ذكر كنيته شرفا له بل ذما؛ لأن اللهب يعني شرر النار، و نعت أحد به لا يشرفه، وقد جعله الله عليه لهبا يوم القيامة. ثم ان اسمه كان عبد العزى، و لم يكن مناسبا ذكر هذا الاسم في كتاب ربنا، الذي يفيض بنور التوحيد و الحنيفية الطاهرة.

 

دعاءان عليه

• لماذا جاء الفعلان: (تَبَّتْ) و(تَبَّ) بصيغة الماضي؟

جاء الفعلان المذكوران في المقام بصيغة الماضي للإعلام بتحقق هلاك وخسران أبي لهب، وللدلالة على إنفاذ قضاء الله العادل والانتقام من أعداء الرسول صلى الله عليه وأله، ونصرة دينه الحق.

ان الكلمة الأولى دعاء على صفة يديه و ما تكسبه من فعل، و الثانية دعاء عليه شخصيا، او ان الثانية توضيح و تأكيد للاولى، ذلك ان سبب هلاك الانسان هو ما تجنيه يداه؛ فاللعنة تتوجه اليها ثم اليه لانه المسؤول عن فعلهما؛ و لعل في الآية الثانية إشارة الى ذلك .

 

لا المال ولا الجاه ولا الأولاد

• عرفنا أنّ أبا لهب كان ثرياً جداً؛ فماذا كان يملك من الثروة غير المال؟ وعمّ لم يغنه المال؟ وما الذي كسبه كما جاء في قوله تعالى: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)؟

كان أبو لهب مثل سائر المستكبرين و المعاندين الذين يتكلون على أموالهم و إمكاناتهم في مواجهة الحق، و لكن عندما يحين ميعاد الجزاء العادل لا يغني عنهم ذلك شيئا.

فلا ثروته تغنيه عن الله شيئا، ولا ما اكتسبه بها و بغيرها؛ وقد كان يملك – الى جانب المال الكثير – جاهاً عالياً، و قوة متميزة، و مكانة اجتماعية رفيعة

و هكــذا يكــون ما كسب أعم من المال، لأن المال بدوره من مكاسب الفرد، و قيل : ان (مَا كَسَبَ) هو أولاده؛ و لعل الولد يعتبر مما يكتسبه الانسان ؛ فيكون المعنى: ما أفاده من عذاب الله مالُهُ وما كسبه من الجاه والأولاد.

 

نار ذات اشتعال

• كل نار ذات لهب؛ فلماذا تم تخصيص النار التي سيصلاها أبو لهب بأنها (ذَاتَ لَهَبٍ) كما ورد في قوله تعالى: ( سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)؟

النار تنتظر أبا لهب و سيصلاها، ليتحسس مباشرة

حرها و ألمها. وإذا كان أبواه قد وجدا في وجنتيه لهبا اجتذبهم حتى كنياه بأبي لهب، فإن هذا الجمال الظاهري لم ينفعه، بل تحول في العقبى الى نار لاهبة تحرقه؛ فيكون المعنى: سيدخل ناراً ذات اشتعال.

 

وخسرت الزوجة مع زوجها

• لماذا كانت زوجة أبي لهب تحمل الحطب؟ وما الغضاضة في ذلك؟

كانت امرأة أبي لهب أخت ابي سفيان، و عمة معاوية، و كانت - حسب الروايات – عوراء؛ و لكنها سميت أم جميل، و كانت بذيئة اللسان، ومتكبرة، و شديدة العداء للرسول،صلى الله عليه وآله، و لدعوته، كعداء أخيها أبي سفيان .

وقالوا أنها كانت بالغة الثراء، و لكنها من بخلها و شحها كانت تحمل الحطب و لا تشتريه، و ربما ألقت الأشواك في طريق النبي،صلى الله عليه وآله، و سائر المسلمين إيذاءً لهم؛ وهكذا ألحقها الله بزوجها؛ فيكون المعنى: خسرت امرأته «أم جميل» حال كونها حمالة الحطب.

 

نار الفتنة

• لماذا جاءت كلمة (حَمَّالَةَ) منصوبة في الآية الكريمة؟

جاءت كلمة (حَمَّالَةَ) منصوبة للدلالة على ذمها حيث أصبحت لقباً لها واشتهرت بها. وعلى قراءة النصب؛ إما بتقدير: أعني، أو أنها حال؛ أي: في حال كونها حمالة الحطب. وأما على قراءة الرفع، فتكون صفة للمرأة.

وقد اختلفوا في تفسير الكلمة : هل نعتت بالبخل، و كيف إنها تدعي الشرف، و تحمل الحطب؟ أم أنها ذمت لإلقائها الأشواك في طريق النبي، صلى الله عليه وآله، ؟ أم لأنها كانت تمشي بالنميمة، و العرب تسمي من يفعل ذلك بـ (حامل الحطب) لأنه يشعل نار الفتنة بين الناس.

 

ليفٌ في الدنيا: عذاب في الآخرة

• تصف الآية الكريمة زوجة أبي لهب بأنها ( فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) فلماذا جاء هذا الوصف؟ وهل له علاقة بعذابها في يوم القيامة؟

قالــوا: الجِيد: العنق، و المسد: الليف؛ فيكون المعنى في عنق زوجة أبي لهب حبل من ليف تحمل الحطب فيه.

و قال البعض: ان ذلك عذاب، أوعدها الله أن يجعل في جيدها حبلا من ليف يوم القيامة، لأنها أنفقت قلادة لها من جواهرثمينة في محاربة النبي، صلى الله عليه وآله، في دار الدنيا.

والمعروف إن الفتاة تتزين بقلادة من الفضة، أو الذهب، أو الدر، أو اللؤلؤ، أو سائر الأحجار الكريمة، ولكن زوجة أبي لهب قد جعلت في عنقها حبلا من ليف النخل حينما احتملت حطبا و ألقته في طريق الرسول، صلى الله عليه وآله، فهل يدل ذلك إلا على الخسة و الدناءة؟!!.


ارسل لصديق