الأمة.. والسبيل الى الولاية الربانية
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 1354

لما كانت الولاية الحق لله، والحاكمية والسيادة والملكوت له سبحانه، فكل حكم لا يستند إليه تعالى و إلى حاكميته، ولا يهدف إقامة حكم الله، فهو حكم باطل وزائل. ولأن الولاية الحق لله في الكون، ففي مجال التشريع و في الواقع السياسي يجب أن يكون هو الحاكم من خلال خليفته ورسالته، إذ يقول تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (سورة يوسف /آية 40)، فلم يأذن للسلطة إلا بأذنه، و لم يبح الحكم كما أباح - مثلاً - خيرات الأرض، وفي علم الفقه، هنالك «أصل الإباحة والحلّية»، فالإنسان حرٌ في الانتفاع إلا إذا جاء نصّ بخلاف ذلك، و لكن الأصل في السلطة هو العكس تماماً؛ أي ليس لبشر أن يطيع بشراً في سلطة، إلا بعد التثبّت من وجود نص على ذلك. و هذا هو النهج السليم للحياة.. ألا يطيع أحد أحداً إلا بأذن الله تعالى، وأن لا يدين أبدا بسيادة الطغاة و حاكمية الفراعنة ولذا وصفه ربنا بـ (الدين القيم).

 

الشرعية من السماء

والسؤال هو من هم المأذونون بالطاعة و الحكم  بأمر الله؟ وهذا ما يجيب عنه تعالى إذ يقول «أَطِيعُوا اللَّه وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأْمْرِ مِنْكُمْ» (سورة النساء /آية 59)، فالأنبياء و أوصياؤهم من بعدهم ومن ثم العلماء الأمناء على حلال الله وحرامه، هم المأذونون بالسلطة والحكم بأمر الله ولا احد غيرهم. وهنا يقول الإمام علي عليه السلام: «العلماء حكّام على الناس».

وهنالك آيات قرآنية و روايات عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، حول مكانة العلم ودور علماء الدين، قال تعالى: «يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (سورة المجادلة /آية11). ويبين النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، أنهم خلفاء الأنبياء وورثتهم ومصابيح الأرض، حيث قال: «العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي، وورثة الأنبياء» (كنز العمال، الخبر28677). وجاء عنه صلى الله عليه وآله: إنهم كأنبياء بني إسرائيل، فقال: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (بحار الأنوار/ ج2،ص22،ح67)، وإن لهم منازل عظيمة يوم القيامة يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء، فقال صلى الله عليه وآله:»ألا أحدّثكم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم يوم القيامة الأنبياء والشهداء بمنازلهم من الله على منابر من نور؟ فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين يحببون عباد الله إلى الله، ويحببون عباد الله إليّ. يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبهم الله» (بحار الأنوار،ج2،ص24،ح73) وإن نومهم بالليل خير من قيام العباد فقال النبي صلى الله عليه وآله: «يا علي! نوم العالم أفضل من عبادة العابد. ياعلي ركعتان يصليها العالم أفضل من سبعين ركعة يصليها العابد» (بحار الأنوار، ج2،ص25،ح82). وإن شفاعتهم مقبولة يوم القيامة، فعنه صلى الله عليه وآله: «ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة فيشفِّعهم: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» (بحار الأنوار،ج2،ص15،ح29). وبين الإمام الصادق عليه السلام، إن مدادهم خير من دماء الشهداء، حيث قال:»إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد، وَوُضِعت الموازين، فتُوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجّح مداد العلماء على دماء الشهداء» (بحار الأنوار،ج2،ص14،ح26).ويبين النبي صلى الله عليه وآله: إن النظر إلى وجوههم عبادة: فقال "النظر إلى وجه العالم عبادة".( بحار الأنوار،ج1،ص195،ح14).، ويبين الإمام علي عليه السلام، إن فقدانهم يشكل ثلمة لا يسدها شيء،فقال: «المؤمن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم الغازي في سبيل الله. وإذا مات ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها شيء إلى يوم القيامة». (بحار الأنوار، ج2، ص17، ح42).

 

مسؤولية الأمة تجاه العلماء:

وكما أن للعلماء مسؤولية تجاه الأمة فإن للأمة مسؤوليات تجاه العلماء أيضاً أهمها:

1- طاعتهم:

فحاجة الأمة الى الطاعة المبدئية هي أكبر من حاجتها الى أي شيء آخر، إذ التعاون و التطوير، ومواجهة الأعداء، وبناء وإعداد الجبهة الداخلية.. كل ذلك نتيجة مباشرة للطاعة، وإنما تتقدم الأمم بقدر تماسكها و اندفاعها و وحدة مسيرتها، لذلك أمر تعالى بطاعة القيادة الربانية المتمثلة بشخص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، آنذاك فقال عز وجل : "قل أطيعوا الله و أطيعوا الرسول..." (سورة النور،54)، وهذه الطاعة هي في امتداد طاعة الله تعالى، حيث إن الرسول صلى الله عليه وآله، وخلفاءه من الأئمة و العلماء ليسوا أصناما يعبدون من دون الله، بل هم عباد الله، وطاعتهم المفروضة هي امتداد لطاعة الله، وفي حدود قيم الله و شرائعه؛ فالطاعة في الإسلام خاصة بالله سبحانه وتعالى، إذ لا يجوز أن يطيع المسلم أحداً من دون الله أنّى كان، ويعدّ ذلك شركاً بالله، ولكن هناك فرق بين الطاعة الذاتية والطاعة الامتدادية، فالطاعة الذاتية إنما هي لله وحده لا شريك له، أما الطاعة الامتدادية فهي لله أيضاً ولكن عبر عبد من عباد الله، قد أمر الله بإتباعه وطاعته، فإنها تكون بإذن الله أيضاً، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ"(سورة النساء/آية 64) ويخطئ أولئك الذين يقولون حسبنا كتاب الله، رافضين طاعة القيادة الرسالية التي فرضها الله عليهم كي تحدد لهم المناهج الدقيقة و التفصيلية لمختلف التغييرات الحياتية.

2- التسليم لقيادة العلماء و التنفيذ الجاد لقرارات القيادة،والذوبان في خطها كلياً، فلا تكتفي الأمة بإتباع القرارات الظاهرة فقط، بل تطبقها بخضوع قلبي تام، إذ لا يكتمل إيمان المؤمن حتى يذوّب شخصيته في شخصية الأمة، ويبيع نفسه وتوجهاته في الحياة للقيادة الربانية، وقد وصف القرآن المؤمنين بذلك حيث قال: "فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (سورة النساء/آية 65)، والتسليم هو الانصياع النفسي التام.

 

طاعة العلماء والتسليم لهم درءٌ للفتن

ولأن علاقة الأخوة تتعرض لهزات قد تبلغ درجة الاقتتال بين المؤمنين، فلابد من قوة داخلية تمسك الأمة من أن تتشرذم فتتلاشى، وما تلك القوة إلا القيادة الرسالية فكما أمر تعالى بوجوب الرجوع إليها وإتباعها في كل شاردة وواردة فقد أكد على هذا عند حصول الاختلاف وجعل حله في أيدي حملة الرسالة إذ قال تعالى: "وَ مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ... «(سورة الشورى/آية 10) أنى كان هذا الخلاف، وفي أي جانب من جوانب الحياة فإن حكمه وحله يستوحى من كتاب الله، ومن أودع قلبه علمه من أئمة الهدى عليهم السلام، وأتباعهم الفقهاء العلماء بالله الأمناء على حلاله و حرامه، وما أحوجنا اليوم في العراق كما في عالمنا الإسلامي الى درء الفتن والانقسامات وهذا لا يتحصل بشكل حقيقي ورصين إلا بالرجوع الى ولاية العلماء وإتباعهم إذ يقول تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأْمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الآْخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً» (سورة النساء/آية 59).

حرمة الخضوع لسلطان غير سلطان الله

وفي الوقت الذي أمر فيه الله الناس بإتباع حكمه وأمره، فإنه حرم الخضوع لغير سلطانه، أو إتباع شخص أو جهاز لم يأذن به الله، وعدها شركاً به، إذ قال تعالى: «و أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا»، فإذا أنزل الله سلطاناً بجواز إتباع أحدٍ، آنئذ فقط يجوز أن يخضع الفرد له، و ذلك السلطان لم يكن إلا في شخص الرسول صلى الله عليه وآله، والأئمة الهداة عليهم السلام، و العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه. أما أن يتخذ الفرد شخصاً قائده وإمامه، أو يتخذ حزباً يقلده و يتبع برامجه بصورة عشوائية بعيدة عن ولاية الله المتجسدة المتمثلة بولاية العلماء، فذلك أمر لا يجوز أبداً.

وهنا يبين لنا ربنا تعالى سمات القيادة الربانية التي تمثل امتداداً لولاية الله تعالى، ويؤكد على الفقه والعدالة والتصدي للقيادة ولقضايا الأمة وهمومها، إذ يقول تعالى: «بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ» (سورة المائدة /آية 44)، أما الفقه و العدالة فتدل عليهما كلمة: «بما استحفظوا من كتاب الله»، أي بسبب أنهم كانوا أمناء على كتاب الله، وأيضاً بقدر حفظهم لكتاب الله دراسة وتطبيقا.

 

ضرورة رجوع الساسة الى علماء الدين

والقيادة السياسية هي خلاصة النظام السياسي، والنظام السياسي بدوره هو تجربة ثقافة الأمة، وحضارتها، ومدى سلامة رؤيتها، وصحة تشريعاتها، فإذا تناقضت تركيبة القيادة الواقعية مع شعارات النظام السياسي، أو مع أفكار الأمة وثقافتها وقيمها، فإن ذلك يدل على تناقض في التشريع، أو انحرافات في القيم و الثقافة التي تدعي الأمة أنها تلتزم بها ؛ فإذا كانت الأمة تدعي أنها تدافع عن الحرية مثلاً، وجاءت قيادتها السياسية على أساس من الدكتاتورية، فأي حرية هذه..؟ وإذا ادعى النظام أنه يلتزم بقيمة التقوى، وجاء على رأس النظام رجل فاجر، أو أدعت ثقافة الأمة أنها ترفع من قيمة العلم وكان الحكام فيها مجموعة من الجهلة الضالين، فإن كلامها هراء، إذ هل يمكن أن ترفع الأمة من قيمة العلم دون أن يصبح علماء الدين، قطب إرادتها ومركز قدرتها، وثقل تجمعاتها؟ هكذا تكون تركيبة القيادة السياسية مثلاً حياً لحقيقة الأمة، ونوع حضارتها، و طبيعة قيمها الحقيقية، الأمة الإسلامية تتبع قيادة تمثل روح الإسلام، أي الرسول وخلفاءه وأئمة التقوى واليقين وأتباعهم لها ليس بهدف الحصول على مصالح عاجلة، بل من أجل الله و تحقيق قيمه وشرائعه.

 

علماء الدين ودستور الأمة

لما كان القرآن كتاباً للحياة بكل أبعادها ولما كان المشرع يضع اليوم القوانين والأنظمة التي تنظم هذه الحياة فعليه الرجوع الى كتاب الله الذي وصفه تعالى بأنه لا اختلاف فيه إذ قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً"، فالقرآن كتاب متجانس يكمل بعضه بعضاً، ويضع تشريعا للحياة في مختلف أبعادها على عكس التشريعات الوضعية التي تظهر فيها الاختلافات والتناقضات ليس في حقل القيادة أو النظام السياسي فحسب وإنما في كافة أبعاد الحياة على عكس القرآن الذي هو في قمة الانسجام في كافة الجوانب، ففي الاقتصاد ترى ذات القيم التي تجدها في السياسة من العدالة، والحرية، والاستقلال، وفي الأخلاق، والتربية، والاجتماع، وفي العبادات تجد ذات القيم الواحدة لا تناقض فيها ولا اختلاف، حيث يستحيل أن تجد كتاباً جامعاً لدستور الحياة بكل أبعادها، ثم يكون بهذا الانسجام و الدقة والتناغم، فسبحان الله الذي أوحى به .

وهكذا فان الذين ينكرون القيادة الإلهية منحرفون، و عليهم أن يشككوا في إيمانهم، لأنهم لو كانوا مؤمنين حقا لخضعوا لمن وضعه الله عليهم، و لبرمجوا حياتهم حسب ما أمر الله، ومخالفة أمر القيادة الشرعية المتمثلة بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، في حياته والأئمة المعصومين عليهم السلام، من بعده ونواب الأئمة من العلماء، هي من عمل المنافقين، فكل رسل الله جاؤوا ليتسلموا قيادة الناس، ولو عاد الناس الى القيادة الشرعية وصححوا مسيرتهم، لأصلح الله حياتهم، وغفر لهم سيئاتهم .أما الذين يخالفون رسل الله وحملة الرسالة من بعده، فإنهم ليسوا بمؤمنين، لأنهم يخالفون بذلك هدف الرسالــة أساساً، وقيادة الأنبياء وورثتهم من العلماء ليست محصورة بالصلاة والصيام، بل في كل الشؤون.

وعليه؛ لسلامة التشريع من التناقض، ولنيل الحقوق الكاملة وفق معيار العدل، ولحفظ البلاد من التمزق والفتنة ولإرضاء الرب والخلاص من العذاب، ولتحقيق هدف الرسالات؛ ليس أمامنا إلا طريق واحد ولا غير؛ ألا وهو إتباع علماء الدين، بطاعتهم والتسليم التام لهم.


ارسل لصديق