مهمة الحوزة العلمية في الانبعاث الإسلامي الجديد
كتبه: مرتضى محمد
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 1106

العلاقة بين عالم الدين و المجتمع ليست علاقة أحادية الجانب، فسنن الله عز وجل في خلقه قائمة على عدله تعالى، ومن هذه السنّة، أنه تعالى جعل على كل من العالم و المجتمع من حوله مسؤولية وواجبات تجاه الآخر ففي الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ كَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ». (الكافي 1...  ص : 41).

ومن هنا نجد أنّ الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين أن يبعثوا من يتحمل أعباء هذه المهمة بينهم فقال تعالى: [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] «سورة التوبة: آية ١٢٢»، و وضع جملة من الواجبات في تعاليم رسالته الخاتمة للقضاء على الغفلة و أسباب الضلالة.

فحين ندرس الأحكام الشرعية نجد أن الإسلام أولى اهتماماً بالغا بشأن الهداية و مواجهة أسباب الانحراف فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبين وأكد عليهما تأكيداً بالغاً، و أمر العالم بنشر علمه وجعله زكاة له، وفضل الله العالم على غيره درجات وأمره بإرشاد الضال، و بنشر تعاليم الدين وتبليغها، ثم أمر المجتمع الإيماني بالتواصي فيما بينهم بالصبر والحق والمرحمة.

ولكن لم يكن دور عالم الدين و المؤسسة التي ينتمي اليها ـ أعني الحوزة العلمية المباركة ـ، لم يكن يختصر في ما ذكرناه من واجبات فهي تختزن في داخلها الحضارة الإسلامية حتى عندما تدخل الأخيرة في السبات، ومن هنا يصف سماحة المرجع المدرسي هذه المؤسسة بأنها صائنة العلم والهدى و يقول إن «الحوزات العلمية والصفوة المؤمنة الذين صانوا العلم والهدى، هم الذين حافظوا على المكتسبات الحضارية للأمة الإسلامية»، فللحضارات البشرية تجليات بعد انطواءات، فهي تسير بين قطبي الكمون والظهور (حسب التعبير الفلسفي) فتكمن وتختفي لفترة، ثم تنبعث من جديد في فترة أخرى، وتسمّى الفترة بين ظهور وظهور بفترة السبات. وفي فترة السبات، «تبقى مجموعة من الناس خازنة للحضارة تحتفظ بقيمها وأساليبها وارتباطاتها وعلاقاتها، حتى تأتي مرحلة مؤاتية لانبثاق هذه الحضارة من جديد» كما يقول سماحته.

فكما تُكتب التجارب في كتب، وتُسجل في أسفار، وتحتفظ في مكان أمين حتى يأتي من يضع محتوياتها موضع التنفيذ، كذلك تقوم الحوزة العلمية المباركة بهذا الدور في تربية الأجيال المؤمنة والحفاظ على تعاليم السماء.

ويضرب سماحة المرجع المدرسي لذلك مثالاً من واقعنا فيقول: «نحن، في العالم الإسلامي، نعيش اليوم نهاية فترة سبات طويلة بدأت منذ القرن السابع الهجري، حين انطوت الأمة على نفسها، وقعد الناس قادة وعلماء في بيوتهم، وانتهت بانبعاث الروح النهضوية الجديدة في العالم الإسلامي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين» متسائلاً: «من الذي حافظ على الإسلام الأصيل خلال هذه الفترة من الزمن؟ هل الذي حافظ على الإسلام الحق هي الأنظمة العسكرية الحاكمة والمتحكمة في أكثر بلاد المسلمين؟ هل كانت الجامعات المتأثرة بأفكار الغرب والشرق والمقلِّدة لها هي التي تكفّلت بذلك؟».

ثم يجيب بكل وضوح انها لم تكن كذلك بل «الذي حافظ على المكتسبات الحضارية للأمة الإسلامية هي الحوزات العلمية وتلك الصفوة من المؤمنين الذين صانوا العلم والهدى، وحافظوا على العلاقات الإيمانية بينهم، واحتفظوا بمكاسب الحضارة».

وحقاً حين نشهد الانبعاث الإسلامي اليوم، لا نجده نتاج الجامعات الأكاديمية، أو الأروقة السياسة، ولا البرلمانات ولا حتى غرف القيادات العسكرية، ولا من دور النشر التي همها ترجمة الكتب المؤلفة في الشرق والغرب.. إنما هذه الانبعاثة الجديدة جاءت على أيدي العلماء الرساليين الذين قضوا سنوات حياتهم في الأوساط العلمية الدينية، متأثرين بذات الأساليب والقيم الإسلامية التي طبّقها النبي محمد (صلى الله عليه وآله).

ومن هنا يرى سماحة المرجع المدرسي في كتابه «المجتمع الإسلامي» «إن هذا الانبعاث يجب أن ينطلق من الحوزات الدينية، لأن الثقافات والأفكار الغربية والشرقية التي حاكتها وقلدتها الجامعات والساسة والعساكر، لم تكن قادرة على تفجير النهضة الإسلامية».

و قد تنبه لذلك بعض مفكري الغرب كـ(هاملتون جب) الذي كتب في كتابه المسمى بالعلّامة: «لا يمكن للأمة الإسلامية أن تصل إلى مستوى من الحضارة إلاّ على يد علماء الدين».

وبمراجعة سريعة للعقود الاخيرة من التاريخ نجد أن علماء الدين، وهم مراجع الدين في النجف، وكربلاء، وقم، وخرّيجو الأزهر وقيروان وغيرهم، هم الذين طردوا الاستعمار العسكري من البلاد الإسلامية من شرقها الى غربها. فمن كان هؤلاء القيادات الذين نهضوا في وجه الاستعمار؟ في أي جامعة من جامعات الشرق أو الغرب درسوا، ومن أي منهل من مناهل الفكر شربوا؟

لقد كانت ثقافتهم ثقافة إسلامية خالصة، ولذلك تمكنوا من إنقاذ البلاد الإسلامية من سيطرة الاستعمار.

وإذا ما اردنا ان نقارن سريعاً ما فعله علماؤنا في مواجهة تلك الأنظمة و ما عمل أبناء الثقافة الغربية الدخيلة فلم نجد إلا ان هؤلاء الساسة الذين خضعوا للثقافة الغربية وتأثروا بها، لم يتمكنوا إلا أن يقدموا البلاد الإسلامية هدية متواضعة إلى أسيادهم، لأن ذواتهم كانت تدين بالعبودية للشرق أو الغرب، ولم يكونوا يرون خلاصاً إلا بإتباع الشرق أو الغرب. كانوا مهزومين نفسياً، فهم أبناء الشرق والغرب حقاً ولم يكونوا من أبناء الأمة الإسلامية، وان انتموا مادياً إلى بلاد الإسلام.

من هنا يرى المرجع المدرسي حفظه الله تعالى أن «العالم اليوم ينتظر الانبعاث الإسلامي على يد أولئك الذين حافظوا على مكوِّنات الحضارة الإسلامية خلال فترة السُّبات العميق في العالم الإسلامي».

 

القضاء على الانفصام

ولكن لا يمكن ان نبحث القضية من هذا الجانب فقط فإن للقضية وجها آخر وهو أن طلبة العلوم الدينية، يجب أن يلتقوا مع طلبة العلوم الحديثة في خط واحد. فيصبح العالم بالسياسة عالماً بالدين، والعالم بالدين عالما بالسياسة.

يقول سماحة المرجع المدرسي في كتابه «القيادة السياسية في المجتمع الإسلامي»: «إننا يجب أن نقضي وإلى الأبد على الانفصام الذي أوجده التخلف والاستعمار في بلادنا.. فالتخلف أبعدنا عن عصرنا، والاستعمار أبعدنا عن ديننا».

وهذا هدف عظيم ولا يمكن تحقيقه إلا بجهود مكثفة، لأن هناك عوامل كثيرة تعمل على إبعاد علماء الدين وطلبة العلوم الدينية عن قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد، وعلى إبعاد طلبة العلوم الحديثة عن القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي، دعنا نقولها بعبارة اخرى، إن تقدم الإسلام وانتصاره اليوم يحتاج إلى اولئك العلماء الذين يكون مدادهم أفضل من دماء الشهداء، وهم العلماء الذين يرسمون بمدادهم حلولا لمشاكل الأمة بصورة جذرية وناجحة.

من هنا يرى سماحة المرجع المدرسي «إن قطاعات كبيرة من الأمة الإسلامية تعيش الآن في حالة انفصام، وفي حالة تفتت ذاتي، فالمهندس - مثلاً - لا يعرف من دينه الا كلمات قشرية، وكأن الدين لا يرتبط بمجال عمله، والطبيب يفكر بأن علمه وعمله بعيدان عن الدين، وبعض علماء الدين يزعم بأن السياسة ليست من الدين وهذه هي المأساة، وإن من المستحيل لأمتنا أن تتقدم دون القضاء على هذه المأساة. فحضارة الأمة الإسلامية لا تتحقق إلا على يد علماء الدين المحيطين علماً بشؤون السياسة وإدارة الأمة».

والحقيقة؛ إن الحضارة هي أن يقود المجتمع عالم دينٍ ملمٌ بالسياسة وبعلوم العصر، لا رجل دينٍ ينكر السياسة ومتطلبات إدارة الحياة، ولا رجل سياسة لا يعترف بالدين أبداً.

 

مواصفات القيادة

و لمحورية عالم الدين في انبعاث الأمة الإسلامية، جعلت تعاليم السماء مقاييس واضحة و دقيقة لانتخاب القيادة التي تصلح للقيام بهذا الدور، ففي حديث شريف عن المعصوم عليه السلام، نجد جملة من المواصفات الضرورية في تكون شخصية القائد فيقول عليه السلام: «إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرّنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف بنيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه».

فهذا النموذج من الناس، وهو الإنسان الذي يتخاضع في حركاته، ولا يتحدث الا بلين وبصوت خافت، ويمشي بوقار، ويتصنَّع صفات الأخيار، يجب الحذر منه فقد يكون ذئباً في إهاب شاة. ثم يقول عليه السلام: «وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام، فرويدا لا يغرّنكم، فإن شهوات الخلق مختلفة. فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرماً، فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرّنكم حتى تنظروا ما عَقَدَه عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه عقله».

قد يكون الرجل يعفّ عن المال الحرام ولكنه لا يعفّ عن الشهوات الأخرى، فلا يغرّكم عفافه عن المال الحرام، وقد يكون متقيا، يعف عن سائر الشهوات ولكن لا يكفي ذلك لإتباعه وجعله قدوة، فقد يكون إنساناً متقياً وورعاً في الظاهر ولكنه لا يعود إلى عقل سليم في أفكاره وتصرفاته.

ثم يضيف الإمام عليه السلام قائلاً: «فإذا وجدتم عقله متينا فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه».

في حالة وحدة الرايات في مسيرة عريضة واحدة، قد يصعب أن تعرف أن هذا الإنسان يمشي مع عقله أم مع هواه، ولكن حينما تتفرق السبل آنئذ يمكن أن نكتشف الرجل في أي اتجاه يسير.

وبعد كل ذلك و العديد من الصفات الأخرى يحدثنا عليه السلام، عن الصفات المطلوبة في القائد الرباني فيقول عليه السلام: «ولكن الرجل كل الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضا الله، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الابد مع العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد، وأن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول، فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، والى ربكم به فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة».

بعد ما يحدد الإمام مقاييس ثابتة لتقييم الرجال ويحدد مواصفات القائد، آنئذ يقول لك: تمسّك بذلك الرجل الذي لا يريد أن يعز نفسه مع الباطل ولكنه يتمسك بالحق ولو أدى ذلك إلى ذلته عند الناس. فالعز في الدنيا محدود حتى لو دام سبعين عاما، إذ ماذا بعد ذلك إذا كان صاحب ذلك العز سيحترق بنار جهنم يوم القيامة؟ فماذا ينفعه لو كان ملايين البشر يمدحونه ويعظمونه؟!

إن المجتمعات المتقدمة، ينقاد أفرادها لروادها، وهم أصحاب العقول النيرة ذات الابتكار والإبداع، وذات الرؤية البعيدة والتطلعات السامية.

وصفوة القول أن القائد في المجتمع الإسلامي يجب أن يتمتع بنوعين من العلوم، ما يرتبط بواقع الحياة وما يرتبط بقيم الشريعة فمن يتولى إدارة الشؤون السياسية في الأمة يجب أن يكون عالماً بالسياسة وأبعادها مضافاً الى كونه عالما بالدين وأحكامه.

أما من يعرف السياسة فقط دون أن يعرف حكم الله في شؤون السياسة، فلا يحق له أن يقود الناس وأن ينصب نفسه حجة عليهم، لأنه لا يعرف حكم الله في مجال السياسة. وكذلك العكس، فالقائد الذي يعرف العلوم الإسلامية، ويعرف التاريخ، دون أن يعرف زمانه وما يجري حوله، فهذا هو الآخر لا يستطيع أن يقود الناس، لأن معرفة الأحكام الشرعية دون معرفة موارد تطبيقها، ومتغيرات الظروف الاجتماعية التي تتغير وفقها بعض الأحكام الشرعية، لا تنفع كثيراً في مجال العمل. وذلك مما جاء في الحديث الشريف عن الإمام المهدي عليه السلام: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»، فالحوادث جمع حادثة، والحادثة تعني: المتغيرة، والشريعة الإسلامية فيها من المرونة ما يستوعب كل التغيرات والتطورات، وفي حديث آخر يقول عليه السلام: «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».


ارسل لصديق