الجــري القــرآني
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2013/02/02
القراءات: 1716

كتاب أنزل على رسول الله صلى الله عليه و آله، ليكون مهيمناً على الحياة - بمختلف جوانبها وشؤونها - الى يوم القيامة. وبحق؛ فإن القرآن الكريم هو السبب في خلود الإسلام وبقائه، والسبب في ذلك ان القرآن يعالج الاحداث والمشاكل المتغيرة والمتجددة في كل آن من خلال بيان سنن وقوانين عامة مبثوثة في الآيات الكريمة.

ومن الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم لبيان تلك السنن هو أسلوب القصص – كما أشرنا سابقاً-، فبالقصص التي قلما نجد سورة تخلو منها يذكرنا الرب بالسنن العامة للحياة ويعبّر عنها بالـ (عبرة) يقول تعالى : (لَقَدْ كانَ في‏ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَديثاً يُفْتَرى‏ وَ لكِنْ تَصْديقَ الَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصيلَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون‏).(1)

ويختلف الناس في الاستفادة من القرآن الكريم حسب اختلافهم في فهم القصص التاريخية المبثوثة في سوره المباركة، فالبعض يقتصر على أشخاص القصة و جوانبها التاريخية، ويقرأ القرآن وكأنه كتاب تراث للأمم الغابرة، ويغوص البعض الآخر في تفاصيل القصص عبر إطلاق العنان للمخيلة في تصور الجوانب التي سكتت عنها الآيات المباركة أو بالاستعانة.

ومن الواضح ان كلا الفريقين لا يستفيد من القصص الاستفادة المرجوة، فلا تتحول القصة عندهم الى عبرة تنقلهم من النص الى الواقع، في حين ان المطلوب ان تكون القصة بمثابة جسر يعبر بالإنسان الى واقعه وحاضره، فيستفيد من الماضي سنناً لحاضره واجاباتٍ لمسائله.

وهذا الفريق يتعامل مع القرآن الكريم معاملة حيوية، فيستخرج من النص القرآني الذي يحاكي قصص الماضين، يستخرج سنناً تنطبق على كل مكان وزمان، وهذا هو المقصود من (الجري القرآني)، المأخوذ معناه من جريان الماء وسيلانه حيث ان جريان الماء يحوي الحركة المستمرة والدائمة، ومنه ما يقال :صدقة جارية.

فالجري يعني: (الانتقال والعبور من نزول الآية الى تطبيقاتها المتجددة)(2) ، فقد جاء في الأثر ان فضيل بن يسار سأل الامام الباقر عليه السلام عن الحديث (ما من القرآن الا ولها ظهر وبطن)، فقال عليه السلام : ظَهْرُهُ‏ تَنْزِيلُهُ‏ وَ بَطْنُهُ‏ تَأْوِيلُهُ مِنْهُ مَا قَدْ مَضَى وَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ كَمَا جَاءَ تَأْوِيلُ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ يَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْأَحْيَاءِ قَالَ اللَّهُ‏ (وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ‏) نَحْنُ نَعلَمُهُ.(3)

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : ان القرآن حي لم يمت، وانه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا.(4)

فآيات القرآن الكريم بمثابة شمس تشرق كل يوم على واقع جديد فتزوده بدفء الحياة ونور الهدى، و من هنا فان القرآن يبقى مهيمناً على الحياة مهما اختلفت الظروف و تغيرت الأزمان.

ولكن كيف يمكن أن تطبق عملية الجري القرآني ؟

يتم ذلك من خلال إلغاء خصوصية القصص المذكورة، وأعني بذلك إلغاء الأشخاص وإبقاء العبر، فحين تقرأ عن قصة شخص تضرع الى الله فاستجاب الله دعاءه، فانك تلغي الشخص وتضع مكانه كل من تضرع الى الله بقلب خاشع، وحين نقرأ عن مظلوم نصره الله في نهاية المطاف، فانا نعرف أن نصر الله لا يختص بالمظلوم المسمى في القصة بل يشمل غيره ايضاً. وهذا الأمر يجري على عموم النصوص الواردة في القرآن الكريم، حيث أن القاعدة تقول: (المورد لا يخصص) .

وبهذه الطريقة يتمكن الإنسان من التعامل مع القصص القرآنية تعاملاً حيوياً يمكن القرآن من ملامسة الواقع المعاش لدى الإنسان، وحينها يكون القرآن أمام الحياة، في الحديث عن رجل سأل الإمام الصادق عليه السلام: ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس الا غضاضة؟

فقــال عليه السلام: لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْهُ لِزَمَانٍ‏ دُونَ‏ زَمَانٍ‏ وَ لَا لِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ فَهُوَ فِي كُلِّ زَمَانٍ جَدِيدٌ وَ عِنْدَ كُلِّ قَـــوْمٍ غَضٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.(5)

وقال الامام الباقر عليه السلام: ... وَ لَوْ أَنَّ الْآيَةَ إِذَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ثُمَّ مَاتَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مَاتَتِ الْآيَةُ لَمَا بَقِيَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْ‏ءٌ وَ لَكِنَّ الْقُرْآنَ يَجْرِي‏ أَوَّلُهُ‏ عَلَى آخِرِهِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ آيَةٌ يَتْلُونَهَا هُمْ مِنْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.(6)

فقصص القرآن ليست أمثلة تاريخية، بمقدار ما هي نماذج ومصاديق تتكرر في كل زمان ومكان، أليس التاريخ يعيد نفسه؟

ففي كل طاغية مصداق لفرعون، وفي كل داعية للخير مصداق لموسى وإبراهيم، ولكل عالم تارك لعلمه ومتبع لهواه مصداق لبلعم بن باعورا، ولكل امرأة مؤمنة مصداق لمريم، ولكل امرأة خانت الرسالة مصداق لزوجة نوح وزوجة لوط، ولكل مثير للفتنة ومضل لغيره مصداق للسامري و ... وهكذا نجد المصاديق المختلفة في القرآن الكريم من خلال الغاء الخصوصية.

 

ضابط الجري:

من خلال ما ذكر، قد يتصور البعض ان العملية هي عملية بسيطة يمكن من خلالها تطبيق القرآن على الأفراد والأمم، الا أن هذا التصور خاطئ، إذ لا يجوز تطبيق الآية على فرد او امة من دون ان تكون لدى الإنسان الحجة والدليل، كما لا يجوز ان نجري الآية من دون وجود مناسبة أو قرينة معنوية تربط بين المصداق القرآني والمصاديق الخارجية.

كل ذلك قد يوقع الانسان في مغبة التفسير بالرأي المحرم شرعاً، إذ إن الإنسان قد يتصور خطأً بأن الآية هذه تنطبق على هذه الفئة من الناس، من دون أن يمعن النظر في الآية من جهة وفي الواقع من جهة أخرى.

ومن هنا فان المؤمن لا يجري الآية على تطبيقات خارجية في أول وهلة، لأنه معترف بقصر فهمه ومحدوديته، بل يرجع في الامر الى الراسخين في العلم، المخاطبين بآيات القرآن الكريم، المطهرين من الزلل والخطأ، محمد وآله الأطهار عليهم الصلاة والسلام، والى العقل المستنير بهدى الوحي.

فالمؤمن يجعل نفسه تلميذاً بين يدي القرآن الكريم ليوصله الى الهدى، لا وسيلة لإثبات نظرياته وأفكاره المسبقة.

ومن هنا فهناك ضوابط لابد من مراعاتها في عملية الجري القرآني هي:

1) العودة الى الأئمة الأطهار عليهم السلام في الجري والانطلاق من خلال أحاديثهم المباركة.

2) مراعاة المناسبة القريبة بين ظاهر الكلام وباطنه، فلا يكون التطبيق غريباً عن ظاهر الآية الكريمة.

3) مراعاة النظم والدقة في الغاء الخصوصيات المكتنفة بالكلام ليخلص صفوه ويجلو لبابه في مفهومه العام.(7)

 

نموذج من الجري في القرآن:

يقول تعالى: (وَ نُرِيدُ أَنْ‏ نَمُنَ‏ عَلَى‏ الَّذِينَ‏ اسْتُضْعِفُوا فِي‏ الْأَرْضِ‏ وَ نَجْعَلَهُمْ‏ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ‏ الْوارِثِينَ‏ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُون‏). (سورة القصص:آية 5 - 6)

هذه الآيات من سورة القصص، تتحدث عن قصة النبي موسى عليه السلام، وعن وعد الله، المستضعفين من بني إسرائيل بالنصرة والتمكين لهم في الارض والانتقام بهم من الطاغية فرعون وجنوده.

ولكن مع الغاء الخصوصية نصل الى ان الوعد الإلهي بالنصرة للحق وأتباعه، والانتقام من الباطل وأزلامه، وعد دائم و صادق، وما زوال حكومة فرعون الا نموذج لتحقق الوعد الإلهي.

ونجد في الأثر أن أهل البيت عليهم السلام، قد طبقت هذه الآية على ظهور حكومة الحق والعدل بيد الإمام المنتظر عجل الله فرجه الشريف، ففي الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: (وَ نُرِيدُ أَنْ‏ نَمُنَ‏ عَلَى‏ الَّذِينَ‏ اسْتُضْعِفُوا فِي‏ الْأَرْضِ‏ وَ نَجْعَلَهُمْ‏ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ‏ الْوارِثِينَ‏) قَالَ: هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ يَبْعَثُ اللَّهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ فَيُعِزُّهُمْ وَ يُذِلُّ عَدُوَّهُمْ.(8)

--------------

1 - سورة يوسف: آية (111)

2 - مجلة مزن المتخصصة في الدراسات الإسلامية: العدد الثالث 2012 : ص 39.

3 - بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلى الله عليهم: ج1 ، ص 196

4 - تفسير العياشي: ج 2 ، ص 204

5- عيون أخبار الرضا: ج2 ، ص 87

6- بحار الأنوار: ج 89 ، ص 115

7 - مجلة مزن المتخصصة في الدراسات الإسلامية: العدد الثالث 2012: ص 61.

8 - الغيبة للطوسي: ص 184.


ارسل لصديق