تحديات في طريق بناء المجتمع المؤمن..
قسوة القلب بداية السقوط
كتبه: علي عبد الحسين
حرر في: 2012/11/30
القراءات: 1226

كما أن الشجرة إن سقاها ورعاها صاحبها نمت وأثمرت، وإن تركها ذبلت ويبست؛ كذلك الإيمان اذا حافظ الإنسان على عوامله تعمّق وتجذر ونما وأثمر، وإلا خبا ضوؤه وصار الى النقصان.

إنّ ذكر الله و رسالته، هما وسيلة نمو الإيمان في النفس، اذا تساقطت عنها الحجب وخشعت؛ أما اذا قست وتكلّست لا تنتفع بالذكر، كما لا تنتفع الشجرة اليابسة بالماء الفرات، ولذلك يحذر الله المؤمنين من قسوة القلب، ويعاتبهم على عدم خشوعهم لذكره وللحق، فيقول: «الم يأنِ للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق». (سورة الحديد /16)

قال الصحابي عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين هذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضاً، وقيل: ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشر سنة من نزول القرآن بهذه الآية، وقيل: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا و اصابوا الترف والنعمة تغيروا عما كانوا عليه فقَسَتْ قلوبهم، والواجب ان يزدادوا إيماناً ويقيناً وإخلاصاً في طول صحبة الكتاب.

ومع اختلاف هذه الأقوال، الا انها تلتقي في نقطة واحدة هي انها جاءت تعالج تحوّلاً سلبياً في حياة الأمة، وهذا يظهر إرادة الله من خلال وحيه ببناء المجتمع المؤمن، وتوجيه حركته نحو الحق والأهداف السامية، ولكن الله جل جلاله لا يبدأ العلاج من الظواهر، إنما يوجه الرسول والمؤمنين أنفسهم الى جذور المشكلة، ألا وهي القلوب التي تغير موقفها من ذكر الله ومن تطبيق الرسالة.

لقد كانوا في البدء أمة مؤمنة حقاً ببركة ذكر الله، وكانوا ملتزمين غاية الإلتزام بالحق ويتسابقون الى تطبيق الرسالة ويسلمون لما فيها تسليما؛ لكن فيما بعد بدأ الخشوع ينحسر عن قلوبهم، كما صاروا يتباطؤون في تطبيق رسالة ربهم ويتملصون من دعوة قيادتهم الى الإيمان والإنفاق.. وهذا لا ريب ان لم يبادروا الى علاجه فسوف يخرجهم من دائرة المؤمنين، او ليس الله سبحانه يقول: «انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون* الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم» (الانفال / 2ـ 4)؟!

فلماذا اذا لا توجل قلوبهم ولا يزدادون ايمانا ولا ينفقون؟!

الإشكال ليس في قلة ذكر الله، ولا في قلة الآيات، ولا في عدم وجود الواعظ، فهذا الرسول يصيح فيهم: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا)، والآيات بينات مستفيضة متواصلة ينزلها الله على عبده ليخرجهم من الظلمات الى النور، ولكن الإشكال في قلوبهم المريضة.

ولنا ان نعرف كم ينبغي ان يكون القلب مريضاً وقاسياً حتى لا يتأثر بالقرآن، اذا تدبرنا في قوله تعالى: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون» (الحشر/21)، فلم لا يحرض القرآن المؤمن على الخشوع، والخشوع هو الذي يجعل الانسان مستعدا للتسليم الى الحق نفسيا وتطبيقه عمليا في الواقع؟

وتأكيد القرآن على ان ما نزل حق يهدينا الى ان قسوة القلب تورط الانسان في الباطل، وهناك علاقة متينة بين ذكر الله وبين رسالته النازلة من عنده، لأن الله تعالى يتجلى في كتابه.

وفي القسم الثاني من الآية (16) من سورة الحديد ينبّهنا القرآن الى تجربة أهل الكتاب لنتعظ بتجارب الأمم الأخرى، إنهم كما الأمة الإسلامية أوتوا كتابا من عند الله أنقذهم من الطغاة كفرعون وأخرجهم من الظلمات الى نور الايمان والعلم ولكنهم ابتلوا بقسوة القلب، فماذا كانت عاقبتهم؟

قال الله تعالى: (ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد


ارسل لصديق