(هكذا رأيته في السجن..)
كتبه: الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 769

عمره يتجاوز الخامسة والخمسين طارقاً باب الستين، متوسط القامة ليس بنحيل ولا بسمين، مبتسماً رغم معاناته وآلامه، وبخطى راسخة واثقة كان يمشي ساعة الخروج من زنزانته الضيقة رغم معاناته في المشي لكنه يتكئ على عكازة أعطته مهابة القادة، كانت شيبته ورائحة عطره الذي أوصل إليه في السجن، وقلنسوته التي خاطها له أحد السجناء القدماء تذكّرني بالعلماء الربّانيين السابقين وهو منهم. لم يكن ليعرف اليأس والاستسلام، تجد الحلم والسماحة في شخصيته الرزينة، فلا تجده يغضب من أحد، إلا على الظالمين بمختلف مقاساتهم، أما المظلومون ممن في السجن معه حتى وإن اختلفوا معه في الدين أو المذهب أو التوجّه السياسي أو درجة الالتزام الديني، فلم يكن يغضب عليهم بأية حال، كيف..؟ وهو ملاذهم، ومعلّمهم وملهمهم، فكانوا يرجعون إليه في كل سؤال فقهي أو تاريخي أو أخلاقي أو عقائدي أو تحليل سياسي.

في  الفرص المتاحة لصلاة الجماعة كان السجناء يتسابقون الى الصف الأول للصلاة خلفه، وكان حينما يصلي بخشوعه المتميز يذكّرهم بالخاشعين، يبكي عندما يصل الى بعض الآيات، وتخنقه العبرة عند التأمل في بعضها الآخر، كان في قنوته يقرأ من الأدعية والمناجاة المأثورة عن النبي الأكرم وأهل بيته عليه وعليهم السلام، مقاطع طويلة، غير مملّة وفي كل مرّة يقرأ مقطعاً جديداً مما ينبُئك عن حفظه لكثير منها.

كان يحدّث المصلين بين الصلاتين وفي خطبة الجمعة بأحاديث دينية وتربوية وتاريخية وأخلاقية وعقائدية مُشبعة بالآيات القرآنية والروايات والقصص والأمثلة والشعر، وبعض الفكاهيات وطرائف الحِكَم، وكذلك المعلومات الحديثة والسياسية، وخطبه السلسة والواضحة، كانت مفعمة بالروح الولائية العالية التي لا تخالطها المساومة على ثوابت مبادئ أهل البيت عليهم السلام، وكان حين نعيه أو استماعه للنعي الحسيني تنهمر دموعه بشدة، وإذا وقف السجناء في حلقة اللطم والعزاء كان يقف كأحدهم يلطم على صدره بقلب ممتلئ بالحبّ للحسين عليه السلام، والحزن على مصائبه الفجيعة، كان رغم قربي له، بل وسؤالي منه لا يشكو لي آلامه الشخصية، ولا ما جرى عليه في التعذيب وكيف أذاقوه في سرداب القلعة من أوجاع التنكيل، حاولت معه ذات مرّة وأنا أسرد له بعض ما مورس ضدّي من أنواع الضرب والتوقيف على الأقدام لخمسة أيام بلياليها – مثلاً- كتمهيد لسؤالي الصريح له، فيطأطئ رأسه ويصمت، أو يقول: أنا مثل غيري من آلاف المعتقلين...

عرفته رجلاً مخلصاً ومضحياً وشجاعاً وخلوقاً ومستعدّاً لكل التضحيات في سبيل مبادئه ومبدئيته.. عرفته عالماً واعياً وخطيباً حسينياً وسياسياً بارعاً.. عرفته متواضعاً والى أبعد الحدود، شعبياً ترابياً غير متبختر ولا متفاخر.

هكذا رأيته منذ فتح الجلاّدون عيوننا لأول مرّة في القضاء العسكري، حيث عرفنا مجموعتنا التي عُرفتْ بكوادر جمعية العمل الإسلامي (أمل)، مع العلم أني شخصياً لم أكن عضواً في مجلس الإدارة لهذه الجمعية الصامدة في نهجها الرسالي بفضل أمينها العام وبقية العاملين معه (حفظهم الله).

نعم.. ذاك أخي العزيز سماحة العلامة المجاهد الشيخ محمد علي المحفوظ (فرّج الله عنه وعن السجناء جميعاً).

كنت معه في سرداب القلعة (٢٥) يوماً ولم نعرف عن بعضنا، وفي سجن (الحوض الجاف)، صرنا معاً لمدة ثلاثة أشهر تقريباً، ثم نقلونا الى سجن (جو) المركزي وكنا نلتقي يومياً لمدة (17) شهراً، فلم أر منه إلا مثالاً للتقوى والأخلاق والصبر وبعث الأمل في النفوس والنظرة البعيدة للأمور.

ولما فوجئت بخبر الإفراج عنّي، وأنا جالس خلفه في صلاة الجماعة لفريضتي الظهر والعصر.. وجدت أن ألم الفراق يحيطني، فكيف لي أن أخرج من السجن القاسي وسماحة الشيخ المحفوظ في غياهبه، وهو أوْلى مني بالخروج، ولو بالنظر الى صحته، فقام بعد السلام، يعانقني ويبارك لي، فلم أقوَ على جوابه، وقد خنقتني العبرة هنالك، حتى عصرني بصدره وقال: «لا تغتم علينا يا شيخنا.. فأمورنا كلها مرسومة بقلم السماء، فكل ما يجري من ظلم بنا ومن حولنا فهو بعين الله، مَن يخرج مِن السجن ومَن يبقى ذلك مما كتبه الله في قضائه وقدره، إن الله يختبر كل إنسان في كل موقع يضعه فيه، فنحن والذين خارج السجن في امتحان، كما الحاكم الظالم وحاشيته وهؤلاء الشرطة في امتحان».

وختاماً.. أقول لشيخ المظلومين الشيخ المحفوظ الصابر الأمين: دمتَ يا شيخنا الجليل في صحة ونشاط وفي حال أحسن مما أنت عليه في السجن، فأنت في القلب، ومكانك الطبيعي هو بين أهلك وأحبتك من الجمهور الوفيّ لرجاله الأوفياء.

الشيخ عبد العظيم المهتدي البحراني


ارسل لصديق