الحوزة وعالم الدين.. كلمة مسؤولة وموقف شجاع
كتبه: جعفر ضياء الدين
حرر في: 2013/02/28
القراءات: 1078

أثبتت الحوزة العلمية أنها الأجدر على تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية نحو الأفضل، وأول المصاديق على أرض الواقع، التصدّي الشجاع للأوضاع المأساوية للأمة في فترات تاريخية عديدة، أبرزها فترة الاستعمار التي شهدت هجمة شرسة على العقائد والهوية الدينية والكرامة الإنسانية، ثم استمر الجهاد والنشاط الثقافي والاجتماعي والسياسي مع نشوء أنظمة حكم صُنعت على مقاسات الأنظمة الغربية، وليست الشعوب الإسلامية.

ففي الوقت الذي كانت بريطانيا تسمى في القرن التاسع عشر بـ «بريطانيا العظمى»، تعرضت لصدمة عنيفة ومفاجأة لم تتوقعها، فهي لم تأتِ من ضربة عسكرية، أو منافسة تجارية كبيرة، إنما من فتوى بسطر واحد خطّها أحد أبطال الحوزة العلمية، وهو المرجع الكبير الراحل السيد محمد حسن الشيرازي – قدس سره- حرّم فيها استخدام التبغ الذي تنتجه شركة بريطانية اشترت من البلاط الملكي الإيراني، امتياز زراعة وإنتاج التبغ، بمعنى أن الإنسان الإيراني المسلم يكون أجيراً لشخص غير مسلم، وهو يزرع في أرضه ووطنه الاسلامي. وثمة تفاصيل لتلك الواقعة التاريخية العظيمة، لكن المهم، إجبار الملك الإيراني «ناصر الدين شاه» على إلغاء المعاهدة عام 1890م، وتعرض البريطانيون لنكسة كبيرة. هذه الفتوى، وتلك الاستجابة الجماهيرية الباهرة للشعب الإيراني لفتوى المرجعية القادمة من مدينة سامراء المقــدسة، لم تطوَ مع صفحات التاريخ، إنما شقت أخدوداً في الساحة السياسية والاجتماعية لبلادنا الإسلامية، فكان التحدي لكل أشكال التعسف والظلم والطغيان والانحراف، وبموازاة ذلك، كان البناء والإصلاح وإضاءة سبل العلم والمعرفة والتقدم للأمة. ولابد في هذا السياق من الإشارة الى الموقف الواعي والمبدأي لعلماء الدين من قضية المطالبة بـ «ملكية دستورية» في إيران، لتكون إيران أول بلد إسلامي، يشهد كتابة دستور لنظام الحكم، وذلك سنة 1906، فهم ليسوا فقط تضامنوا مع النخبة المثقفة الداعية الى تحديد صلاحيات الملك آنذاك، إنما طالبوا بمواكبة الدستور الجديد للشرعية والأحكام الإسلامية.

صحيح؛ إن تاريخ الحوزة العلمية وعلماء الدين العاملين، مزحوم بأشكال المواجهة مع القوى الاستعمارية وأذنابها، لكن هذا لم يكن دليلاً بالمرة، على توقف العطاء الفكري والثقافي والعلمي، فقد كتب علماؤنا وحاضروا وبحثوا في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والأمن، الى جانب المسائل الأخلاقية والروحية، وكل ما يهمّ الإنسان في حياته وآخرته، وبكلمة واحدة. كانوا يقدمون دائماً البدائل والحلول والنماذج الساطعة المستمدة نورها من سيرة المعصومين صلوات الله عليهم، ولم يكتفوا بالنهي والوعظ البعيد عن أرض الواقع.

 

علماء الدين وجذور القوة

ورب سائل عن جذور هذه القوة والقدرة التي يَحظى بها علماء الدين.. ولماذا لا نجدها في مفكرين ومنظرين أسسوا لتيارات فكرية بشعارات رنانة، طالما حلموا بالتغيير والتأثير في مجتمعاتهم؟

لاشك هنالك أسباب عديدة في هذا المجال، نشير الى أبرزها:

أولاً: أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، على أنهم الأقرب الى حقائق الدين، وهذا ليس من باب المديح والثناء المنبعث من العاطفة، إنما هو الالتزام بوصية الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله، الذي طالما أكد لنا وللمسلمين عبر الاجيال على مكانة أهل بيته والأئمة المعصومين من بعده، وقرنهم بالقرآن الكريم في حديثه المتواتر والشهير: «إني تاركٌ فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي.. ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».

وإذا لاحظنا الأحاديث المروية عن الأئمة المعصومين عليهم السلام، نجد أن طائفة كبيرة منها، مروية عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وحتى الأحاديث المروية عنهم في مختلف شؤون الحياة، من أحكام دينية، ومسائل اجتماعية وإنسانية وأخلاقية وغيرها، فهي ترجمان لأحاديث جدهم المصطفى صلى الله عليه وآله، إبان حياته، والتي ألقاها على مجتمع المدينة آنذاك.

وليس أدلّ ولا أقرب مثال وبرهان، من نهضة الإمام الحسين عليه السلام، ضد الطغيان والانحراف  الأموي، فقد هتف عالياً وللعالم، بأنه لم يبتدع المعارضة والثورة من عند نفسه، ولأغراض سياسية، كما يفعل الكثير، إنما هو التزام بنهج جده رسول الله صلى الله عليه وآله، في بناء المجتمع الصالح، والحفاظ على كيان الدين وحرمة القيم والمبادئ التي ضحى من أجلها النبيون والصدّيقون.

ومن أجل ذلك نعتقد جزماً، أن الإمام الحسين عليه السلام، هو الفيصل بين الحق والباطل، وهو الخط الفاصل الى يوم القيامة، بين الدين المحمدي، والدين الذي شبهه بـ «لعق على ألسنتهم يدورونه ما درّت معائشهم». 

العامل الثاني: عندما نقول إن علماء الدين امتداد للأئمة المعصومين عليهم السلام، فلأن هذه العلاقة مضمخة بالتضحيات الجسام، والجهود الجبارة، والارتقاء عالياً في مراقي الأخلاق والخلوص والتهذيب النفسي، حتى أننا نفخر بوجود عدد لا بأس به من علمائنا الكبار، من كان على مسافة قريبة من الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه، ينهل من علمه، ويسترشد بهداه في كثير من الامور المعاصرة. وطالما أنقذت الحوزة العلمية بعلمائها الأبطال والأفذاذ، أبناء هذه الأمة من الفتن ودسائس الأعداء، وبالنتيجة، نرى أن الشيعة يرون تاريخهم حيّاً في واقعهم، وليس في بطون الكتب. فقد كان العديد من علمائنا الكبار في قمم الورع والتقوى والزهد، كما كانوا في الوقت نفسه، في عمق حياة الناس وعلى تماس مع معاناتهم ومشاكلهم، متأسين بذلك، بأئمة الهدى عليهم السلام، لذا نجد المجتمع يعد الطاعة لمراجع الدين، امتداداً طبيعيّاً، لطاعة الإمام المعصوم، ولو بدرجة أقل.

ثالثاً: وجود جذوة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، في حضارتنا الإسلامية، وفي الضمير الإنساني.. فالحديث عن الحوزة العلمية، لا يمكن حصره في زوايا حلقات الدروس العلمية، وبين طيات الكتب، وهي لها مكانتها ومنزلتها العظيمة، إنما القضية تشمل حياة الإنسان بكل تفاصيلها، ولهذا نجد الإمام الصادق عليه السلام، يقيم في كربلاء المقدسة، والى جوار جده سيد الشهداء عليه السلام، وهو مؤسس أول مدرسة علمية في تاريخ التشيع، أو «جامعة أكاديمية»، بالاصطلاح الدارج، فقد علمنا كيف نزور الإمام الحسين عليه السلام، وشدد على البعد الحضاري لنهضته، وأنها امتداد لحركة الأنبياء والمرسلين، فنحن نقرأ: «السلام عليك يا وراث آدم نبي الله.. السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله..»، فهو وارث الأنبياء برسالاتهم ومبادئهم وأيضاً بتضحياتهم ودمائهم.

 

العقيدة والتضحية

من هنا عرفت الحوزة العلمية جيداً، ومنذ وقت مبكر، أن من عوامل نجاحها وتقدمها العلمي والثقافي والاجتماعي، الاستضاءة بنور مشعل النهضة الحسينية، ولعل العلاقة العضوية بين الحوزة العلمية والمنبر الحسيني، تؤكد هذه الحقيقة على أرض الواقع، فالتشجيع والتأييد والتسديد من مراجع الدين والحوزة، والتحرك والجهاد من الخطيب الحسيني.. لننظر الى الأسماء اللامعة في سماء الخطابة الحسينية، مثل الشهيد الشيخ عبد الزهراء الكعبي، كان خريجاً للحوزة العلمية في كربلاء المقدسة، والخطيب الراحل الشيخ أحمد الوائلي، أيضاً خريجاً للحوزة العلمية في النجف الأشرف، وهكذا سائر الخطباء المبدعين والرساليين في الماضي والحاضر، وهكذا يكونون في المستقبل.

فإذا كانت العقيدة والإيمان، تترجم بالالتزام المطلق بالأحكام والتعاليم، فان لسانها البليغ هو التضحية بالغالي والنفيس، للحفاظ على هذه العقيدة من الانحراف والتطاول، والسعي لتطبيقها على أرض الواقع، كما أراده الله تعالى لنا، ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله. وهذا ما لمسته شعوبنا الإسلامية في كل مكان، بل لمسه العالم بأسره، و يعود الفضل في هذا الى المنبر الحسيني أيضاً، الذي عرّف الدين والعقيدة والقيم الأخلاقية والإنسانية للعالم. ومن هنا تحديداً انطلقت الثورات والانتفاضات والتحركات الجماهيرية ضد أنظمة الحكم الفاسدة، فالشعوب لم تعرف طبيعة الاستبداد والطغيان والظلم، إلا عندما وضعوها في ميزان عاشوراء، فيكون في الكفة التي يقف فيها يزيد، ويكون في الكفة المقابلة الحسين عليه السلام، والإسلام الحقيقي كله.

هذه المسيرة الحضارية، تشقّ طريقها بثبات وقوة، عندما تتجدد بالطاقات والأفكار والإبداعات، الى جانب ذلك، تقوية الجانب الإنساني في علماء الدين وأبناء الحوزة العلمية، حيث التركيز على الجوانب السلوكية والأخلاقية، فهي أمور دقيقة وغير منظورة، وربما تكون عند البعض غير ذات أهمية مع وجود مسائل تفرض نفسها على الواجهة ، لكن لا يخفى - بأي حال من الأحوال- على علماء الدين مسألة «القدوة الصالحة» وأنها تنجح فقط وفقط، عندما يجسّد العالم الفضائل والمكارم والمحاسن في شخصيته وسلوكه. وبذلك يمكننا أن نتطلع – إن شاء الله-   الى أفق مشرق لمستقبل واعد.


ارسل لصديق