شيعة أهل البيت عليهم السلام، وسبل الارتقاء الحضاري
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2012/11/29
القراءات: 1311

قال الإمام الحسين عليه السلام، (إن المؤمن أتخذ الله عصمته وقوله مرآته)

 ليست الحضارة لباساً يتقمصه من يشاء فيصبح متحضرا، كما أن التحضر ليس صبغة ظاهرية يصطبغ بها الانسان، كذلك فإن المتحضر لم يكن دعوى يدعيها الفرد ليصبح متلبسا بها .

انها حضور لقيم الحياة في داخل الإنسان، فتصنع ذاته وتعجن طينته بها فينطبع كيانه الخارجي وسلوكه بها، فيكون الإنسان متحضرا بعد أن تولد شخصيته من معين القيم التي تشبّع بها قوامه الشخصي.

و سوى ذلك، يُعد دعوى وخيالاً، بل انتحالاً للتحضر.

ذلك أن الإنسان عبارة عن كائن قوامه مجموعة من تراكم قيم الخير، ومجموعة مبادئ الصلاح، ومنطلقات الحق، فلا يفعل إلاّ خيراً ولا يصنع إلاّ صلاحاً، ولا ينطلق في شيء من أمور حياته إلاّ بالحق ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام،: (قيمة كل امرئ ما يحسنه)(1).

ولا يمكن أن يكون الانسان محسناً ما لم يعلم منطلقات الحياة السليمة فصارت قيمته فيما يعلم لأن: (قيمة كل امرئ ما يعلم) (2) كما قال أمير المؤمنين عليه السلام.

 وإذا أراد أن يستجمع في وعاء نفسه القيم التي علمها وتعلّمها كان عليه أن يعقلها ويدرك العلم النافع الصالح ويهجر تعلم ما لم ينفع، فيحمل نفسه على ما تعلّم ويؤدبها عليه فيكون العلم النافع هو العلم الحي الذي يتحرك في ذات الإنسان وينمو ويكبر مع الايام ويتطور في أعماقه، فيكون العالم العاقل حكيما كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث قال: (فوجب على العاقل طلب العلم والأدب الذي لا قوام له إلا به) (3).

وإذا استوعبت نفس الإنسان قيم الخير والصلاح، وتفاعل مع كل نافع صالح صار ينظر إلى ما بين يديه من قولٍ أو فعلٍ أو تصرفٍ أو تعاملٍ أو تقييمٍ بمنظار المعطيات الأخروية والنتائج التي سيراها ويلقاها عما قريب.

وهذا ما نجده في قول الإمام الصادق حيث قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (يا بني ... إني نظرت في كتاب لعلي عليه السلام فوجدت في الكتاب: أن قيمة كل امرئ وقدره معرفته، إن الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا) (4) .

ومن هنا صار قوام الإنسان وقيمته وحسبه ونسبه واعتباره بما يمتلك من رصيد هائل من القيم وقد لخّصها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: (الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل امرئ ما يحسن فتكلموا بالعلم تبين اقداركم) (5).

من هنا ندرك أن قوام الإنسان هو استيعاب القيم و تراكم المناقب والتحلي بمعالي الأمور، واستجماع مكارم الاخلاق في كيانه.

وصاحب القيم هو المتحضر لاستجماع قيم الخير في ذاته وحضور القيم في ذاته. ولما كان هذا تعريف المتحضر أصبح يتميز بمعالم منها:

 

المَعْلَمُ الأول: المتحضرون هم الرابحون

المتحضر الذي يعتصم بالله ويستند إليه في كل صغيرة وكبيرة ثم يتخذ قول الله تعالى له مرآةً، يرى فيها صورته فيعمل على تحسينها يقرأ قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (سورة المنافقون /9).

فيفهم أن قضية تعلّقه بما ينجيه وما يلهيه هي قضية ربح وخسارة، خصوصاً وأن الله تبارك وتعالى يخبر في هذه الآية عن التعلق بالأموال والأولاد والمنصب والجاه وأمثالها.

فما هو اللهو؟ ثم اللهو عمّاذا؟

فيجد أن اللهو كما تحدده معاجم اللغة هو (ما يصرف و يصدف عن الشيء، من هوى أو طرب) (6).

فإذا انصرف وانشغل الإنسان عن شيء بشيء آخر فقد له%


ارسل لصديق