الخطاب الديني .. مسؤولية رسالي
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 1027

تتطور مفاهيم الشعوب بالنسبة الى القضايا الفلسفية حسب تطور ظروفهم، ولكن يبقى الحق واحداً، مهما تطورت هذه الظروف، وتغيرت النظرات والآراء.

ويعد الدين ضمن تلك الحقائق الفلسفية العامة التي تغيرت نظرة الشعوب إليها عبر الزمن، وحسب تطور الأحداث ولكنه من جهة أخرى، ليس إلا حقيقة واحدة عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم.

ونتيجة لتطور نظرة الشعوب الى الدين بمرور الزمن، تطورت أيضاً نظرتهم الى علماء الدين، وعلى الرغم من أننا – مع ما جاء في الرسالات الإلهية- لا نعرف إلا أسماً، ومعنى واحداً للدين، وبالتالي؛ نظرة واحدة الى علماء الدين، فانه ما تزال هناك نظرات متفاوتة ومختلفة تتنازعها الشعوب بالنسبة الى هذه الحقيقة.

وهناك نظرات مختلفة للدين، فكل يفسر الدين حسب هواه أو حسب علمه، أما نحن المسلمين، ندرك ان الدين هو القرآن، والقرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، فإننا نفسر الدين بكل تلك المعاني وبمعانٍ أخرى؛ فالدين فلسفة للحياة وبصائر للإنسان، وطريقة للعيش، وبالتالي هو تحديد لعلاقة الإنسان بالطبيعة، وعلاقة الإنسان بنظيره الإنسان، والأهم من كل ذلك علاقة الانسان بالله تعالى ، وهو رب الناس، و رب الطبيعة.

من جانب آخر، يمثل الدين الأحكام الشرعية، والوصايا الخُلقية، والقانون الاجتماعي، و السياسي، الاقتصادي، كما يحمل افكاراً ونظرات تشمل جميع أبعاد الحياة، وبالرغم من ان هناك جماعة تأثرت بأفكار الشرق والغرب حيناً أو بجاهليتهم الداخلية حيناً آخر، أو أنها استسلمت لضغوط الطغاة حيناً ثالثاً، فاعتقدت أن الدين عبارة عن شعائر وطقوس تؤدى في المسجد أو في مراكز التوجيه لا أكثر، مستندين في ذلك الى القول المعروف «دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر».. متناسين ان الدين ليس محصوراً في أطر ضيقة، بل هو الوحيد الذي له القدرة على صناعة وصياغة رؤية توحيدية للكون والحياة، وما بعد الحياة الدنيا، ومن هنا تتمثل وظيفة ومسؤولية عالم الدين في الحياة الاجتماعية.

 

* خطّان متوازيان

ولكن ومنذ فجر التاريخ الاسلامي والى اليوم، وُجد في العالم الاسلامي فريقان من علماء الدين، فبعضهم يُجسد الدين بالمفهوم الصحيح، أي كما أنزل في القرآن، والبعض الآخر يجسده حسب أهواء طائفة معينة، وهي الطائفة التي غيرت مفهوم الكلمة، و دانت بدين ما أنزل الله به من سلطان.

على سبيل المثال، كان في العالم الإسلامي عالم دين، تولّى في زمانه زعامة الحوزة العلمية، وهو المرجع الديني الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي – طاب ثراه- صاحب الفتوى الشهيرة بتحريم استعمال التبغ في إيران، والذي تنتجه شركة بريطانية، هذا العالم، تمكن بقيادته الناجحة للجماهير المؤمنة، أن يتحدى الاستعمار البريطاني بفتواه التي أصدرها عام 1890م في أول تحرك من نوعه في العالم الإسلامي ضد الاستعمار الأجنبي، وبذلك، قدم هذا القائد العظيم والرباني الانموذج المتكامل لعالم الدين في المفهوم الصحيح، ولكن في نفس الوقت نرى انه كان في عهد الميرزا الشيرازي، عالم دين آخر يعتقد بان على عالم الدين ان يجلس في بيته وان لا يفكر بمجريات الحياة والمجتمع، وكان يقول: «لقد أخطأ الميرزا الشيرازي بفتواه.. لأنه كشف قوتنا للاستعمار..!

ولدينا نماذج ساطعة اخرى من العلماء المجاهدين مثل المرجع الكبير، الشيخ محمد كاظم الخراساني المعروف بـ «الآخوند»  صاحب كتاب «الكفاية في الأصول»، والذي وضع فيه منهجاً فكرياً جديداً في علم الأصول، وكان له دور بارز ومهم في إنجاح ثورة الدستور في إيران، وبموجب هذه الثورة، وقفت إيران في طليعة الدول الإسلامية التي تشهد دستوراً خاصاً بها عام 1906م. بالمقابل كان في ذلك العهد، عالم دين آخر، يعارض التدخل في السياسة و (يكفّر) الآخوند قائلاً إن الذي يتدخل في السياسة ويريق دماء الناس لا تجوز الصلاة خلفه!

لذا يمكن القول ان الشيخ الآخوند كان يمثل خطاً وهذا (العالم) يمثل خطاً آخر، والعجيب في الأمر ان الناس الذين كانوا يلتفون حول العالم الثاني، هم من شريحة التجار الكبار من الذين يستغلون الفقراء من الناس، ثم تعطى من هذه الأموال الى هذا النوع من العلماء ليسكتوا عن تصرفات هؤلاء التجار، فما تكلموا يوماً بكلمة واحدة في سبيل هؤلاء المستضعفين، ولكن عندما تتعرض مصالح التجار والإقطاعيين الى الخطر، نراهم يقاومون ويتكلمون.. ولكن اذا سحق المظلومون سكتوا وقالوا: لا شأن لنا بالسياسة، وكأن السياسة يجوز التدخل فيها اذا كانت لمصلحة التجارة ولا يجوز التدخل فيها اذا كانت لمصلحة المستضعفين!

هذا الخط - الثاني- كان يناهض أيضاً خط المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء – طاب ثراه-، والذي كان في طليعة علماء الدين في مقاومة الصهيونية العالمية، والذي استنكر بشدة احتلال فلسطين، كما سجّل مواقف مناهضة لطغيان الحكم في العراق آنذاك، وهو صاحب كتاب «المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون».

وممن تعرض للمعاداة، من الخط الانهزامي، العالم الكبير الميرزا محمد حسن النائيني – طاب ثراه- صاحب كتاب "تنبيه الأمة و تنزيه الملّة"، وفيه ذكر مساوئ الحكم الديكتاتوري، وحارب بكل وسيلة ممكنة أشكال الطغيان والفساد.

 

* ظاهرة «ابن عمر».. وكهنة السلاطين

في نفس السياق، فقد أولد الخط الثاني من العلماء أو (أدعياء العلم) مشروعاً تبريرياً لقوى السلطة بسلاح (الفتيا) فأضحوا (وعاضاً) للسلاطين برفعهم شعار الوقوف في المنطقة المحايدة بين الحاكم والمحكوم!

ففي البدء حاولوا ان يبتعدوا عن السلطة والسياسة وهموم الناس، ولكن بما ان السلطة لها القدرة على ممارسة الضغط على الخط العلمائي المتفرج، فوقعوا في فخاخ ضغوط السلطة، ورويداً رويداً أضحوا «كهنة السلاطين وأبواق الشياطين»، كما عبر عن ذلك سماحة السيد المرجع المدرسي في أحدى محاضراته الأخيرة.

وخير مثال على ذلك، شخصية عبد الله ابن عمر الذي أعلن عدم تدخله في السياسة بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ولم يبايع علياً عليه السلام، وقد أوصى الإمام عليه السلام بأن يترك وشأنه، إلا إن ابن عمر (المحايد) سقط في خط الولاء، لا لنهج علي والنبي الأكرم صلوات الله عليهما، إنما لنهج بني أمية، بمبايعته للحجاج بن يوسف الثقفي، في القصة المعروفة، ذلك لان الذي لا ينهج طريق الحق سوف ينهج طريق الباطل، وهذه من السنن الالهية العظيمة.

 

* فتن الطائفية والخطاب المطلوب

مشروع الخط الثاني بدأ يتموج ويتوالد في مراحل متقدمة واليوم وقع العالم الإسلامي في فتنة، بل فتن الطائفية المقيتة.

لقد تناسى (أدعياء العلم) أن الدفاع عن الدين والمذهب مشروط بقوله تعالى: «وجادلهم بالتي هي أحسن»، وأن تكون الدعوة الناجحة مشروطة بـ «الحكمة والموعظة الحسنة»، أخذ التصريح الطائفي ليكون سيد الموقف، وراح طائفيّو الوهابية، بالذات يذكون نار الحرب الكلامية عبر القنوات والفضائيات، وقد (انجر) واستجاب لهذا الأسلوب بعض أبناء الحوزات – من علم أو غير علم – وراح يستخدم نفس أسلوب الآخر، متناسين أن (المهرجين)، من أبناء الفكر الوهابي، يعيشون على موائد السلاطين ويسترزقون عليهم ليل نهار، وإنهم بالحقيقة ليسوا سوى أداة في مشاريع مشبوهة، الهدف منها إبعاد الأمة عن ثقافة المسؤولية والتحدي للظلم والفساد في واقع الأمة.

نعم.. إن من حق رجال العلم المخلصين الرد والدفاع المطلوب، ولكن ليس على طريقة الانجرار وراء الآخر الذي لا يهمه التنوير والاستبصار والمعرفة، بقدر ما يهمه فرض رأيه وعقيدته المشبوهة بكل الاساليب وإن كانت رخيصة وغير علمية.

إن الاختلاف المذهبي هو قدرنا، وقدر الأمة ولا مناص من ذلك، ولكن إتباع أساليب الآخر المستهجنة فليس قدرنا. إن أسلوب السب والشتائم والاستهزاء بالآخر لا يجدي نفعاً، ولو كان كذلك لاتبعه الأنبياء والرسل والأئمة المعصومون عليهم السلام، ثم إن السباب والاستهزاء وعدم الحكمة في الحوار، لا يمتّ للدين والأخلاق بصلة، فكيف يمكن الدفاع عن الدين والمذهب بقيم تتناقض وقيم الوحي الإلهي؟

إن حوزاتنا اليوم مدعوة من خلال برامجها ودروسها ومناهجها الدراسية، لاسيما في مادتي الخطابة والتأليف والبحث، والاهتمام بعناصر الخطاب الديني السليم وتحذير الطلبة الكرام من الانجرار وراء أدعياء العلم او الذين يبحثون عن «بطولات» في عالم الشهرة و «الغيرة» باسم الدين.


ارسل لصديق