القرآن الكريم مرآة شفافة لحقائق الحياة
كتبه: مازن الحيدري
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 1548

ان أول وأعظم ما يهب القرآن الكريم للإنسان المؤمن هو القدرة على رفع غشاوات الجهل وحجب الضلال عن قلبه، ليتصل قلبه مباشرة بنور الحقيقة، ذلك النور الذي يؤتيه الله القلب ليكتشف به الحقائق ويرى الأشياء كما هي.

ولقد فُطر الإنسان على فهم الحقائق، ولو ترك وشأنه لعرف ان لهذه السماء المبنية والأرض المدحية، إلهاً فطرهما وقدر فيهما أرزاقهما ودبر شأنهما. لكننا مع ذلك نجد ان معظم الناس يشركون بالله، لأن فطرتهم الأولى قد دُنست برجس الشرك وحُجبت بالاهواء والشهوات والتعصّب والتربية السيئة وبخشية المجتمع وبالرغبة في المصالح غير المشروعة.

فآيات القرآن تزكّي القلب وتطهره وتجلو ما عليه من دنس الغفلة وحجب الشهوات وتجعل القلب نظيفا مضيئا يغمره نور الله، فيرى به الأشياء كما هي، ولذلك فإن المؤمن لا ينظر فقط إلى نور الله وإنما هو ينظر بنور الله، أي انه ينظر إلى الحقائق فيكتشفها بنور الرب، بل انه (ليتوسم) أيضا، فيرى ما لا يراه الآخرون ويكتشف ما هو خارج الشهود، أي يكتشف من الشهود الغيب الذي وراءه بأمر الله وإذنه.

والحديث الشريف يؤكد على هذه الحقيقة فيقول: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، وفي الآية الكريمة جاء أيضا: «ان في ذلك لآيات للمتوسمين» (سورة الحجر /75).

والمتوسمون هم الذين إذا نظروا إلى سيماء الإنسان اكتشفوا ما في قلبه، واذا نظروا إلى ظاهرة عرفوا أسبابها وما ستنتهي إليه هذه الظاهرة، هذه السمة التي وهبها الله تعالى للإنسان هي السمة التي لابد من الالتفات اليها، فبعض الناس حينما يقرأون القرآن لا يلتفتون إلى ما ينبغي لهم ان يكتشفوه ويستفيدوا منه، لأنهم يقرأون القرآن كرسم لا معاني فيه ويمرون على الألفاظ فلا يتدبرون فيها، والقرآن يأمرنا بالتدبر في آياته والتفتيش عن معنى كل كلمة ولفظ فيه.

فالكلمات العربية وغير العربية هي ألفاظ وضعت للمعاني الخارجية، فإذا قيل مثلا (الماء) فإن هذه اللفظة انما تعني ذلك السائل المعروف ومثلها ألفاظ الرغيف، الأرض، السماء، ذهب، يأتي، قام، كل هذه الكلمات التي نستخدمها انما هي موضوعة للحقائق الخارجية وليس للمفاهيم الذهنية كما يقول الفلاسفة الاقدمون.

فالألفاظ تشير إلى مدلولاتها مباشرة، وكذلك هي ألفاظ القرآن، فلقد استخدمت ألفاظه في محض الحقائق التي لا تشوبها شائبة ولا يحجبها حجاب، فالقرآن حينما يحدثنا مثلا عن الأرض والكون لا يقول الكون أو الوجود، لأنه قد يتساءل البعض عن ماهية الكون والوجود، ولكن القرآن يقول السموات والأرض.. «له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما» (سورة طه/6).

ان كلمات القرآن لا تستخدم المجردات المجهولة بالنسبة للبشر، بل تستخدم عادة الحقائق الملموسة حتى في عالم المجردات وحتى حينما تريد ان تتحدث هذه الآيات عن رب العزة والعظمة - تعالى عن التوصيف والتشبيه والتحديد- فإنها تستخدم هذه الكلمات: «يد الله فوق أيديهم» (سورة فتح /10) أو «إلى ربها ناظرة» (سورة القيامة/24)، وأيضاً» «الرحمن على العرش استوى» (سورة طه/5).

فهذه المصطلحات تبين الحقائق الخارجية وتجعل الإنسان قريبا من تلك الحقائق، فيرى - حينما ينظر عبر منظار القرآن- كل شيء كما هو.

إن الأدباء والفلاسفة وأصحاب الفن والكتّاب عادة ما يغلّفون الحقائق بمفاهيمهم، بينما القرآن يوضحها بصورة مباشرة، فالإنسان حينما يتلو آيات في الذكر الحكيم فإنه يعيش الوجود ويعيش حركة الظواهر المخلوقة في السموات والأرض بشكل مباشر دونما حجاب.

فمثلا عندما يهطل الغيث من السماء ينظر المؤمن إلى قطرات المطر وهي تزرع الأرض خصبا وبركة وخيرا، وعندما يدا


ارسل لصديق